تتناول المؤلفة في هذه الحلقة قضية «الاحتياطي الاستراتيجي النفطي» في الولايات المتحدة، حيث تعود بنا إلى بدايات هذه الفكرة مع نهاية الحرب العالمية الثانية وخوف الحكومة الأميركية آنذاك من احتمالات نشوب حرب مع الاتحاد السوفييتي قد يطول أمدها.
وبالتالي تحتاج الولايات المتحدة إلى احتياطي من النفط يبقي عجلة التصنيع دائرة ويوفر للآلة العسكرية ما تحتاجه من إمدادات الطاقة. وتذكر لنا كيف أصدر بوش أوامره بعد هجمات 11 سبتمبر بزيادة الاحتياطي الاستراتيجي من النفط بمعدل 100 ألف برميل يومياً، تحسباً لوقوع هجوم قد يستهدف المنشآت النفطية الأميركية. وتروي لنا كيف أصبحت مواقع تخزين ذلك الاحتياطي من الأسرار القومية التي لا ينبغي إفشاؤها تحت أي ظرف.
وتسرد المؤلفة قصة نجاح مغامر أميركي من أصل عربي، لبناني امتهن التنقيب عن النفط في تكساس حتى صار من أعمدة هذه الصناعة المهمة، وتنقل لنا تفاصيل مقابلة أجرتها معه تحدث فيها عن مسيرته المهنية وحالات النجاح والفشل التي صادفته في حياته. عند ختام الفصل الرابع من هذا الكتاب تسجل المؤلفة لقاءها الذي سعت إليه مع «مايكل هلبوتي» الذي تصفه بأنه واحد من «القطط البرية» ،
وهو التعبير الذي ظل أهل ولاية تكساس البترولية في أميركا يصفون به جماعات الباحثين عن النفط عند سواحل تلك الولاية الشاسعة ذاتش التراث المكسيكي ذي الأصل الاسباني وفي براريها. سنوات الربع الأول من القرن الماضي ظلت تشهد هؤلاء المغامرين الذين رأوا أن يتحولوا من مهنة راعي البقر إلى محاولات البحث عن البترول.
كانت وسائلهم بسيطة وخرائطهم قليلة ومعلوماتهم الجيولوجية محدودة وخبراتهم بأصول الصنعة النفطية الحديثة شبه معدومة. كان معظم رصيدهم في هذا المضمار يتمثل في أمرين: المغامرة والحظ، ولهذا جاء التشبيه بأنهم أقرب إلى الكائنات البرية التي لا تعرف في حياتها أصولاً متبلورة ولا نظاماً معيناً.
لبناني في تكساس
مع مصير النفاد والنضوب الذي آلت إليه آبار النفط في تكساس.. آلت مصائر هذه الفئة من مغامري ومليونيرات النفط إلى انزواء ومن ثم اختفاء لم يكد يبقى منهم سوى السيد «هلبوتي» الذي اختارت المؤلفة أن تبحث،
وربما تنقب عنه إلى أن حددت لها سكرتيرته موعداً للقائه في مكتبه المكيف الهواء في مدينة هيوستن. الطريف في الأمر هو أن السكرتيرة نسيت أن هناك موعداً فكان وجود كاتبتنا الصحفية بمثابة مفاجأة غير محسوبة ولا كانت مدرجة في مفكرة المواعيد.
وربما كان أمر النسيان طبيعيا، فالسكرتيرة كانت قرب الخمسين من العمر.. فارعة الطول، حاجباها الكثيفان كانا أقرب إلى سحنة ممثلة هوليوود القديمة جوان كرافورد، بدت للزائرة المتحمسة وكأنها خارجة لتوها من وكالة توظيف الفنانات التي شهدها منتصف القرن العشرين.
وفيما حملت «ماري» السكرتيرة نصف قرن من العمر على كاهلها.. فقد كان رئيسها بدوره في الرابعة والتسعين يجلس إلى مكتبه العتيق مرتديا صديرية عتيقة بدورها فيما تلمع عيناه بضوء خبرة طويلة، أقرب ما تكون إلى لمعة الحفرة المؤذنة بانبثاق سائل البترول.
