تتناول المؤلفة في هذه الحلقة موضوعاً في غاية الأهمية بالنسبة للمواطن الأميركي، وهو ما يطلق عليه «أمن الطاقة»، والمتعلق بتوفير احتياطي استراتيجي من النفط يؤمن إمدادات الطاقة للولايات المتحدة في الظروف الحرجة كظروف الحرب مثلاً، وأهمية هذا الموضوع جعلت الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ينظر إلى الأمر باعتباره حرباً تخوض أميركا غمارها فإما ان تنتصر فيها أو تخرج خاسرة مهزومة.

وتشير المؤلفة كذلك إلى أن الخبراء الاقتصاديين لديهم رأي آخر في مسألة «أمن الطاقة» وعملية تأمين مخزون استراتيجي عبر مراكمة كميات كبيرة من النفط، حيث يعتبرون أن هذه الخطوة ساهمت في رفع أسعار النفط عالمياً على عكس الاعتقاد السائد بأن زيادة حجم المخزون الاستراتيجي الأميركي من النفط تؤدي إلى انخفاض الأسعار. للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر تعبير تحرص مؤلفة هذا الكتاب على تأكيده والتشديد عليه. قال كارتر: ان أمن الطاقة يمثل بالنسبة للولايات المتحدة معادلاً أخلاقيا أو معنويا للحرب ذاتها.

والمعنى هو ان تأمين إمدادات الطاقة أو الفشل في تأمينها يعادل كسب الحرب أو الهزيمة فيها. ويمكن القول ان كارتر قد طرح هذا التوصيف من واقع تجربته التي كانت مريرة بحق مجسدة في قيام الثورة الإيرانية خلال ذروة رئاسته في عام 1979 وما أعقبها من أزمة الرهائن في طهران من جهة وما نتج عنها من استحكام أزمة النفط لدرجة ارتفاع أسعاره العالمية بنسبة 150 في المئة من جهة أخرى، والمعروف ان التجربة بلغت مرارتها وقسوتها الحد الذي أطاح بالمستقبل السياسي الرئاسي بالسيد كارتر شخصيا فكان ان دخل تاريخ بلاده من باب شديد الضيق تعلوه لافتة «رئيس الولاية الواحدة».

من أشعل الأسعار؟يسترعي الاهتمام في هذا السياق بالذات قول مؤلفة كتابنا (ص 105) ان ذلك الارتفاع الخطير في أسعار النفط العالمية لم يكن راجعا إلى مجرد إعاقة أو انقطاع تدفق النفط الإيراني في أعقاب الثورة، فقد كان هذا العامل يشكل نسبة محدودة تتراوح بين 4 و5 في المئة من الامداد العالمي من البترول، لكن الذي أشعل نيران الأسعار إلى هذه النسبة الرهيبة البالغة مئة وخمسين في المئة كان يتمثل في عامل واحد بالغ الخطورة بدوره، وهذا العامل هو الذعر والخوف الجماعي الذي ساد أوساط الصناعة النفطية على مستوى أطرافها المختلفة، ما بين المنتجين والمستهلكين، وهو ذعر من أي نتائج محتملة وتخوف إزاء الاحتمالات التي يخبئها المستقبل.

مع هذا كله فقد جاءت مثل هذه التجارب الصعبة بدروس مستفادة لعل أهمها ما حذر الاميركان من ان بديهية النفط، المتدفق بغير انقطاع والزهيد في أسعاره بغير مشاكل، هذا الرغد البترولي لا يمكن ان يستمر إلى الأبد، ذلك لأن دوام الحال من المحال. فما بالك إذا اتصل هذا الحال بمورد استراتيجي له أهمية جوهرية بالنسبة لدورة الحياة الحديثة على أديم كوكب الأرض!

توضح المؤلفة في هذا السياق أيضا كيف ان رئاسة كارتر بل ومن قبلها رئاسة جيرالد فورد لم تكتفيا بكلمات الرثاء أو عبارات النأي أو الشجب أو الإدانة بحق المنتجين «وان لم يخل الأمر من هذه العبارات التي طالما حملت تعريفا بـ «اهل الصحراء» من المنتجين.

