تروي المؤلفة في هذه الحلقة تفاصيل رحلتين قامت بهما إلى مصافي النفط ومواقع الاستخراج، حيث تنقل لنا المشاعر المتناقضة التي لمستها لدى سكان المناطق التي تحوي الأنشطة المتعلقة بالبترول، فهم سعداء، من جهة، لتوفر فرص العمل المجزي الذي يؤمن لهم حياة كريمة، وقلقون، من جهة أخرى، حيال مشكلات التلوث البيئي التي تنعكس سلباً على الصحة وعلى مستقبل الحياة برمتها على متن كوكب الأرض.
وتطرح تساؤلات حول إمكانية إنتاج البترول بصورة صناعية وتورد ناقصة باحث أميركي استطاع أن «يطبخ» البترول في المختبر، ولكنها تنقل على لسان الباحث قوله إن هذا الأسلوب ليس عملياً نظراً للظروف الخاصة التي ينبغي توافرها لإنجاح العملية. في مصفاة تكرير النفط يتفاءل العاملون باندلاع ألسنة اللهب التي يتطاير شررها إلى عنان السماء.
إن ألسنة اللهب هي الرمز الذي تجسد معنى المصفاة في الأساس، هكذا تقول مؤلفة الكتاب من واقع زيارتها الميدانية لواحدة من تلك المواقع الصناعية المختصة بتكرير النفط الخام وإنتاج مختلف المشتقات النفطية في الولايات المتحدة، تضيف الكاتبة ليز مارغونللي قائلة: هذا اللهب المندلع يشكل علامة أمان بالنسبة للعاملين في سلك المصفاة النفطية لماذا؟ لأن معناه إزالة العناصر الكيميائية، الضارة أو المتفجرة من الأنابيب التي تكون قد احترقت قبل أن تتطاير هذه الكيماويات في الهواء.
بيد أن نفس اللهب المندلع يمثل في نظر أهل المنطقة المحيطة شيئاً مناقضاً على طول الخط، فبالنسبة لهؤلاء السكان تشكل المواد المحترقة عاملاً خطيراً من عوامل التلوث فضلاً عن كون هذه النيران المتدافعة والشرر المتطاير من سعيرها ما برحت مشهداً يبعث على الخوف في نفوس الكثيرين ـ لكن ما باليد حيلة كما يقولون ـ فمصفاة تكرير النفط هي واسعة العقد، أي تشغل مكانة الحلقة الوسطى بين بئر الإنتاج ومضخة التزويد. إنها الآن محور الصناعة النفطية وركيزتها، بين مهندس التنقيب وعامة المستهلكين.
النار علامة تفاؤل
من هنا، فكلما اشتعلت النيران كان معناها أن مصفاة النفط بألف خير وعافية، وكان معناها أن المستهلكين سوف يجدون حاجاتهم من المشتقات البترولية التي تستخدم في أغراض شتى من الصناعات والمتطلبات، ابتداءً من وقود السيارات ومن قبله وقود الطائرات وليس انتهاء بالمنظفات الصناعية، بل وأنواع من الخيوط والملبوسات، لكن معناه في الوقت ذاته تزيد الشواغل والهموم بالنسبة إلى «سو شارب» وهي شابة تعمل في مصفاة كارسون بأميركا في وظيفة مدير شؤون البيئة.
رغم حداثة السن وبساطة الملابس إلا أن مكتبها يزدان بخارطة كبيرة معلقة فوق الجدار وتصور الأماكن والأقطار التي زارتها خلال رحلتها المهنية كحارس من حراس البيئة ومن أجل صيانتها من أخطار التلوث الناجم عن الانبعاثات الكربونية المتخلفة عن عمليات تصفية وتكرير خامات البترول. وعلى صفحة الخارطة نستطيع أن نتابع المحطات التي زارتها وعملت فيها اختصاصية البيئة داخل معامل التكرير ما بين إنجلترا إلى سفوح الشمال المنحدرة في الأسكا القطبية إلى آبار النفط في أذربيجان إلى مواقع الإنتاج في فنزويلا إلى مصافي مصر وجنوب افريقيا.