من خلفه، كانت صورته مرتديا بدلة التوكسيدو التقليدية السوداء مع عروسه في لقطة من زاوية، موقع نفطي كان يضم واحدا من حقول البترول التي امتلكها الرجل في سالف الأيام، السيد هلبوتي ينحدر من أصل عربي لبناني. عاش طول عمره المديد في حكاية النفط الطويلة بكل انجازاتها وأشجانها.. أضاع ثروته مرتين ومع ذلك فقد استطاع بكد وخبرة أن يقتني ثروة ...
ويقول لمحدثته: في يوم من الأيام الخوالي حققت 14 اكتشافا نفطيا ناجحا، وبعد ذلك منيت بالخيبة في 36 حفرة مصابة بالجفاف، تسأليني لماذا لم أتقاعد والجواب أنه هكذا خلقني الله وأنا أمتلك حاليا 4 آبار منتجة للبترول. تعود بي الذاكرة إلى أحاديثي المطولة مع «الرئيس» ريغان فقد كنت بمثابة حكيم النفط لديه فأنا جيولوجي بالأساس
وقد نشرت أكثر من 300 بحث علمي في هذا الميدان وأنا جمهوري في مجال السياسة، وقد تمرست في مضمار الدبلوماسية على الصعيد الدولي وأسديت مشورتي إلى كل رئيس جمهوري في عصرنا ما عدا بوش الابن وأشرفت على الفريق الاختصاصي النفطي في عهد ريغان
وكنت أحضر إلى واشنطن العاصمة على متن طائرتي الخصوصية. لماذا أفضي إليك بهذه الذكريات، بل لماذا أخصك بهذه المقابلة؟ حسناً؟ لأن أيام النفط الحلوة مضت إلى غير رجعة وأنا لست متفائلا في هذا الخصوص.
تعلق المؤلفة على كلام الرجل قائلة: عند هذا المنعطف من الحديث، دق على الطاولة الفاصلة بيننا وكأنه يؤكد كل كلمة يتفوه بها قائلا: لقد عشت أهم مراحل تاريخ الولايات المتحدة وكانت مهمة عندما كان لدينا البترول لكن هذا البلد لم يتعامل مع هذا المورد بالعناية الكافية التي يستحقها، رغم أنه السلعة الوحيدة التي تجسد الطاقة، وهي بدورها تعني الحياة نفسها.
ثم تضيف الكاتبة قائلة: على مدار ثلاثين عاما ظل مايكل هلبوتي يعزف على وتر الاهتمام بسياسة النفط في أميركا وهو يرى أن موقف بلاده قد تغير بصورة درامية بالغة الإثارة عندما توقفت أميركا عن إنتاج احتياجاتها من النفط وهو ما أفضى في رأيه إلى بدء «العزوف عن التصنيع» ومن ثم الدمار
كما يراه مؤكدا على ضرورة الاعتراف بما وقع من خطأ وقصور في هذا الميدان وإلا لدب السوس ينخر في قواعد البناء الذي يقوم عليه رفاه المجتمع الأميركي ثم يقول بالحرف: «كل إمبراطورية في العالم ماتت بعد سنة ونحن ندمر أنفسنا إذا لم نركز كل اهتمامنا على ما فيه خيرنا، وخيرنا له اسم واحد وهو: الطاقة.
حرب بغير نهاية
بعدها نهض ابن الرابعة والتسعين يهدي زائرته ـ مؤلفة الكتاب ـ نسخة من سيرته الذاتية التي أصدرها بعنوان «حرب لا تضع أوزارها» وفي الكتاب يطرح دعوته إلى مخطط يكفل ضغط الطاقة في أميركا بمعنى الاقتصاد أو الترشيد في استخدامها مشفوعا بالتوسع في عمليات التنقيب عن هذا المورد الثمين
في أراضي الحكومة الاتحادية وتوظيف المزيد من الاستثمارات في مجال بحوث الطاقة التقليدية (النفط. الغاز، الفحم.. الخ» والطاقة غير التقليدية والبديلة مثل الشمس والرياح والمد والجزر فضلا عن الطاقة النووية هذا مع التماس ضمانات غير مكلفة في مجال صون البيئة من آثار التلوث.
