تتناول المؤلفة في هذه الحلقة الأزمة التي عصفت بأسواق النفط في عام 1998 وأدت إلى انخفاض الأسعار إلى ما يقارب العشرة دولارات، وتروي لنا كيف تهكم الغرب على هذا الوضع وتشفى خبراؤه بالدول المنتجة، ثم تتحدث بعد ذلك عن الارتفاع اللاحق في الأسعار والعوامل التي ساعدت على ذلك، وتصف كيف بدأت الأطراف المختلفة في إلقاء اللوم على بعضها البعض.
وكأنها قد تناست حقيقة خضوع النفط كغيره من السلع لقانون العرض والطلب، وتأثره بالأحداث السياسية والعلاقات الدولية السائدة. والظريف في تجربة المؤلفة هو أنها قامت بزيارات إلى مناطق إنتاج النفط في مختلف القارات ونقلت لنا صوراً واقعية لمدى تأثير النفط على حياة الناس سواء من الناحية الإيجابية أو السلبية. أسعار النفط لا ترتبط فقط بأحوال الاقتصاد، وإنما ترتبط أساساً بمتغيرات السياسة وخارطة الأوضاع والعلاقات الدولية، هذه هي المعادلة التي حرصت مؤلفة هذا الكتاب على تأكيدها عبر اختلاف الأبواب والفصول والصفحات.
وإذا كانت قد استغرقت الفصول الستة الأولى من كتابها كي تقص على قارئها تفاصيل رحلتها الميدانية التي حملتها داخل أميركا ما بين محطات الوقود إلى شبكات الأنابيب ومن مصافي النفط في تكساس إلى مقر الاحتياطي الاستراتيجي من النفط الذي يشكل أحد محاور الأمن القومي للولايات المتحدة إذا كانت هذه الأوديسا النفطية كما وصفناها قد استغرق سردها نحواً من 140 صفحة، فقد آثرت المؤلفة ان تختتم هذه الصفحات بلمحات تحليلية لما أشرنا إليه من ارتباط مؤشر الأسعار بأحوال السياسة.
وكانت بهذا تمهد للفصول الخمسة المتبعة من كتابها وقد أفردت كل فصل منها لحديث مفصل عن خمسة أقطار اختارت كلاً منها على ضوء مشكلة بعينها ما بين فنزويلا في أميركا اللاتينية إلى تشاد ونيجيريا في إفريقيا، وما بين إيران في الشرق الأوسط إلى الصين في أقصى المشرق من قارة آسيا. في إطار التمهيد لهذا الارتباط بين السعر والسياسة توضح الكاتبة أن الأسعار ظلت على مدار عقد التسعينات تمضي في طريق الصعود والهبوط بشكل رقيق وهادئ ومعقول بحيث يرتفع السعر بغير مبالغة أو ينخفض بغير انحدار.
ومن ثم يعطي لعالم الإنتاج والاستهلاك شعوراً بقدر من الاطمئنان وقدرة على التنبؤ ومقدار من اليقين سادت هذه الأحوال التي هبت عليها الريح الرخاء عندما كانت اقتصادات جنوب شرق آسيا النمور كما كانوا يسمونها ـ تنعم بأداء جيد وتجني نتائج إيجابية إلى حد ليس بالقليل في تلك الظروف كانت هذه الاقتصادات الواعدة أيامها تستهلك كميات كبيرة من النفط مما ظل مفضياً إلى ارتفاع في الأسعار.
لكن الأمور ما لبثت أن تغيرت إلى حد درامي ومثير لأن تلك الاقتصادات الآسيوية لم تواجه مشكلة ولكنها واجهت أزمة، بل صدمة إلى حد شبه كارثي بعض الأحيان، وسرعان ما انعكست النتيجة بداهة على سعر البترول الذي أصيب بعقابيل هذه الصدمة حيث هبط في عام 1998 ليصبح سعر البرميل 35. 10 دولار.
غروب القرن
هكذا جاء غروب التسعينات أو فلنقل جاء وداع القرن العشرين وهو الحقبة التي شهدت بزوغ نجم النفط في حياة البشرية وتحليق أهميته وشهرته إلى عنان السموات، جاءت تلك الفترة لتشهد عوامل مستجدة ومتشابكة تتلخص في الثقة العميقة التي بلغت أحياناً حد الغرور في نفس المستهلكين.
