بعد مضي حوالي عقد من الزمن على التسوية الدولية حول كوسوفو، بات المجتمع الدولي قاب قوسين أو أدنى من مواجهة عقبة نهائية. ذلك أن هذا المجتمع لم يتجاهل الخطة الأخيرة لمعالجة النزاع البلقاني المتقلب فحسب، بل إن اللاعب الأهم- الذي يتلاعب بإعادة الفوضى إلى بوابات الاتحاد الأوروبي ـ ترك نفسه لينقسم على نفسه جراء ظاهرة لا يمكن وصفها إلا بأنها مقلب روسي قذر.
نحن في أفق تحديد الوضع القانوني لإقليم كانت الأمم المتحدة قد أدارته منذ عام 1999، عندما وضعت عمليات القصف التي قام بها حلف الناتو حداً لحملة التطهير العرقي التي شنتها بلغراد ضد الإقليم الذي يطالب بالانفصال. ومع انتهاء فترة الـ 120 يوما الخاصة بالمفاوضات النهائية، ما من أحد يتوقع ما سيحدث.
علما بأنه أصبح في حكم المؤكد تقريبا أن المباحثات بين بلغراد وبريشتينا ستصب في نقطة ميتة، الأمر الذي سيقود مجلس الأمن الدولي، المصاب بالشلل إثر تهديدات روسيا باستخدام حق النقض الفيتو،إلى رؤية نفسه عاجزا عن كسر الجمود عن طريق اعتماد الاقتراح الخاص بكوسوفو الذي قدمه مارتي أهتيساري ، مفاوض الأمم المتحدة الخاص.
وبعد أن ذهبت المراهنات على يوم 10 ديسمبر أدراج الرياح، فإنه من المحتمل أن تقوم بريشتينا خلال الأشهر الأولى من عام 2008 المقبل بإعلان استقلالها من جانب واحد، ذلك الاستقلال الذي سيكون معترفا به من قبل حوالي 22 عضو من أعضاء الاتحاد الأوروبي ـ إلى جانب الولايات المتحدة وتركيا والجارة مقدونيا من بين آخرين ـ بينما ستتخذ بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي موقفا سلبيا من ذلك الإعلان.
ذلك الانقسام في أوروبا مقلق بشكل عميق، لأنه يفترض، في المقام الأول، قيام الاتحاد الأوروبي بإبداء استعداده لإرسال بعثة سياسية وأخرى للاعتراف القانوني كي تحلا محل وجود الأمم المتحدة في كوسوفو. لكن موسكو أوضحت أنها سترفض مبادرة تفويض مجلس الأمن الدولي تلك وهو موقف لا يساهم بأي شيء إيجابي في الجهود المبذولة من أجل إرساء دعائم الاستقرار في منطقة البلقان.
وإذا كانت بروكسل عاجزة عن التوصل إلى اتفاق حول وضع كوسوفو، فإن مهمة الاتحاد الأوروبي ستبدأ مسيرتها غارقة في الخلافات. كيف سيقوم مستشاروها وشرطيوها وقضاتها المبعوثون من قبل الاتحاد الأوروبي بعملهم بشكل فعال في بلد ليس معترفا به من قبل العديد من أعضائه؟
في المقام الثاني، بأي طريقة ستعمل بروكسل مع كوسوفو بعيدا عن توافق أعضائها حول الوجود القانوني الصرف لبلد جديد؟ إن توقيع الاتفاقات وكذلك الشروع في المفاوضات حول إمكانية ضم هذا البلد إلى الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن ترى النور في ظل الانقسام في بروكسل حول كوسوفو. وبالتالي، فإن البلد المنكوب سيظل مشلولا ومتوقفا عند حافته القانونية الحالية.
لكن هذا المشهد قد يتدهور إذا سمح الاتحاد الأوروبي بترف استمرار حالة الانقسام حول كوسوفو، ذلك أن سكان صربيا في شمال كوسوفو قد يدب بهم الحماس ويشرعون في حركات انفصالية داخل الدولة الجديدة، لا سيما إذا كان وجود حلف الناتو غير كاف وتفويضه لا يشمل حق التدخل.
ومن جانب آخر، فإن النوايا الانفصالية للمجتمع الصربي في شمال نهر «إيبار» قد تعزل العرقيات الصربية المحصورة في الجنوب وتضعهم خارج دائرة ضمانات الحماية التي قد تقدمها لهم «خطة أهتيساري».
أما الألبان المقيمون في المنطقة المجاورة لوادي «بريسيفو»، الذين تصدروا في عام 2000 انتفاضة صغيرة، فلقد بينوا بوضوح أنهم سيعلنون انضمامهم إلى الدولة الألبانية ـ الكوسوفية الجديدة في حال شرع صرب كوسوفو بتثبيت الحدود الداخلية القديمة ليوغوسلافيا السابقة، الأمر الذي يمثل منطقا مألوفا بالنسبة للأصوات المطالبة بالتعديل في جمهورية صربسكا.
لا مجال للشك بأن اتساع رقعة عدم الاستقرار في المنطقة لا يشكل جزءا من المصالح الأوروبية. ومن أجل الحيلولة دون زيادة مستوى عدم الاستقرار داخل حدوده، فإنه ليس أمام الاتحاد الأوروبي من خيار آخر غير دعم إعلان استقلال بريشتينا الذي أصبح حتميا أصلا والاستعداد للتعامل مع الدولة الأوروبية الجديدة كأي دولة أخرى تنتمي إلى القارة العجوز.
عن «الموندو»
بقلم: كريس باتن