المؤلفة تشاركنا بالطبع الرأي في أن مثل هذه التوصيات ليست بالمستجدة في مجالات استراتيجية الطاقة سواء في أميركا أو في غيرها لكن يسترعي اهتمامها أن هذا الخبير النفطي المخضرم العربي الأصل كما المختار يتغرد برأي يدعو إلى إعطاء الأولوية لصالح المستثمرين الأفراد في مجال البحث والانتاج النفطي، قبل اتاحة الخطوة والتيسيرات كما هو حاصل بالفعل لصالح الشركات العملاقة والاحتكارات الكبرى العاملة في مجال النفط.
العبارة الأثيرة التي ظل يرددها السيد هلبوتي كانت تتلخص في ثلاث كلمات دالة هي:
«إنهم لا يبالون» وكان يردفها بتفسير واقعي يقول فيه: نعم لم يعد الناس يأبهون بالعواقب ما دام بوسع الواحد منهم أن يتوقف عند محطة البترول ويقترب من المضخة قائلاً: إملأ من فضلك بل ها هم أعضاء الكونغرس في منطقتنا تتملكهم السعادة إزاء ما نستورده من كميات البترول..
انهم فعلاً لا يبالون تلك هي الصورة شبه المسرحية كما نصفها التي يرسمها قلم المؤلفة لواحد من الرموز النفطية الكلاسيكية في الولايات المتحدة. وقد توسعنا في متابعتها في السياق الراهن لكي نفسح لصاحبة الكتاب سطوراً من التعليق تبسط فيها آراءها على النحو الموجز التالي: لقد رحل مايكل هلبوتي عن دنيا الأحياء في عام 2004.
ورغم أن آراءه كانت سديدة في توجهها، إلا أن سلوك أميركا يشهد في دنيا الواقع بأننا لا نعاني أزمة بترول.. بل تتوافر لدينا كميات مستوردة منه لدرجة أنه بات بوسعنا أن نستهلكها ونحرقها في حركة السيارات والماكينات.
وفيما يحذر الرجل من أن الناس لا يبالون فالواقع يقول أيضاً بأنهم لا يبالون بأمر الطاقة عندما تكون متوافرة وعندما تكون زهيدة ولو على أساس نسبي أو محتمل أو معقول «حتى الآن على الأقل».
مازالت معادلة السعر النفطي تقول إن استيراد النفط إلى أميركا أرخص من حيث التكلفة من إنتاجه محلياً. وثمة دراسة قديمة تحيل إليها مؤلفة الكتاب وهي تفيد بأن استخراج النفط من حقول تكساس بما يعنيه ذلك من سلسلة الكشف والحفر والاستخراج والتجهيز تعادل كلفتها 36 ضعف التكلفة في مناطق شبه الجزيرة العربية.