وبدت منظمة الأوبك وهي اتحاد الأقطار المنتجة وكأنها فقدت جانباً لا يستهان به من قدرتها المتعارف عليها في السيطرة على حالة الأسواق ودخلت هذه الأسواق النفطية العالمية كميات جديدة أنتجتها روسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة. وعملت على دفعها بسرعة إلى أيادي المستهلكين.
هنا تعلق المؤلفة «ص 135» قائلة: هكذا شهدت الساحة عدداً من المحللين ومراقبي الشأن النفطي وهم يرقصون بمرح غامر على قبر الأوبك «تقصد الكاتبة من باب التشفي بطبيعة الحال» إذ غامر بعضهم بالتنبؤ بأن سعر البترول كفيل بأن يصل في القريب العاجل إلى 7 دولارات فقط لا غير. بل إن بعضهم الآخر «في الغرب طبعاً» بدأ يتحدث في نبرة من تهكم سافر يعبر عنه تساؤل يقول: ترى ماذا عسانا نقول عندما نواجه أزمة النفط الرخيص؟!
يومها أيضاً لوحظ أن الكونغرس أبدى تراخياً إزاء متابعة حجم الاحتياطي الإستراتيجي الأميركي وكان هذا التراخي مبعثه شعور الاطمئنان إلى غزارة العرض وانخفاض السعر بطبيعة الحال. تواصل المؤلفة حديثها فتضيف قائلة: بالنسبة لمنتجي النفط، كانت تلك الفترة ـ ختام القرن ـ كارثة بقدر ما كانت درساً مستفاداً في آن معاً.
في هذا السياق تحيل المؤلفة أيضاً إلى تصريح مهم لعلي رودريغيز، وقد كان يشغل منصب الأمين العام لمنظمة الأوبك حين قال: «في عام 1998 وحده خسر أعضاء الأوبك مبلغاً يقارب 60 مليار دولار. وجاءت هذه الخسارة بمثابة صدمة باردة وقاسية أصابت حكوماتنا التي اضطرتها الظروف إلى إجراء استقطاعات في ميزانياتها وتنفيذ تخفيضات واسعة النطاق في مجال الإنفاق الإنمائي.
مع ذلك ـ يضيف مسؤول الأوبك الكبير ـ فقد جاءت الصدمة وكأنها عامل تذكير، أو كأنها نوبة صحيان كما قد يقول لكي ندرك أن غرور الاستسلام للواقع كفيل بأن يوصل المرء إلى شفا الخطر. إن تلك الأزمة دفعتنا إلى أن نكون قاب قوسين أو أدنى من حاجز الألم والمعاناة».
هذه الأحوال نفسها دفعت أطرافاً شتى إلى إدراك مدى الخطورة الحاصلة وإلى التعاون لمواجهة عواقبها. وهكذا جاء عام 1999 ليشهد مبادرة من جانب بلدين من غير أعضاء الأوبك وهما روسيا والمكسيك، يمدان أيديهما ويتعاونان مع كل من العربية السعودية وفنزويلا على خفض سقف الإنتاج من أجل النهوض بمستوى الأسعار كي تصل إلى نطاق العشرين دولاراً للبرميل.
البترول وكرة الثلج
ربما كانت تلك هي الخطوة الأولى التي مهدت السبيل أمام تصحيح الأوضاع، وما أن انقضت سنتان على حلول القرن الجديد حتى شهد العالم تحليقاً لكيان مستجد على الساحة من الصين هذه المرة التي حققت في عام 2002 نمواً بمعدل 9 في المئة في السنة وهو معدل مرموق بكل المقاييس، وكان معناه أولاً الطلب على المزيد من كميات النفط، وكان معناه بشكل خاص أن الصين بحجمها الملياري من السكان تطورت على أرضها طبقة جديدة من الأثرياء، الذين بدأوا في التهافت على شراء سيارات لزوم الأبهة وتعبيراً عن زيادة المداخيل.
