أجرت صحيفة «كلارين» الأرجنتينية حواراً، مؤخراً، مع محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قال فيه إنه ليس متأكدا من أن طهران تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، لكنه أكد أن ليس لديه ضمانات كاملة بهذا الصدد. وفي حين يطالب البرادعي إيران بمزيد من الشفافية، فإنه يطالب الغرب بمزيد من الدبلوماسية.

يذكر أن البرادعي يقف في عين العاصفة ويعمل ضد عقارب الساعة، فهو الذي يقود هذه المنظمة الدولية الحيوية ويشرف على البرنامج النووي الإيراني ويتعرض لضغوطات من جانب الولايات المتحدة وحلفائها بغية تصليب موقفه حيال طهران، حيث تعرض التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول إيران لهجوم عنيف من قبل كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويعتبر محمد البرادعي، الحائز على جائزة نوبل للسلام، من أكثر الشخصيات احتراما في ميدان الدبلوماسية الدولية، وخلال وجوده في العاصمة الأرجنتينية التقى الرئيس الأرجنتيني نيستور كيشنر ووزير الخارجية الأرجنتيني خورخي تايانا وتحدث عن التطور النووي المحلي. وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته الصحيفة الأرجنتينية مع البرادعي على هامش الزيارة الرسمية التي قام بها هذا المسؤول الدولي إلى بوينس أيريس مؤخرا:

* واشنطن انتقدتكم أنتم وهانس بليكس مفتش الأمم المتحدة السابق كثيرا، عندما قلتم إن صدام حسين لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل. ومن ثم قامت الولايات المتحدة بغزو العراق. هل يقف العالم اليوم أمام مشهد مماثل؟

ـ واجبنا في كلتا الحالتين هو العمل بشكل موضوعي. وآمل أن يتم التعامل مع الأمر بطريقة متوازنة وأن نكون جميعا قد تعلمنا الدرس من الحرب على العراق. فعلى الرغم من وجود خلافات كثيرة، إلا أنني أعتقد أن الجميع يرى حلا واحدا فقط بالنسبة لإيران، ألا وهو الدبلوماسية.

* لكنكم تعلمون أن الخيار العسكري مطروح على الطاولة..

ـ الخيار العسكري لن يحل شيئاً، لا بل على العكس تماما، صحيح أنه سيؤخر البرنامج الإيراني، لكنه لن يوفر في نهاية المطاف حلا دائما وسيولد المزيد من المشكلات في منطقة باتت تمثل ورطة كبرى وهي منطقة الشرق الأوسط. وصحيح أنه لا توجد ضمانات مؤكدة بنسبة 100%، لكن لا توجد كذلك معطيات تدلنا على أن إيران تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية. ومن المؤكد أننا بحاجة إلى بروتوكول إضافي حول منشآت إيران الجديدة.

* هل يساعد في شيء أن تتحدث كل من الولايات المتحدة وإسرائيل عن الخيار العسكري؟ وكيف ستسمح إيران بمزيد من عمليات التفتيش إذا كان من الممكن، كما جرت العادة، أن تتحول المواقع المراد تفتيشها إلى أهداف عسكرية؟

ـ الدبلوماسية مرتبطة بالضغوط والعقوبات والمحفزات أكثر من ارتباطها بالقوة. قيل في السابق إن الدبلوماسية هي حرب بوسائل أخرى، لكن هذا انتهى مع ظهور ميثاق الأمم المتحدة، الذي لا يستثني مسوغات الحروب إلا في حالة الدفاع عن النفس والتهديد الداهم والمباشر أو في حال أعطى مجلس الأمن الضوء الأخضر. وإن استخدام القوة ربما يضغط باتجاه صنع أسلحة في إيران، التي ليس لديها حاليا منشآت صناعية كبرى قيد التشغيل. وكل ما هنالك هو برنامج ناشئ وصغير لتخصيب اليورانيوم.

* هل سيكون هناك عمليات تفتيش أعمق في إيران؟

ـ نعم، بالطبع. ذلك أن إيران تعتبر حالة معقدة جدا. فلقد قامت على مدار 20 عاما بتطوير برنامج سري وذلك جعل عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية غاية في الصعوبة. ولقد قلنا ذلك في التقرير. ولقد طالبت الإيرانيين بأقصى مستوى من الشفافية والتعاون بعد أن حدثت أزمة في الثقة حول طبيعة البرنامج. وذلك هو مفتاح القضية كلها، أي أزمة الثقة. والجانب الأكثر حساسية في هذا السياق هو تخصيب اليورانيوم، الذي يمكن عن طريقه تصنيع مادة نووية.