مشكلة أسعار البترول
إلا أن الأستاذة ليزا مارغونللي لا تلبث أن تضيف ـ استدراكاً واحترازاً لتنّوه بأن السعر لا يجوز أن يكون وحده معياراً أو مقياساً، فالتجربة تؤكد أن أسعار النفط يعتريها التقلب والتذبذب من الانخفاض الشديد إلى الارتفاع الخطير «تأمل بلغة صعود المؤشر السعري مع فريق عام 2007 الحالي»،
هذا فضلاً عن تأثر السلعة النفطية بالذات، وبوصفها سلعة إستراتيجية بتقلب الأحداث السياسية وموازين الأمن القومي وتشابك الإرادات المتصارعة أحياناً على حلبة العلاقات الدولية. الخ. بعد هذا التعليق تسجل المؤلفة سطوراً قتامية لزيارتها لموقع التنقيب بمدينة كارسون من أعالي واشنطن:
ذهبت تودع مهندسي وعمال موقع البحث عن الغاز الطبيعي.. احتفل العاملون بها وكأنما كانت زيارتها فألاً حسناً على الجهود التي كانوا يبذلونها. أخيراً أعلنوا العثور على الغاز الطبيعي على عمق 13180 قدماً
وهذا معناه ـ في ضوء المعايير السائدة أنهم اكتشفوا بئراً أو موقعاً جيداً لإنتاج الغاز بحيث يؤدي إنتاجه السنوي إلى تلبية الاحتياجات من الغاز لصالح 13443 من عامة المستهلكين في الولايات المتحدة حيث يبلغ الناتج في اليوم الواحد 3 ملايين قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
من ناحية أخرى فربما قادتها كلمات هلبوتي رجل البترول المخضرم إلى أن تستكشف من خلال مزيد من البحث مجالاً جوهرياً من مجالات الشأن النفطي في أميركا بل وفي العالم بشكل عام.. هذا المجال يحمل اسماً له إيقاع خاص لا يخطئه اهتمام السياسي أو صانع القرار.
الاحتياطي الإستراتيجي النفطي
هذا هو بالضبط عنوان الفصل الخامس من هذا الكتاب «لغز الاحتياطي» في أول سطور الفصل تسجل المؤلفة أن الولايات المتحدة تقوم بتخزين 711 مليون برميل من البترول في أربعة مواقع مختلفة على طول ساحل خليجها وبما يوازي إمداد شهرين كاملين وتحمل هذه الكمية وفق هذا الترتيب اسمها المعروف رسمياً: الاحتياطي الإستراتيجي النفطي.
وهو ترتيب بالغ الضخامة بكل المقاييس فضلاً عن أنه يعكس ـ في رأي مؤلفة كتابنا «ص 100» حجم المخاوف التي تساور صانع القرار الأميركي في مجال سياسة الطاقة وعلى قوى بلد بالغ الضخامة في حجم واحتياجات الولايات المتحدة.
في نفس السياق تمضي المؤلفة لتوضح أن هذا الاحتياطي الإستراتيجي ليس مجرد مؤسسة ظاهرة للعيان بقدر ما أن هذه الكميات النفطية المخزونة مودعة في مستودعات تقع على عمق آلاف الأقدام تحت الأرض ومحاطة بسياجات من المواد الملحية ومخفية عن الأنظار بل إن الصور المحددة لها اختفت، أو أزيلت مؤخراً وبالعمد من مواقع شاشات الحواسيب
وتم إحاطتها بغلاف سميك من السرية في ظل مخاوف من احتمال ان يصبح الاحتياطي الاستراتيجي نفسه هدفا للإرهابيين» مع هذا كله فقد ارتأت المؤلفة ان تطلب زيادة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية.
ولم يكن في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب لقد اختارت الكاتبة الصحافية ان تخوض عبر صفحات «شبابنا» مرحلة بحث من نوع خاص ـ «أوديسة» نفطية كما قد تسميها تخوض فيها مجالات الصناعة، عبر قنواتها ومنافذها وجوانبها المختلفة، في محاولة من جانبها لان تعكس الجوانب المتباينة للشأن النفطي، الاقتصادية والاستراتيجية والتكنولوجية والإنسانية على السواء.
كيف السبيل إذن إلى ولوج قدس الأقداس النفطي في أميركا؟ كيف تتهيأ السبل امام زيارة صحافية تجيد أساليب البحث العلمي وتصدر عن غريزة شديدة الفضول إلى الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في بلادها؟
إنها تحكي لقارئها عن رسائل البريد الالكتروني ومكالمات الهاتف الأرضي والمحمول والتذرع بحبال الصمت الطويل، وربما غير الجميل انتظارا لان يجيبها مسؤول أي مسؤول بدلاً من التسجيلات الصوتية التي تبدو وكأنها تأتي من كوكب بعيد ومجهول. أخيرا جاءها صوت إنساني لسيدة حقيقية أجابت على طلب الزيارة قائلة في حزم بالغ الإيجاز: مواقع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ليست مفتوحة امام الصحافيين.