قوانين جديدة

الحاصل أن شهدت الساحة النفطية في الولايات المتحدة اتخاذ المزيد من إجراءات وقوانين استهدفت في مجموعها تقليل الاستهلاك الفردي من النفط بنسبة 23% في الفترة بين عامي 1978 و 1983 وكان أن حل محل النفط موارد ومحروقات أخرى منها الفحم والغاز الطبيعي والطاقة النووية، وخاصة من أجل توليد الكهرباء. في الإطار نفسه تضيف مؤلفة الكتاب جهد الصناعيين والمصممين في رفع كفاءة استهلاك الوقود في السيارات إلى نسبة 40% وحاولوا أن يطبقوا نفس المعايير من الكفاءة على ماكينات التبريد ومعدات التجفيف.

وعندما حل عام 1984 طرحت هذه الإجراءات ثمارها، وهو درس مستفاد في غاية الأهمية بالنسبة لأي إجراءات ترتبط من جانب المنتجين في شرقنا الأوسط أو في غيره بمحاولة استخدام النفط سلاحا في مضمار السياسة أو الدبلوماسية أو القضايا الاقليمية أو العلاقات الدولية.

تقول مؤلفة كتابنا (ص 105) عندما حل عام 1984 « أي في غضون عقد واحد فقط لا غير مما وصفوه بأنه خطر النفط العربي» كانت إجراءات الحظر قد أصبحت عديمة المفعول بصورة أو بأخرى، إذ شرعت الأقطار المنتجة للنفط في المتاجرة بنفطها في الأسواق العلنية المفتوحة في لندن وفي نيويورك مما أضفى تغييرات جذرية «راديكالية» على مسار تدفق الإمدادات وإجراءات السيطرة عليها في طول العالم وعرضه على السواء.

وهكذا تم بيع البترول لمن يعرض في حلبة المزايدة، أعلى الأسعار ولما كان المستهلكون قد حاولوا تخفيض الاستخدام كانت النتيجة نقصا في الطلب وبالتالي زيادة في المعروض. فما بالك وقد عمدت الولايات المتحدة وقتها إلى محاولات جلب البترول من مصادر غير تقليدية أو مستجدة بمعنى خارج نطاق كنسورتيوم المنتجين المعروف باسم منظمة «الأوبك».

مصير الاحتياطي الاستراتيجي

في المحصلة النهائية لهذا كله، ماذا آل إليه وضع الاحتياطي الاستراتيجي للولايات المتحدة؟ سؤال طرحته المؤلفة كي تجيب عنه «سارة أمرسون» الأخصائية في مؤسسة تحليل أمن الطاقة في أميركا. وقد أجابت كمايلي: نستطيع أن نقول ان الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في أميركا قد تجاوز الزمن ويكاد يصبح من مخلفات الماضي فعندما أنشأوه في السبعينيات كانت الأسعار تحت السيطرة..

ويومها لم يكن المهم هو السعر بل كان الأهم هو ايجاد كميات مأمونة في المكان الصحيح. لكن جاءت الثمانينيات لتفتح الأسواق على مصاريعها.. وها نحن الآن نواجه أوضاعا راهنة حيث الكميات متوافرة لكن الأسعار إلى صعود وارتفاع.

يتواصل هذا المسار من التحليل ليقول أيضا:

ـ طيب، إذا كان خطر الحظر النفطي قد زال فما مهمة الاحتياطي الاستراتيجي إذن؟

قد يقول قائل ان مهمة هذه الكميات الاحتياطية هو طرحها في السوق في حالة تصاعد الأسعار من أجل إبقاء السعر في حال من الانخفاض، أو الاعتدال، لكن ها نحن بعد 21 عاما أو أكثر دون أن نشهد تطبيق سياسة من هذا القبيل. من هنا تضيف اختصاصية التحليل الذي ترجع إليها المؤلفة