اختصاصية الشأن البيئي أمضت ساعات طوالاً أمام الحاسوب، وكل همّها كان رصد العوادم التي تنفثها الانبعاثات مع لهيب النيران المندفعة من مداخن مصفاة البترول، وكل مشكلتها تتلخص في أن تظل هذه الانبعاثات الكيميائية محصورة ضمن نطاق القواعد التي تقضي بها اللوائح التي تنظم ما أصبح الاختصاصيون يطلقون عليه مصطلح «نوعية الهواء».
لكن مهمتها لا تقتصر على مجرد استقاء بيانات الحاسوب، إنها تتعدى ذلك إلى استقاء عينات ميدانية بواسطة مساعديها من الغازات المنبعثة في الأجواء ومتابعة إرسالها إلى مختبرات التحليل لتقرير مدى خطورتها على بنية الغلاف الجوي ومن ثم على صحة الإنسان والنبات والحيوان.
التجربة المباشرة
في هذا الخصوص تلاحظ مؤلفة الكتاب كيف أن استخدام بيانات الحواسيب الالكترونية وكيف أن تحليل عينات الغازات المنبعثة داخل أحدث المختبرات وبواسطة أدق الأجهزة العلمية ـ كل هذا لم يكن ليُغني بحال من الأحوال عن اللجوء في نهاية المطاف وربما في مستهل المطاف أيضاً إلى العنصر البشري في الأساس، إلى الإنسان.. ـ ملاحظات الإنسان المباشرة ـ حواس الإنسان التي تعانق أبعاد المكان وترصد تطور الظواهر التي تحدث من حوله.
من هنا فقد راعها أن تفارق أخصائية البيئة مكتبها وحاسوبها الالكتروني إلى حيث استقلت سيارتها كي تجوب في كل أركان المصفاة النفطية وزواياها. كانت مهمتها في هذه الجولة تتمثل في أن تستطلع بفضل حاسة شمّ قوية نوعية الروائح المنبعثة في أرجاء المعمل المترامي الأطراف..
روائح الغازولين.. زفت القار، الأسفلت.. والعطريات البترولية وما إليها. وبعدها آبت إلى مكتبها كي تستوفي تقريرها الذي جاء كما رأينا محصلة لمعادلات الحاسوب وعينات الميدان ونتائج تحليل المختبرات والملاحظة المباشرة من واقع التشمم في خياشيم أنف مدرب وخبير.
ـ وكان طبيعياً أن تطرح المؤلفة السؤال على مهندسة الشؤون البيئية: ما الذي اجتذبك إلى هذه المهنة؟
ـ هو شغفي بما أسميه «المنطقة الرمادية».
ـ وما هي؟
ـ هي ذلك المزيج.. المركب الذي يجمع بين سحابات التلوث التي تعظمها الأجواء وبين قضايا السياسة التي أصبحت مشاكل البيئة جزءاً أساسياً بل حيوياً منها. ألا ترين مثلاً كيف ارتبطت مشكلة البيئة بتغيرات المناخ وغضبة الطبيعة بين فيضان يجتاح السهول وجفاف تضن معه الأرض بالقوت الضروري لبقاء الإنسان. لهذا فقد أصبح من الضرورة الحيوية بمكان أن نعمل على تنظيم وتقنين جوانب البيئة ـ الايكولوجيا، كما يسميها أهل الحرفة ـ بعد أن تحولت من شؤون تخص الدارسين أو الأكاديميين إلى هموم تخص سكان كوكب الأرض بشكل عام.
وفي هذا الخصوص تمضي مؤلفة كتابنا لكي تؤكد أن الأمر بحاجة إلى مزيد من المراقبة والرصد والترشيد والمحاسبة والتقنين. ويكفي أن تكتشف وكالة البيئة الأميركية في عام 2006 أن الانبعاثات الناتجة عن عمليات تكرير النفط من عدد من المصافي في أميركا قد تعرضت لحسابات مغلوطة مما أدى إلى إصابات بتلوث الأجواء في 3 ولايات كبرى تحوي هذه المصافي النفطية وهي تكساس وبنسلفانيا وكاليفورنيا وأفادت حسابات الوكالة أن أجواء تلك الولايات الثلاث أصابتها كمية، يبلغ حجمها 000. 765 طن من هذه الانبعاثات بالغة الخطورة.