وهكذا بدت دورة الطلب تتحرك مثل كرة الثلج التقليدية التي تكبر وتتضخم مع كل شبر ونقطة، فكان أن ازدادت واردات الصين النفطية بنسبة 15 في المئة سنوياً. وربما كانت الزيادة أكثر بكثير، وهي في كل حال كانت تعكس من النشاط الخطير، أو المجنون كما تعبر المؤلفة بالنص «ص 136»، الذي ماجت به المصانع الصينية لدرجة راجت معها شائعات تقول بالتالي: إن الصين أصبحت تنتج الآن 70 في المئة من حمامات السيراميك في العالم كله.
وإن تحضير هذه السلعة تقتضي استخدام كميات ضخمة من الطاقة، وإن آسيا أصبحت بالتالي تحرق ـ بمعنى تستهلك ـ كميات إضافية من ملايين البراميل مع مطلع كل صباح لمجرد تصنيع المنتوجات التي يجرى شحنها لزوم الاستهلاك في الأسواق الداخلية بالولايات المتحدة الأميركية.
ثم زادت دينامية السوق في أواخر عام 2002 نفسه، حيث شهد خريف ذلك العام اضطرابات أعاقت سير الإنتاج في فنزويلا، وبعدها أقدمت أميركا على غزو العراق مما أفضى إلى المزيد من ارتفاع الأسعار بعدها أصبح حال النفط ـ كما تصوره الكاتبة من واقع ثقافة بلادها ـ أقرب إلى أحوال «الغرب المتمرد».
إلى مغازات البراري «وايلد وست» حيث ثقافة وسلوكيات الكاو بوي، التي لا تحكمها قوانين ولا تنظمها قواعد، وبمعنى أن تحولت المساحة النفطية في عالمنا إلى مسرح جيوسياسي تتفاعل على خشبته حقائق الجغرافيا مع ديناميات السياسة ممزوجة بعوامل التوتر ومشاعر التخوف من كل صنف ومن شتى المصادر. وحين جاء شهر سبتمبر من عام 2004 سجل السعر 50 دولاراً وكأنما حطم بذلك رقماً قياسياً غير مسبوق بمقياس تلك الأيام.
وكان سبب هذا «التحطيم» هو تلك الأخبار التي صكت اسماع العالم حين تناهت من نيجيريا بين سطور تصريح أدلى به أحد قادة الميليشيات الخارجة على القانون في منطقة إنتاج النفط في ذلك البلد الإفريقي الكبير. يومها هدد قائد الميليشيا بالاستيلاء على مقاليد الحكم في بلاده ومهاجمة شركات البترول الأجنبية العاملة على صعيدها.
لعبة اللوم المتبادل
ثم جاء دور كاترينا، الإعصار الجامح والرياح الصرصر العاتية التي عصفت بأجزاء وبنى لا يستهان بها من شرقي الولايات المتحدة وخاصة في مناطق الجنوب، وفي أعقاب جائحة كاترينا عاد سعر برميل النفط ليقفز إلى مستوى 75 دولاراً.
وكان السبب الجوهري في هذا كله يتمثل في أن إعصار كاترينا أدى إلى تدمير منصات إنتاج البترول ومحطات المصافي ومعامل التكرير في تلك المنطقة، وكان ذلك ـ كما هو معروف ـ في خريف عام 2005 ـ ويومها أيضاً ارتفعت أصابع عديدة كي توجه اتهامات عديدة أيضاً وفي اتجاهات متفرقة.
تقول صاحبة هذا الكتاب: دوائر منظمة الأوبك وجهت اللوم إلى صناعة تكرير النفط في أميركا التي لم تحسب حساب العواصف والأعاصير المدمرة وهي تقيم منشآتها في مناطق معرضة للأعاصير. والكونغرس في الولايات المتحدة وجّه اللوم من جانبه إلى شركات البترول واحتكاراته العملاقة التي لا تتورع رغم كل شيء عن تكديس خزائنها بمبالغ طائلة من «الأرباح والمكاسب الحقيرة المبتذلة التي لا تليق على حد تعبير الكونغرس ذاته.
أسواق الإنتاج والاستهلاك وجهت اللوم هي الأخرى إلى الصين لأنها دأبت على استهلاك كميات متزايدة من النفط من دون تدبّر للعواقب. شركات البترول وجهت اللوم إلى المضاربين في بورصات وأسواق النفط العاجلة والآجلة، مما أدى إلى التلاعب في معدلات الأسعار.