ـ فقد تحول الاحتياطي الاستراتيجي إلى شيء أقرب إلى التابو الذي يحرم الاقتراب منه.. مما ينال بالتالي من فعاليته ويحرم المستهلكين الأميركيين من جدواه بوصفه أداة يمكن اللجوء إليها سواء في وقت ندرة الإمداد أو صعود الأسعار. والطريف أن القوم عمدوا إلى تجربة إنذارية أقرب إلى مناورات الجيوش تم إجراؤها في عام 2005 تحت شعار «ماذا نفعل إزاء صدمة نفطية قد تتعلق بالامداد أو الأسعار؟

والأكثر طرافة أن تجربة المحاكاة هذه أسفرت عن حالة ارتباك أصابت مديري هذا الاحتياطي وافضت أيضا إلى ارتفاع هائل بل ومرعب في الأسعار، وصل تجريبيا إلى 160دولارا للبرميل الواحد وفي كل حال فقد جاءت مثل هذه المناورات التجريبية التي تقوم بها أجهزة الحواسيب الالكترونية وفقا لفرضيات علمية لتثبت مفارقة تعبر عنها المؤلفة «ص106» في التساؤل التالي:

ـ والا.. فقل لي بربك ماذا يحدث عندما يكون لديك «7 ملايين برميل نفط ـدون أن يكون لديك سياسة أو خطة لاستخدامها؟

قدس الأقداس

تحكي لنا المؤلفة كيف أتيح لها بعد جهد جهيد في الاتصالات والإقناع أن تقترب من قدس الأقداس البترولي في أميركا الذي تعلوه لافتة الاحتياطي الاستراتيجي، ويقع في بلدة «كيك جاكسون» جنوب شرقي مدينة هوستون في ولاية تكساس. البلدة كئيبة المظهر كما تصفها المؤلفة «ص107».

حيث تحيط بها مصافي البترول وتتراص على أرضها مساكن العمال، وفي عصر أحد الأيام ذهبت إلى الموقع المستهدف كي نلتقي بالمسؤول هناك.. السيد درو الذي وصف نفسه ربما من باب التواضع المصطنع، بأنه «صبي الاحتياطي» النفطي، وإن كانت المؤلفة تصفه بأنه يحتل بهذه الصفة، أهمية فائقة في أسواق النفط وخاصة وقت التصريحات ا لتي تصدر عنه «مما يجعله مهما في حياتك وفي حياتي أيضا».

ولعل ذلك يرجع في رأيها إلى غياب سياسة منسقة بشأن التعامل مع هذا الاحتياطي النفطي العملاق الأمر الذي يعوض عنه أهمية المراقبة الدائمة لترمومتر أو بورصة الأسعار في كل أنحاء العالم.

وعندما عمد الاحتياطي الأميركي إلى الإفراج عن 17 مليون برميل نفط في يناير عام 1991 وكانت كمية محدودة نسبيا اقتضتها ظروف حرب الخليج الأولى (تحرير الكويت) انخفضت الأسعار من 27 دولارا إلى 21 دولاراً للبرميل إن المشكلة تضيف المؤلفة بأن المفارقة الصحافية كما نتصور أن مسؤول الاحتياطي القومي دأب على تعاطي أنواع شتى من مسكنات الألم..

فكيف إذا عمد يوما إلى زيادة جرعة الأقراص، ثم أعلن ان أميركا بصدد طرح عدة ملايين من براميل النفط في هدى وقت قصير؟ ان ذلك كفيل بأن يتسبب في كارثة سوقية ربما تكون أفدح من أزمة النقص في الإمدادات.

تقرير خطير

سألته المؤلفة أيضا عن تقرير عام 2000 الذي وضعته لجنة مختصة بالكونغرس في واشنطن عقب أزمة النفط التي تسببت فيها فنزويلا، وهي عضو في الأوبك وفي طليعة المنتجين في أميركا اللاتينية وهي أيضا من أهم الموردين للسوق الأميركية بحكم التقارب الجغرافي الوثيق، أفادها بأن التقرير أنحى باللائمة على إدارة كلينتون لأنها واصلت ملء الاحتياطي البترولي، ومن ثم كانت تثقل كواهل دافعي الضرائب بمبلغ مليار دولار زيادة شهرياً على عبء الضرائب ومن ثم تؤدي إلى تضخم أسعار الخام بما يصل إلى نسبة 25 في المئة.

