بينما تتسارع وتيرة ظاهرة الاحتباس الحراري حول العالم، يتبين بما لا يدع مجالا للشك أن القطب الشمالي يعد إحدى أكثر بقاع الأرض تأثرا بارتفاع درجات الحرارة وتسخن الأرض بشكل لم يحدث له مثيل من قبل. قد لا يبدو هذا الأمر جديدا على المتابعين والمهتمين بشؤون المناخ في العالم سواء أكانوا اختصاصيين أم هواة.

غير أن الأمر الجديد بالنسبة للبعض يتمثل فيما تعرضه مجلة (فوكس) العلمية في أحد أعدادها الأخيرة عن وقع إمكانية انهيار القطب الشمالي على الواقع الاقتصادي للعالم، وكيف يمكن أن يؤدي هذا الانهيار إلى طفرة اقتصادية على الرغم مما يحمله الأمر من توابع قد تصل إلى حد الكوارث جراء إمكانية اختفاء بيئة جليدية مترامية الأطراف كانت ولا تزال تلعب دورا أساسيا في حفظ التوازن البيئي حول العالم.

الواقع يشير حاليا إلى تسارع وتيرة الاحتباس الحراري في المناطق الشمالية يساهم بدوره في كسر جبال الجليد التي قد تتحول إلى كتل عائمة في القطب الشمالي، وهو الأمر الذي بينته إحدى الدراسات الحديثة التي أجريت حول ظاهرة الاحتباس الحراري، والتي أشار فيها عالم الجغرافيا لوك كوبلاند، الأستاذ في جامعة أوتاوا الكندية، إلى ذوبان العديد من المساحات المتجمدة في معظم مناطق القطب الشمالي في شمال كندا ومعظم سيبيريا وأيضا القمم المرتفعة في المناطق الجبلية الجليدية مثل جبال الألب والتبت.

وتؤيد الملاحظة الميدانية ما توصل إليه تقرير خاص بتحليل التأثيرات التي يتعرض لها القطب الشمالي والمعني برصد ما يحدث في صيف المناطق القطبية من ذوبان للجليد في الأراضي المتجمدة خلال الخمسين عاما الماضية.

قد يبدو الأمر مريعا في نظر الكثيرين الذين يعلمون العواقب الوخيمة لمثل هذا الانهيار الجليدي الذي يمكن أن يسبب سقوطا للمباني وهبوطا في مستوى الطرق وتحطم لأنابيب النفط. كما تتأثر الظواهر الطبيعية بعملية الذوبان أيضا، حيث رصد العلماء حدوث انهيارات أرضية في مناطق الأراضي المتجمدة في كندا وازدياد حالة عدم استقرار التربة في انهيارات جليدية في المناطق الجبلية مثل منطقة جبال الألب.

وفي المناطق الجبلية المنبسطة يمكن أن يؤدي ذوبان الجليد إلى عدم ثبات المنحدرات وتساقط الحجارة، حيث تكونت تلك المناطق في الأساس من خلال تجمع الجليد فوق الصخور، مما يعني أن الثلج يعمل كنوع من اللواصق بين تلك الصخور وفي حالة ذوبانه تفقد الأرض تماسكها وتبدأ في التساقط مثلما حدث أثناء الموجة الحارة التي ضربت أوروبا في عام 2003 عندما انفصلت صخرة كبيرة من قمة ماتيرهورن فجأة واحتجزت بعض المتسلقين.

بيد أنه على الرغم من كل ذلك، فإن هناك من يرى الأمر بصورة براغماتية مغايرة تماما لنظرة علماء البيئة . فمجرد وجود كتلة قطبية خالية من الجليد هو أمر يعني نشوء محيط جديد على قمة الكرة الأرضية يمكن الإبحار فيه واستخدامه في عمليات شحن النفط والغاز لاسيما في ظل تأكيدات الإحصائيات الحديثة على أن مياه هذه الكتلة المتجمدة من الأرض تحتوي على أكثر من ربع الاحتياطي غير المكتشف من النفط والغاز في العالم.

وهو الأمر الذي بطبيعة الحال لا يخفى على الدول المجاورة والمتاخمة للقطب الشمالي والتي تعلم تمام العلم ما يمكن أن تجنيه من ثروات طائلة من أعماق هذا القطب في حال ذوبان جليده، وهو الأمر المتوقع في ضوء تسارع وتيرة ظاهرة الاحتباس الحراري حول العالم بشكل فاق كل التوقعات.