ولم تتورع هذه الشركات أيضاً عن توجيه المزيد من اللوم إلى «دويترويت» وهي مركز صناعات السيارات في أميركا.. لماذا؟ لأن صانعي السيارات هناك لم يراعوا أحوال الإنتاج مستقبلا أو التسعير عندما طرحوا في السوق الطراز الجديد من سيارات الدفع الرباعي.. بإمكاناتها المقتدرة وأحجامها الكبيرة وسرعاتها الفائقة. وطبعاً باحتياجات استهلاكها المتزايدة من كميات البترول.
ولما كانت الظاهرة قد حدثت بعد 4 سنوات من أحداث المركز التجاري في نيويورك، فلم ينس اللائمون أن يحاولوا إلقاء تبعة ارتفاع الأسعار على عاتق من وصفوهم بأنهم «الإرهابيون» أو على كاهل سيطرة المقيمين في منظمة الأوبك.
وهكذا دارت عجلة اللوم ومحاولة إلقاء المسؤوليات على عاتق طرف آخر، أي طرف آخر، لكن لعبة اللوم هذه ظلت تشهد المستهلكين، وقد ضاعت من أيديهم مقاليد أي سيطرة على أسواق النفط، فيما ظلت حالة الطلب على الذهب السائل الأسود في ارتفاع بحكم تزايد الاحتياجات في مناطق شتى من العالم.
وقد يسترعي اهتمامنا في هذا السياق أن تشير مؤلفة الكتاب إلى تحليل مرجعي في دنيا البترول يقول بالحرف (ص137)، ان كل ارتفاع بواقع 10 دولارات في سعر برميل النفط يكلف العالم 255 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي على الصعيد العالمي.
بعد هذه النظرة الإجمالية الشاملة التي القتها المؤلفة على المشهد النفطي بكل ما احتواه من مأساة الصراع وتقلبات الأسعار وأحوال السياسة، تتحول بنا إلى أحاديثها المفصلة التي تتناول فيها بالعرض والتحليل والتعليق أبعاد المشهد النفطي على أصعدة قطرية.
تبدأ من الفصل السابع من كتابها، حيث تعرض لأموال فنزويلا ـ وهي لا تفعل ذلك من خلال تقارير تطلعها أو معلومات تتناهى إلى أسماعها ـ فلقد قادتها غريزتها الصحافية إلى أن تسافر العاصمة كاراكاس وتجمع معلوماتها من الميدان مباشرة.
منذ بدايات هذا المشهد يبادر كتابنا إلى إصدار حكم غريب على فنزويلا قائلاً: إن ميزانية الدولة في ذلك البلد النفطي في أميركا اللاتينية بلغت 26 مليار دولار في عام 2004، بينما بلغت أرباح شركة النفط الوطنية هناك (بيدافايسا) في الفترة نفسها 42 مليار دولار، ومعنى هذا أن فنزويلا ـ الدولة ما هي إلا فرع تابع لفنزويلا ـ الشركة.
وهي أيضاً بلد المتناقضات، حيث تصحو المؤلفة ذات صباح لتشاهد دمية بحجم إنسان معلقة على غصن شجرة ويقارب شكلها سحنة رئيس الدولة هوغو شافيز، فيما علقوا في رقبة الدمية رمز الصليب المعقوف، هكذا تقول المعارضة إن شافيز هو «هتلر الجديد»، لكن ليس هذا رأي فقراء الناس في ذلك البلد اللاتيني.
إنهم يقولون إن شافيز هو نصير الفقراء ساكني التلال والعشوائيات الذين انحدرت جحافلهم إلى قلب العاصمة في عام 1998 وعلى ألسنتهم هتاف جارح يقول: نحن جائعون. وهي الجموع الكادحة الفقيرة نفسها التي تدفقت في عام 2002 مرة أخرى إلى شوارع العاصمة مؤيدة لشافيز، فإذا بها تعيده إلى القصر الرئاسي في كاراكاس بعد محاولة انقلابية مضادة لم تدم سوى لوقت قصير عاد بعده شافيز إلى سدّة الحكم وعلى لسانه أكثر من إدانة لدور واشنطن وعملائها في مثل هذا الانقلاب.
لا عجب أن تستقل المؤلفة سيارة أجرة إلى وسط العاصمة فإذا بها تطالع لافتات وكتابات وملصقات كان في مقدمتها بالاسبانية لافتة تقول: «غرينغوس.. فويرا» ومعناها أيها اليانكي ـ الأميركيان ـ عودوا إلى دياركم، بعدها تستكمل المؤلفة صورة الموقف وأبعاده بالأرقام.