مقالة من واشنطن
بيد أن الصحافيين بالذات يتحلون بفضيلة المثابرة والتكرار إلى حد الإلحاح، فما بالك بالصحافيين الأميركيين دع عنك ان يكون الصحفي سيدة تؤلف كتابا في الموضوع. هكذا واصلت المؤلفة الحديث، وأعادت طلب الزيارة وهكذا أيضا مضت دقيقة كأنها دهر طويل وبعدها جاء الصوت النسائي الذي كان يجيب من ولاية لويزيانا.
حتى لو كانت هذه المواقع مفتوحة أو مسموحاً بها، فالسبيل الوحيد لزيارتها هو عن طريق «درو مالكولم» المسؤول بوزارة الطاقة في واشنطن، ثم مكالمة اخرى الى «درو مالكولم» ولم يكن الرد مشجعا حين أجاب قائلاً: لن تخرجي بشيء له قيمة من الزيارة.. فليس هناك سوى أنابيب تخرج من باطن الأرض وتعود إلى باطنها في موقع آخر، ثم انني مصاب بالانفلونزا فضلا عن صداع رهيب من ألم الأسنان والطلب إذن مرفوض مرفوض.
ـ ماذا لو زرت المكان لاقف على تل قريب.
ـ سوف يحييك فصيل من أشرس كلاب الحراسة، وسوف يرتاب الحراس في سيارتك المستأجرة، وما لهم لا يفعلون وهم يقفون على قمة مستودع يحوي مئات الملايين من براميل البترول، في كل حال، فالمؤلفة تلتمس الحق لكل هؤلاء المسؤولين تؤكد في كتابها كيف ان الاحتياطي الاستراتيجي من البترول يمثل في زمن الحرب أمرين أساسين،
فهو في ظل حالات الطوارئ الخطيرة وسيلة للدفاع وموقع مستهدف للهجوم وتوضح الكاتبة كيف أن الرئيس بوش أصدر اوامره بعد احداث 11/ 9/ 2001 بأن تقوم وزارة الطاقة بتزويد الاحتياطي الاستراتيجي بكميات اضافية تبلغ 100 ألف برميل من البترول يوميا وذلك في حالة تعرض امكانات البلاد النفطية لهجوم من عناصر إرهابية..
وهكذا تضخمت امكانات وأحجام الاحتياطي الاستراتيجي والغريب أنه كلما زادت الضخامة ازدادت معها أغلفة السرية واتسعت ستور الكتمان تضيف المؤلفة قائلة:
ـ ترجع بداية الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي إلى منتصف عقد السبعينات، جاء انشاؤه في معرض الرد على الحظر النفطي العربي الذي شهدته ملابسات حرب عام 1973، لكن فكرة إنشائه كانت تقتصر أساساً على أن يكون احتياطيا في حالة الطوارئ وبمعنى ان يكون بمثابة عازل واحد للولايات المتحدة عن تعقيدات السياسة الدولية ومفاجآتها غير السارة أو غير الواعدة في بعض الأحيان
لكن ها هي السنوات الثلاثون وقد انقضت وزيادة ليصبح هذا الاحتياطي البترولي جزءا من قضايا السياسة وعنصرا من عناصر الأمن القومي وعاملاً ينطوي على خطورة تهدد أسواق النفط في أميركا والعالم، وهناك من الاقتصاديين من يقول بأن وجوده، مجرد وجود يؤدي إلى تضخم أسعار النفط بنسبة تصل إلى 25 في المئة (ص 101)
وهناك من أهل السياسة من يقول بدوره بأن أميركا ـ حينما عمدت إلى ملء احتياطيها بتلك الكميات فكأنما تنقل بذلك مخاوفها إلى الأسواق بدلاً من أن تزود تلك الأسواق بعوامل الثقة أو الاطمئنان التي تعززها. وفي كل حال فقد أصبح هذا الاحتياطي أقرب إلى اللغز أو إلي بيت الأسرار.