مع هذا كله، توضح المؤلفة أن التقرير لم يلق وقتها ما يستحقه من الاهتمام وربما يرجع السبب في رأيها إلى ضخامة حجمه اذ كان يقع في 400 صفحة تناولت عرض المخططات والمؤامرات ومعها أيضا المخططات والمؤامرات المضادة ولدرجة تسبب الصداع لعامة القارئين.

رائحة البترول

تجتاز بوابة المدخل إلى مقر الاحتياطي يستوقفها فريق الحراس الذين يقول قائلهم على غير انتظار: تبا لرائحة البترول إلا أن مدير المقر يؤكد لها أنها ستحب المكان بعد أن تنهي زيارتها، رغم أن المكان بالطبع مزروع بكاميرات المراقبة لتحركات العاملين، فما بالك بالزائرين، يحسنون استقبالها ويقدمون لها على غير انتظار صنوف الكعك والمرطبات وحين يتحدثون عن المشاكل فهم لا يستخدمون تعبيراً من قبيل أزمة.

بل يستعيضون عنه بعبارة من طراز «تعطل الإمداد»، وهذا التعطل أو الانقطاع أو التعويق ليس مجرد عبارة للمجاملات، إنه وضع أو حالة مجسدة من واقع البيانات وكشوف الإحصاءات والرسومات والخرائط التي تكاد تملأ أرجاء المكان، فضلاً عن قوائم الإجراءات التي يبادرون إلى اتخاذها في كل حالة يتوقعونها وتحت أي ظرف أعدوا له عدتهم، أو على نحو ما تعبر مؤلفة كتابنا (ص110): أنهم يستعدونه لكي يكونوا مستعدين.

لا عجب أن كان ثلث العاملين في الاحتياطي البترولي الأميركي هم من أخصائيي الأمن والسلامة (40 اخصائيا من واقع 120 هم مجموع العاملين). هنا تلاحظ المؤلفة أيضا إمارات توتر الأعصاب تتبدى من تصرفاتهم لدرجة أن يسّر إليها واحد منهم قائلا: سيدتي: نحن قابعون دوما بانتظار شيء ما أن يحدث، وأنا اشعر ان إبهامي قد ركّب بشيء (برغي من نوع القلاووظ)، فيما أشعر بأنني على وشك الإصابة دوما بنوبة قلبية.

هواجس بعد الزيارة

ثم أتت الزيارة، وها هي كاتبتنا الصحافية تفارق قلعة المخزون الثمين، أكبر مخزون نفطي في الولايات المتحدة، وقد تناوشها جحافل من هواجس شتى: المكان يقع على خليج تكساس الشرقي.. بالتحديد في منطقة معرضة تقليدياً لأنواء الطبيعة وهجمات الأعاصير العاتية فماذا يحدث لو أصبح المكان بغتة ضحية لهجمة إعصار عات من نوع «كاترينا» الذي دمر المرافق في مناطق لويزيانا والمسيسيبي؟ ثم ماذا يحدث بالنسبة لتلك الشبكة، بل هي الغابة المتشعبة من أنابيب النفط الممتدة من الداخل إلى خارج المكان؟ إنها برأي الكاتبة أقرب إلى هدف سائغ أو متاح لهجمات الإرهابيين.

وكم أحسنت الكاتبة صنعا حين بادرت إلى توضيح ما تقصده (ص 114) بلفظة إرهاب، أو إرهابيين. لقد ساقت أمثلة بعيدة عن ذلك التكرار الممجوج التي تلجأ إليه وسائل الإعلام الأميركية من باب الاستقلال المهني أو التعصب العرقي حين دأبت على الربط بين إرهاب، أو إرهابيين وبين مطلق مسلم أو عرب.