على مدى 90 عاماً ظلت فنزويلا مجرد مستودع فرعي موثوق وقانون لتلبية أي احتياجات تطلبها أميركا من البترول ـ إلى أن حلت حقبة شافيز تبيع كاراكاس 70% من مجموع إنتاج البلاد النفطي إلى أميركا. المال النفطي يشكل ثلث الناتج المحلي الإجمالي ويمثل نصف ميزانية الدولة. وفي كل حال على نحو ما يقول ماروجا تاري أستاذ السياسة النفطية بجامعة سيمون بوليفار ـ ماثلة مؤثرة ومتواجدة باستمرار في الحياة اليومية في فنزويلا، وليس السبب هو ذلك الحبل السري الفنزويلي الذي ما برح يصل بين واشنطن وكاراكاس.
هناك أيضاً حسب تعبيرات ماروجاتاري مؤشرات قد تبدأ بميكي ماوس وهواية لعبة البيسبول، وقد لا تنتهي بالحلم الأميركي الذي يراود الكثيرين من أبناء البلاد. وفي عبارة موحية واحدة فإن أميركا هي الفردوس، الذي يرنو إليه ويبغضه أهل فنزويلا.
ومن أخيلة الحلم الأميركي الذي تلمع أضواؤه أمام عيون وأفئدة سكان فنزويلا إلى موقع معتم الظلام كآبي الأضواء اسمه نجامينا في قلب الصحراء الافريقية، ورغم أن هذا الموقع ـ تشاد ـ أصبح معدوداً بين منتجي النفط في العالم، إلا أن عاصمته نجامينا كانت مطفأة الأضواء عندما حطت طائرة مؤلفة الكتاب على مطارها البسيط المتواضع. وكان السبب هو العطل الذي أصاب مولدات الكهرباء التي تقدم بها العمر وعفى عليها الزمن وتجاوزتها مسيرة التطور فيها للتناقض!
زيارة المؤلفة إلى تشاد تمت في أكتوبر عام 2003 وقبل هذا التاريخ بشهر واحد فقط بادر كل من شركة اكسون النفطية العملاقة ومعها البنك الدولي فضلاً عن رئيس جمهورية تشاد ادريس ديبي، إلى إعلان فجر حقبة نفطية في ذلك القطر الأميركي الذي طالما عانى من الفقر والحدب وقسوة بيئة الصحراء ومغبة الصراعات الفئوية والقبلية والجهوية التي كانت دامية ومدمرة في كثير من الأحيان.
«لير دي بنزول» هي اللافتة الفرنسية التي تعبر عن حقبة النفط. وحول هذه اللافتة بشعارها الواعد يقف عدد من افخر وأحدث السيارات الفارهة التابعة ولا تمر للشركات المنتجة للبترول. ليس صدفة أيضا أن الجدار الذي تستند إليه اللافتة الواعدة وتصطف إلى جواره السيارات الفاخرة ـ هذا الجدار مليء بعشرات الحفر والثقوب والأخاديد ناتج عن طلقات رصاص ربما قذائف مدفعية، اخترقت حجب الهواء الصحراوي خلال الصراعات والمناوشات واشتباكات الحروب الأهلية التي طالما عانت منها تشاد قبل حلول حقبة البترول.
لقد دامت هذه الحروب الداخلية حوالي 30 سنة بعد حصول تشاد على استقلالها عن فرنسا في عام 1961. تحيل المؤلفة إلى واحد من الكتب القليلة التي صدرت ذلك البلد الصحراوي الإفريقي وعنوانه «حدود الفوضى» وفيه يصف مؤلفه «تولد شنغو» تشاد بأنها إحدى «أغرب مناطق العالم حيث الدولة ـ الحكومة مقيدة أو موزعة بالضرورة بين أن تنشأ وتتطور وبين أن تنهار وتتحطم.