الأولوية للواردات
من ناحية أخرى تعود المؤلفة بأصل فكرة الاحتياطي النفطي الأميركي إلى تاريخ أبعد من أوائل السبعينات تقول أن الأزمة النفطية لها جذور موغلة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية في النصف الثاني من عقد الأربعينات. من دروس تلك الحرب الضروس أن ساسة أميركا باتوا يخشون اليوم الذي قد يأتي على بلادهم فإذا بمواردها النفطية وقد مالت إلى نضوب.
كان كابوسهم هو أن يفرض عليهم يوماً بعيداً أو قريباً خوض الحرب مع خصم تصوروه في غاية الخطورة اسمه الاتحاد السوفييتي. كانت حساباتهم تفيد بأن بوسع أميركا أن تعتمد على مواردها الذاتية من النفط لمدة عامين على أكثر تقدير.
ومن ثم جاء قرارهم بمواصلة استيراد كميات من هذا الذهب السائل الأسود من أقطار تقع بداهة خارج الحدود وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. وحققوا بذلك فوائد مضاعفة ما بين أسعار رخيصة لبرميل النفط دفعوه عن طيب خاطر وما بين تلبية احتياجات أميركا مع الحفاظ على مواردها الوطنية الداخلية مصانة تحت سطح الأرض.
بوصفها احتياطيات لا يصار إلى اللجوء إليها اللهم إلا في وقت الحاجة. بعدها عمدت الحكومة إلى خفض الضريبة المفروضة على البترول المستورد من الخارج مما جعل هذه الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية أفضل بمراحل من عمليات الاستكشاف والحفر داخل الأراضي الأميركية ذاتها وزاد من إغراء هذا الجانب أن استطاعت مناطق الجزيرة العربية والخليج أن تضاعف إنتاجها 3 مرات في الفترة بين عامي 1960 و1973..
وفي ضوء هذا الإغراء، وجدت الولايات المتحدة نفسها دون أن تشعر (ص 103) قي حال من الاعتماد المتواصل والمتزايد على واردات النفط الأجنبية وما أن حل عام 1971 حتى كانت هنا الواردات الوافدة تشكل نسبة 25% من استهلاك النفط في طول الولايات المتحدة وعرضها.
البترول في الشرق الأوسط
عند هذه النقطة تدخل المؤلفة حلبة السياسة فتواصل حديثها قائلة: خلال الستينات بدأت الأحاديث في الأوساط العربية المنتجة للنفط تتحدث عن كيفية توسيع دور موردي البترول من أجل التأثير على السياسة الأميركية تجاه إسرائيل يلاحظ كيف تجنبت المؤلفة بالطبع أن تضيف كلمة «المتحيزة» وصفاً لسياسة أميركا تجاه الكيان الصهيوني في قلب المنطقة العربية.
ثم تمضي الكاتبة لتقول: منذ عام 1967 ظلت الأقطار العربية تبحث ما إذا كان العرب سوف يدللون على قدرتهم من أجل تغيير سياسة أميركا وبريطانيا في الشرق الأوسط باستخدام «سلاح البترول».. (والحاصل) أنهم قرروا معاقبة الرئيس ريتشارد نيكسون بسبب تأييده لإسرائيل خلال حرب 1973
وما كان منهم إلا أن فرضوا حظراً في يوم 17 أكتوبر من عام 1973 على إمدادات النفط المتجهة إلى كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. وعلى غير انتظار وجد الأميركيون أنفسهم واقفين في صفوف مطولة من أجل الحصول على ما يزود سياراتهم من محطات البترول.
ولم يقتصر الأمر عند هذه الحدود الاقتصادية.. لقد أدى الأمر إلى أن اهتزت ثقة الأميركيين في أنفسهم وفي إمكانات بلادهم وهو ما تعبر عنه المؤلفة (ص 103) في عبارة تقول: جاءت تلك الصفوف الطويلة في محطات البنزين لتشكل بيئة حاضنة لشعور راود الأميركان بضياع هويتهم.
عرض ومناقشة: محمد الخولي