الإرهاب المحلي

على خلاف ذلك تسوق المؤلفة النموذج التالي: في عام 1997 اعتقلت الشرطة الأميركية أعضاء في منظمة الكوكس كلان العنصرية، الفاشية الذين كانوا قد خططوا لتفجير خط أنابيب لنقل الغاز من اجل تمويل أنشطتهم الإرهابية. وفي عام 1999 اعتقلت شرطة فانكوفر رجلا كان بحوزته متفجرات يقصد بها تفجير خط أنابيب ولاية ألاسكا الشمالية الباردة بقصد التأثير على أسواق النفط الآجلة ومن ثم جني أرباح في مجال المراهنات.

هكذا أدرك المسؤولون صحة ما ذهب إليه تقرير صادر مع اوائل الثمانينات بشأن أمن الطاقة في الولايات المتحدة وحذّر من ان بوسع شخص واحد أن يتمكن بمفرده من تفجير 3 أنابيب لنقل النفط خلال 3 ليال، ثم هناك مؤامرات تدمير البيانات المودعة في ذاكرة الحاسوب الالكتروني على يد قراصنة الحاسوب ـ وهناك أيضاً انقطاعات الكهرباء التي يمكن أن تنجم عنها أضرار فادحة وتلفيّات كبيرة.

مع هذا كله ظلت الولايات تكدّس من كميات النفط أكثر من 90 مليون برميل لزيادة احتياطيها الاستراتيجي في الفترة من عام 2001 إلى منتصف عام 2004، وخلالها تراوحت الأسعار ما بين 16 دولاراً إلى 40 دولاراً للبرميل. ورغم أن هناك من كان يربط بين هذه الزيادات في حجم الاحتياطي وبين مؤشر انخفاض الأسعار إلى أن خبيراً ضليعاً في شؤون الطاقة هو فيل فرلغر يصف هذا التصور بعبارة «الحماقة الاستراتيجية».

مضيفاً القول بأن احتجاز مخزون البترول أو من أي سلعة أخرى، ذرة كانت أو قمحاً جدير بأن يدفع الأسعار إلى أعلى، فيما يضيف خبراء اقتصاديون آخرون (ص117) أن من أشد الإجراءات حماقة ما لجأت إليه واشنطن حين أعلنت على الملأ في أعقاب حادث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 أنها بسبيلها إلى إضافة 100 ألف برميل يومياً إلى احتياطياتها من النفط. ذلك لأن هذه الإجراءات وتلك السلوكيات المعلنة أرسلت بالإشارات الخطأ إلى أطراف شتى.

حيث ارتعدت الفرائض «النفطية» في أقطار شتى ما بين الصين والهند وكوريا إلى دول الاتحاد الأوروبي، فكان أن بادرت من جانبها إلى شراء كميات من النفط بأكثر من احتياجاتها الفعلية في ظل تصور أن أميركا تعرف ما لا يعرفون، وكان التصور خاطئاً بطبيعة الحال.

عند هذه التأملات تتحول بنا المؤلفة إلى الفصل السادس من الكتاب إلى المؤسسة التي تطلق عليها الكاتبة الوصف التالي: «العقل العملاق» وتقصد سوق النفط العالمية التي ما برحت تشهد ترمومتر الأسعار وتقلبات وحصص الإنتاج والصراعات المكتومة والمعلنة بين المنتجين والمتاجرين.

ثم المستهلكين بكل ما يحيط بهذا كله من أجواء الاقتصاد، ومكائد السياسة وتحولات العلاقات بين الدول وطموحات الأطراف كافة، سواء إلى مزيد من العائد أو إلى توفير في الاستهلاك أو حفظ للموارد او تنديد بالعوارم أو زيادة في كفاءة الاستخدام أو مزيج من هذه العناصر كلها.