فمن نافلة القول إنه في ظل وجود عالم يستهلك 82 مليون برميل من الذهب الأسود يوميا، فإن ذوبان جليد القطب الشمالي و ما سيؤدي إليه الأمر من فتح الباب أمام استغلال 237 مليار برميل من النفط هو أمر يسيل له لعاب ليس الدول الخمس المتاخمة للقطب الشمالي فحسب وإنما لعاب كل دول العالم الأخرى.

فالدول التي تقع حدودها على القطب الشمالي، لاسيما بعد تجدد الدراسات التي تشير إلى إمكانية انهيار الجليد في غضون سنوات قليلة، استعدت لإعادة فتح دفاترها القديمة المتعلقة بالمنازعات الحدودية والتي جرى تهميشها في الماضي عندما لم يكن الأمر يستحق عناء التنازع على مياه قطبية لا تُسمن ولا تغني من جوع!

وأخذت روسيا الخطوة الأولى في هذا الصدد حيث أرسلت بعثة استكشاف علمية لسبر غور أعماق المحيط المتجمد الشمالي وقيعانه، وذلك عن طريق غواصتين صغيرتين على متنهما طاقمان من الباحثين اتجهوا في رحلة نحو قاع المحيط الذي يقع على عمق 4200 متر تقريبا. وكانت كاسحة جليد نووية قد مهدت سبل الملاحة لسفينة أبحاث جلبت طاقمي الغواصتين نحو موقع الانطلاق.

وترك أفراد البعثة، ومن بينهم اثنان من أعضاء مجلس النواب الروسي، ما يثبت وصولهم إلى قاع المحيط وهو كبسولة تحتوي على العلم الروسي. وذكر وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، وقتها أن موسكو ستسترشد بالقانون الدولي في تحديد الجرف القاري لروسيا في منطقة القطب الشمالي.

وتعلم روسيا، التي تسببت الخطوة التي قامت بها، في إثارة غضب دول العالم الكبرى لاسيما الولايات المتحدة الأميركية، أنها تمتلك أوفر الحظوظ في استغلال مياه القطب الشمالي ليس لأنها تمتلك أطول الحدود على المحيط القطبي فحسب وإنما لأنها تتمتع بأعلى قدرة على العمل حاليا في ظل الظروف الموجودة في تلك المنطقة التي تتطلب امتلاك غواصات نووية وكاسحات ثلوج، وهي المعدات التي ورثتها روسيا من تركة الإتحاد السوفييتي السابق.

وسواء فرضت روسيا سيطرتها على القطب الجنوبي أم لا، فإن الأمر المؤكد حدوثه في الفترة المقبلة هو أن صناعة النفط هي الرابح الأول مما يجري من انكماش في جليد القطب وربما سيكون ما سيجري في مياه القطب في الفترة المقبلة أشد تأثيرا في صناعة النفط من الارتفاع الجنوني الحالي في أسعار الطاقة، بعد أن لامس سعر برميل النفط الخام سقف 100 دولار.

وفي هذا الصدد تؤكد شركات النفط العالمية أن تطوير المنطقة القطبية الشمالية هو أمر باتت تفرضه الضرورة من أجل الوفاء باحتياجات العالم المتزايدة من النفط. فرئيس شركة شيل العالمية للنفط يؤكد أن العالم «بحاجة إلى أن يعود للواقع، فمصادر الطاقة المتجددة لن تكون المفتاح السحري الذي سيحل جميع مشكلات العالم النفطية في الوقت القريب», على حد قوله.

وفي المقابل تشير المجلة إلى أن هناك جماعات بيئية تحمل رأيا ثالثا في هذا الصدد. فبعيدا عن الخوف من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تنجم عن اختفاء جليد القطب الشمالي، وبصرف النظر عن المكاسب التي يمكن أن تحققها شركات النفط العالمية من الاحتياطي الضخم الموجود في أعماق المحيط.

فإن هناك دراسات تشير إلى أن أعماق المحيط تزخر بكميات كبيرة من غاز الميثان التي إن تسربت في حال اختفاء الجليد ستتسبب في تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري في العالم. وتأكيدا لهذا الرأي وجد معهد العلوم المائية الأميركي مؤخرا تلالاً منخفضة على سطح مياه المحيط القطبي تسبب في وجودها غاز الميثان المتطاير من قاع المحيط.

وفي ضوء تضارب الآراء إزاء سلبيات وإيجابيات انهيار جليد القطب الشمالي، فإنه من الواضح أن السنوات المقبلة هي وحدها القادرة على حسم هذا الجدل

إعداد وترجمة: حاتم حسين