* هل تسير حكومة أحمدي نجاد على ذلك الطريق؟

ـ لسنا متأكدين، لكن ليس لدينا ضمانات أكيدة 100% أيضا. وإن واقع أن إيران تبدو نشيطة في قضية التخصيب يبين أن الإيرانيين لديهم برنامج لكن ليس هناك حاجة لتحرك طارئ لأنهم لم يحصلوا حتى الآن على منتج نووي. فمنذ وقت طويل والإيرانيون يقولون إنه يتوجب عليهم أن يتمتعوا بالاكتفاء الذاتي والاستقلالية، وإن الأمر يتعلق بقضية علمية ومدنية وتكنولوجية أو يتعلق بموضوع الصادرات الذي قد يفيدهم في المستقبل.

لكن لا شك بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تستطيع التحقق من الملف النووي الإيراني وإثبات أن كل ما يجري هناك هو سلمي، بحيث ستتواصل أزمة الثقة، في حين لا أحد يطرح حق إيران على بساط البحث، لكن المشكلة تكمن في توقيت ممارسة ذلك الحق.

* ما الدور الذي يلعبه مجلس الأمن؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن الصين وروسيا لا تقران فرض عقوبات جديدة على إيران.

ـ طلب مجلس الأمن من إيران تعليق عملية التخصيب إلى أن تستعاد الثقة. وأنا أيضاً طالبت بذلك. فكلما تعاون الإيرانيون أكثر وسمحوا لنا بالوصول إلى الوثائق وأشياء أخرى، تمكنا أكثر من استعادة الثقة. فنحن بحاجة إلى ما يطلق عليه «البروتوكول الإضافي»، الذي يقدم لنا معلومات إضافية ويوفر لنا مدخلا آخر لأمكنة جديدة، وذلك لا غنى عنه حتى نتمكن ليس فقط من النظر إلى الماضي وإنما حتى نتمكن كذلك من القول:

«إننا نمر الآن في ظروف ناضجة تمكننا من إعطاء ضمانات حول الأعمال القائمة». ويتعين على مجلس الأمن الدولي أن يطالب إيران ويضغط عليها حتى تقبل بالتفاوض وتعي أن الحل الدائم لن يأتي إلا عن طريق التفاوض.

* هل تثقون بأن لحظة المفاوضات قادمة؟

ـ نعم، فالمفاوضات بين إيران والإتحاد الأوروبي متواصلة وأنا متفائل في هذا الشأن. والموضوع النووي كان مصدر إزعاج بين الغرب وإيران طوال 50 عاما، منذ سقوط الحكومة المنتخبة في إيران عام 1953 حتى اليوم.

لكن في خضم هذا الحوار يجب ألا تقتصر المشاركة فيه على الغرب وإيران وحدهما وإنما يجب إشراك لاعبين آخرين أيضا مثل أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين. فكلما تم التفاهم مبكرا، أصبح الأفق مفتوحا أمام إمكانية رؤية حل نموذجي بصورة أسرع وأقرب إلى الواقع.

* مسؤولون من الولايات المتحدة مثل ديك تشيني أو كوندوليزا رايس كانوا قاسيين جدا معكم.. كيف تتعاملون مع تلك الضغوط؟

ـ إن وظيفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقاريرها تقنية للغاية. لكننا نمثل كيانا متعدد الجنسيات أيضا. والدبلوماسية والتعددية وجهان لعملة واحدة، ولذلك، فإني أستخدم، بالإضافة إلى ما هو تقني، الدبلوماسية وأقنع وأبرهن وأضغط واستميل. ومن نافلة القول إن دبلوماسيتي تقتصر على الحوار وليس لديها جيش خلفها.

صحيح أنني أتعرض للضغوط، لكن طالما يعلم المرء أن قدميه راسختان في الأرض ويثق بما يفعل، فإن الضغوط تكون كالهاتف، لا تضرب. فضلا عن أنني عودت نفسي عليها، فلقد انتقدنا صدام حسين وكوريا الشمالية والآن جاء دور إسرائيل. نحن نتعامل مع موضوعات حساسة وعلينا اتخاذ الحذر الشديد حتى لا يدفعوننا إلى اتجاه محدد.

والعالم أجمع يصغي إلينا باهتمام كبير. يبدو الأمر وكأنه نوع من مرض الفصام، أليس كذلك؟ فالحكومات تتعاقد معنا، لكننا نقوم في الوقت نفسه بمحاسبتها ومن الصعب عليها قبول فكرة أننا نحاكمها وهي التي تدفع لنا.

ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «كلارين»