تقول المؤلفة في هذا الصدد: لو كان لأميركا أن تحتفل بمناسبات اقتصادية مشهودة ومشهورة ـ على نحو ما تحتفل أميركا بمناسبات عسكرية أو سياسية ـ لاحتفلت واشنطن بعيد أو عطلة يوم الثلاثين من شهر مارس في كل عام. ولأحيت بذلك ذكرى ما شهده ذلك اليوم من عام 1983 عندما بدأ النشاط للمتاجرة والمضاربة في أسواق النفط الآجلة، مما أدخل أطرافاً كثيرة، وبالأدق أدخلنا نحن عامة المواطنين كمشاركين في سوق النفط العالمية العملاقة.

وفي معرض تفسيرها لهذه النقطة تمضي المؤلفة لتقول: في عقد السبعينات كانت منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» تزود العالم بنسبة 67% من احتياجاته من النفط وكان بوسعها من ثم أن تحدّ من إنتاج أعضائها ـ حفاظاً من جانبها على ارتفاع الأسعار في ذلك الحين لم تكن الأسعار تشهد تغيرات جذرية أو درامية لأنها كانت محددة في معظمها بموجب عقود طويلة الأجل، ولا كان هناك من يعرف أسرار تلك الأسعار التي كان يجري تحديدها في صفقات يجري إبرامها في دهاليز الكواليس.

لكن مع التغيرات التي شهدها شهر مارس من عام 1983، تغيرت أيضاً منظومة النفط القديمة في عالمنا وكان لكل هذا أمور مستجدة وعديدة. المعلومات بدأت تتدفق بصورة حرة أكثر، والأسعار بدأت تتعرض لتقلبات واسعة النطاق. كميات النفط أصبحت بلا مكان طرحها وتداولها في أسواق مستقبلية للتعامل الآجل. ثم حدث أن شهدت المنظومة نفسها دخول منتجين جدد من غير الأعضاء في منظمة الأوبك شقوا طريقهم إلى السوق النفطية العالمية مما جعل من الصعوبة بمكان إن لم يكن من المستحيل على المنتجين أن يمارسوا سيطرتهم التي كانت على الأسواق والأسعار.

هناك انفتحت سوق المضاربات على هذا الذهب السائل الأسود وخاصة في سوق نيويورك التي تعرف باسم نيمكس ـ بورصة التجارة في الماديات كما تقول حرفية اسمها. والطريق ـ كما توضح المؤلفة هو أن هذه السوق أو هذه البورصة للمبادلات لها تاريخ عريق منذ افتتاحها في عام 1872 ـ أي بعد 96 عاماً من استقلال أميركا وإعلانها دولة اتحادية، حيث ضمت أنشطتها تجارة الأجبان وسائر منتجات الألبان.

وما لبثت أن تطورت أمورها بعد الحرب العالمية الثانية إلى حيث أصبحت البطاطا المجلوبة من حقول ولاية «مين الزراعية الشاسعة هي محور أنشطتها. والذي حدث أن انهارت تجارة البطاطا في عام 1977 مما دعا رئيس هذه البورصة المتخصصة إلى دعوة مساعديه إلى شقته في ضاحية مانهاتن بقلب نيويورك.

حيث تبادلوا الرأي وتدارسوا مقترحات عدة حول استخدام سلعة جديدة ومهمة لتحل محل البطاطس إياها، ساعتها شملت المقترحات ما يتعلق بالتفاح، أو العملات الفضية، أو النيكل أو الدجاج المجمّد أو.. أو... إلى أن استقر المنتجون على سلعة ذات أهمية فائقة الخطورة هي بالطبع البترول. ومع هذا الاختيار انتعشت أسواق البيع الفوري وأسواق البيع الآجل.

وهي أسواق تسلّم المؤلفة (ص123) بأنها موجودة أو كانت موجودة في كل زمان ومكان، ولكن تعود أهميتها بالنسبة لبورصة البطاطس ـ سابقاً إلى أنها موجودة على صعيد أغنى مستهلك للنفط وأشد مستهلكيه جوعاً إلى استخدامه في زماننا واسمه، الولايات المتحدة الأميركية.

عرض ومناقشة: محمد الخولي