توالى، مؤخراً، حشد من الاحتفالات بالذكرى السنوية لأحداث عديدة في روسيا. حيث تم الاحتفال بالذكرى التسعين لثورة أكتوبر وبالذكرى الخامسة والعشرين لرحيل الرئيس الأسبق ليونيد بريجنيف. وستحل الذكرى السادسة عشرة لتفكك الاتحاد السوفييتي عما قريب. ومن خلال فهم المناسبة الأولى وحده، يمكن أن نتفهم المناسبات الأخرى.
كان لثورة أكتوبر على الدوام العديد من المنتقدين. حيث وصفها الفيلسوف إيفان شيميليف بأنها «أعظم لطمة لروسيا». ووصفها الكاتب فاسيلي روزانوف بأنها «مذبحة روسيا». وينظر إليها عدد لا حصر له من الكتاب باعتبارها مأساة قطعت انسياب التاريخ وقضت على أفضل أبناء روسيا.
ولكن الثورة لها أيضاً من يدافعون عنها، والذين تشكل بالنسبة لهم بداية عصر جديد في التاريخ، وانجازاً للحرية والانعتاق من عالم العبودية والطغيان، وخلاصاً لروسيا وأوروبا ومصدراً لأمل آسيا وإفريقيا. وبحسب هذه الرؤية، فإنه لم تكن هناك مؤامرة وإنما كانت هناك ثورة اجتماعية كبرى جلبت إلى السلطة بفضل منطق داخلي قوي، إلى العمال والفلاحين والحزب البلشفي، الذي مثل إرادتهم.
وبالنسبة لغالبية الروس الذين نشأوا في ظل النظام السوفييتي، فإن هناك حقيقة تكمن في هاتين الرؤيتين كلتيهما، ولكن لا مكان للنقد المفرط في التطرف للثورة والجوانب الاجتماعية الأخرى من الحياة في الاتحاد السوفييتي في القرن العشرين. وبالنسبة للكثير من الناس فإن الثورة ليست حدثاً تاريخياً فحسب، وإنما هي أيضاً جزء من الحياة والوعي.
وبالطبع، فإن هذا لا يعفي من يرفضون الإصغاء إلى التحليل العقلاني حول ماضي روسيا. إن دراسة الثورة قديمة على وجه التقريب قدم الثورة نفسها وقد أسفرت عن تقديم قدر هائل من الأبحاث في داخل روسيا وخارجها. ولكن حتى اليوم، فإننا لا نزال بعيدين عن فهم العديد من العوامل والصلات والحوافز والأسباب والنتائج المهمة لما حدث عام 1917 والسنوات الأولى من السلطة السوفييتية.
وقليلة هي الأحداث التاريخية التي ولدت مثل هذا العدد الكبير من المفاهيم والنظريات التي يتعين تقويمها وتفسيرها أو ولدت مثل هذا العدد الكبير من عمليات التزييف الفجة، والبارعة على حد سواء.
وقد انغمس كل من البلاشفة وأعدائهم في عمليات التزييف والإخفاء والتشويش والتلفيق للحقائق والظروف، سواء كانت تشير إلى الدور الحقيقي لستالين أو تروتسكي في الثورة أو إلى سلوك الفلاحين والقوزاق. وقد سقطت ألوف الأسماء من التاريخ، وتم تجاوز أعمال البعض ونسبتها إلى آخرين، وتم تشويه طبيعة ودوافع وأنشطة الأحزاب والجماعات والحركات الوطنية والطبقات.
وتم الإعلاء من شأن الثورة وقادتها، وكذلك تمت عمليات تزوير وتزييف بشأن سمعة البعض وسيرة حياتهم. وتم تبسيط المسار الحقيقي للأحداث ووضعه في خط مستقيم، وتحويل كل مرحلة من مراحل الثورة إلى استمرار طبيعي للمرحلة التي سبقتها. ولم يتحدث أحد عن الأخطاء والشكوك والتردد والجهل من جانب قادة الثورة. ومعظم الأراشيف المهمة لم يكن هناك سبيل للوصول إليها ولم يتم اكتشافها.
بدأ الوضع يتغير من عام 1988 إلى 1991، عندما انتقل تاريخ الاتحاد السوفييتي والثورات الروسية إلى مركز اهتمام الرأي العام. وفتح انهيار الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي آفاقاً جديدة - وجميع الأراشيف تقريباً- أمام المؤرخين. وأصبحت أعداد كبيرة من الوثائق والمصادر الأخرى ذات الصلة ببدايات النفوذ السوفييتي متاحة لمن يريد الوصول إليها لإجراء المسح والتحليل.
واليوم، بغض النظر عما يقوله الناس عن إدارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإننا متحررون من الرقابة السياسية والأيديولوجية الصارمة. وعلى الرغم من أن الواقع السياسي الجديد الراهن يوجد أساطيره وعمليات التزييف الخاصة به، إلا أن هذا الأمر لم يتسع نطاقه ليشمل عمل المؤرخين. لذا فإن التاريخ النزيه للثورة الذي لم يتم تدوينه ربما لا تزال هناك فرصة لتدوينه.
قلما يتحدث بوتين عن مشكلات تاريخ روسيا في القرن العشرين، ففي معرض رده على سؤال مباشر عن موقفه تجاه أحداث عام 1917 قال إنه يعتبرها «رد فعل طبيعي للبلاد على الهزيمة في الحرب العالمية الأولى». عندما زار بوتين المقبرة الروسية بالقرب من باريس ـ حيث دُفن العديد من الشخصيات المحورية من الحركة «البيضاء» والمهاجرين الروس- قام بوضع أكاليل من الزهور على قبري الشاعر إيفان بونين وفيكا أوبولينسكايا، وهي بطلة في المقاومة الفرنسية.
توقف بوتين أيضاً بالقرب من بلاطة القبر الجماعي للجنرالات والضباط في الجيش الأبيض. قال بوتين: «نحن أبناء الأم نفسها ـ روسيا، وقد آن الأوان لنا جميعاً أن نتحد. وقد تم، مؤخراً، نقل رفات أندريه دينيكن وهو جنرال في الجيش الأبيض، إلى موسكو، ورفات فلاديمير كاربيل وهو جنرال آخر من الجيش الأبيض، إلى إركوتسك».
وقد شيد نصب تذكاري للأدميرال ألكسندر كولشاك، الذي قاد الجيش الأبيض ضد البلاشفة، في إركوتسك، وبني نصب تذكاري لنيكولاس الثاني في موسكو. بالتأكيد، كانت الكنيسة الأرثوذكسية قد جعلت نيكولاس الثاني قديساً. هذه خطواتٌ باتجاه توحيد دولة وأمة وليست محاولات للانتقام أو تقسيم البلاد. اليوم، تتوفر ظروف جيدة لإجراء تمحيص هادئ وغير متحيز لماضي روسيا، بدءاً من الثورة ووصولاً إلى أيام الركود في عهد بريجنيف. إنها فرصة يتعين على المؤرخين استغلالها.
عن «موسكو تايمز»