لعل هذا هو السبب الذي جعل الدبلوماسيين الأفارقة يصفون تشاد بأنها بلد الفراغ الذي ظلت تلعب فوق ساحته قوى عديدة منها مثلا: السودان، وأميركا.. وليبيا وفرنسا، وكلها ظلت تتصارع على كعكة بلد فقير.. لم يعرف حتى طبقة التجار ولا نظام الانتاج الاقتصادي الحديث حتى أن مؤلفة كتابنا «مضت ـ كما تقول على صفحة (171) أكثر من 10 دقائق لكي تغير ورقة عملة تشادية واحدة مقابل أقل من 5 دولارات.
فرح بالثروة
قد يستغرق النظر، وربما يسترعي الاستغراب الشديد، أن تعرف مع مؤلفة الكتاب، أن البترول يرجع اكتشافه في تشاد إلى عقد الستينيات من القرن الماضي، ولكن الكميات كانت محدودة فيما كانت النوعية عالية اللزوجة فضلا عن أن مواقع الانتاج كانت بعيدة عن منافذ التوصيل أو التصدير التي كانت تمزقها ـ فوق البيعة أيضا ـ صراعات الحروب الأهلية وانعدام الأمن العام.
في هذا السياق أيضا تلتقي مع عبدالله جونوما رئيس غرفة تشاد التجارية وتصفه المؤلفة أيضا بأنه من كبار تجار الصمغ العربي وهو من أهم السلع التي اشتهرت بها مناطق الصحراء الإفريقية الكبرى يقول: أجل في عام 1971 حصلنا على أول برميل بترول من باطن الأرض، يومها أقمنا حفلا وتصورنا أنه سوف يغير كل شيء..
مع ذلك كان الدرس المستفاد عند غيرنا هو أن البترول جلب الانهيار الاقتصادي في بلاد أخرى من قارتنا.. مثل نيجيريا والغابون.. ولما كانت تشاد تملك موارد أقل فإن خشيتنا أكثر من أن يجلب علينا البترول ظاهرة أخطر هي عسكرة المجتمع، فالحاصل أن المستعمرات الفرنسية السابقة انساقت بعد الاستقلال نحو النزعة العسكرية.
المهم أن جاء عام 1994 لتدرك كبرى لشركات النفط العالمية وأن هناك مليار برميل شركات النفط العالمية أن هناك مليار برميل نفط تحت أراضي تشاد وهو رقم سحري لتحقيق الأرباح. وفي أواخر التسعينيات بدأ التفاوض على رقم سحري آخر من المكتشفات النفطية. هكذا دارت العجلة بغير توقف ومعها دارت تروس ماكينة أخرى هي إجراءات تأمين رئيس الدولة الذي يغلقون لدى مروره كل الدكاكين وكل المقاهي وكل المرافق لإخلاء الشوارع تماما من جموع العابرين، مع ذلك في عهده حظيت تشاد في عام 2005 بعوائد نفطية بلغت 306 ملايين دولار.
وكان أن انتقلت تشاد من موقع عاشر أفقر بلد في العالم إلى حيث تحسنت الأحوال لتصبح رابع فقراء الدنيا ولكن هذا التحسن جاء مشوبا بمسحوق المرارة حيث تزامن هذا الإعلان مع بيان صادر عن دوائر محاربة الفساد الدولية وضع تشاد في مرتبة أشد الأقطار فسادا (ص 196) وهي وضعية تشاركها فيها دولة آسيوية اسمها بنغلاديش ـ للأسف الشديد مع هذا كله، فمازالت العجلة تدور. مازالوا يشقون طرقا معبدة وحديثة في البلاد.
ويؤسسون جامعة في نجامينا ويشكلون برلماناً تحت شعار التحول إلى الديمقراطية. حملت المؤلفة هذه التأملات من الصحراء الكبرى في إفريقيا إلى فرانكفورت حيث انتظرت الطائرة التي نقلتها إلى الشرق الأوسط. إلى طهران بالذات.. كانت الطائرة حاشدة بالركاب جلس إلى جوارها رجل أعمال إيراني يحمل الجنسية الكندية.
آثر أن يقطع المسافة في أحاديث متواصلة مع مؤلفة الكتاب التي لخصت ثمار هذه الأحاديث المرسلة على متن الهواء في سطور قالت فيها: «حتى قبل أن تطأ قدماي أرض طهران» كنت كمن غاص في دوامة مؤامرات ومخططات تشابكت خيوطها بين عناصر النفط والنفوذ.
عرض ومناقشة: محمد الخولي