نهاية الزيارة
عندما انتهت زيارتها إلى مصفاة كارسون بولاية واشنطن، وكانت الشمس تنحدر إلى وقت الأصيل، توجهت المؤلفة إلى السيارة التي استأجرتها لزوم هذه الرحلة، أدارت مفتاح تشغيل السيارة، وعلى غير انتظار سمعت صوتا أقرب إلى الانفجار قبيل أن يتوقف المحرك عن الدوران. جفلت لفتة من المفاجأة وتطلعت من جديد إلى مداخن المصفاة، وقد تدفقت منها سحائب الضباب الكيماوية. والتشفق فجأة أنها تجد صعوبة في التنفس.
في هذا السياق تضيف المؤلفة قائلة إن اختصايصي الطب في منطقة خليج تكساس اكتشفوا الإصابة بحالات السرطان ولكنهم ليسوا متأكدين بعد إذا كانت هذه الإصابات ترجع إلى انبعاثات المصافي النفطية أو إلى عوادم السيارات والشاحنات أو إلى انتشار عادة التدخين بين سكان المنطقة بشكل عام.
لكن الطريف هو إحالة جانب من موضوع الانبعاثات إلى علماء النفس وأساتذة السلوكيات فقد اكتشفت الأبحاث أن السكان المحيطين بالمصافي النفطية مصابون بآفة الضيق والغضب والملل لا بسبب تلك الانبعاثات الكيميائية ولكن بسبب إحساسهم بالعجز عن التحكم فيها أو السيطرة عليها، وفي هذا يقول قائلهم: «مشكلتنا أننا جيران للمجهول، وقد يكون هذا المجهول مصفاة للبترول أو مصفاة للكيماويات أو مقلبا لحرق النفايات أو محطة للتوليد للكهرباء باستخدام الطاقة.
ومن مصفاة التكرير إلى الانتاج ها هي المؤلفة تتخذ طريقها بعد حلول الظلام إلى منطقة الشرق من تكساس الولاية التي جاء منها رئيسان لاميركا هما بوش ـ الأب والابن، وهي أيضا ولاية رعاة البقر وثقافة «الكاوبوي» التي كرستها أفلام هوليوود بقدر ما أنها كذلك ولاية البترول والغاز في دفتر التاريخ الأميركي بشكل عام.
تحكي المؤلفة في مستهل الفصل الرابع من الكتاب عن تجربتها مع المكان ـ كيف تنفث حرارة وسخونة مع ساعات الليل وكيف يطغى على المكان طنين الجنادب وازيز الحشرات وكيف يصمد السكان إلى اختيار أسماء خاصة للمدن والبلدات التي يسكنونها وكأنما ليخففوا من غلواء ثقافة الكاوبوي وهي أسماء من قبيل قطر الندى (ديو) أو لونا (القمر) وقد ترجع هذه الأسماء الرومانسية إلى رغبة سكانها أن تعكس ما ينعمون به من رخاء بفضل تواجدهم واشتغالهم في مواقع استخراج النفط والغاز بكل ما تدره عليهم من أرباح.
في أطار طفرة عاشتها المنطقة وتحدثنا عنها مؤلفة كتابتها في سطور تقول: بين عام 1901 وعقد الخمسينات من القرن العشرين عاشت تكساس تلك الطفرة من الازدهار في مجالي الجيولوجيا والثقافة على السواء. وعلى وجه التحديد جاء يوم 28 ديسمبر عام 1930 ليشهد «أم الطفرات» على نحو ما تعبر المؤلفة (ص66) في ذلك اليوم انبثق شلال من النفط من حفرة في حقول منطقة كيلفور، وشهد الناس هذا الدفق البترولي مندفعا من نقطة حملت اسم «العملاق الأسود» وهو أكبر مستودع نفطي تم العثور عليه في تاريخ الولايات المتحدة.
وقبل أن ينقضي هذا العام الثلاثون من القرن الماضي كان القوم قد حفروا 3607 من الآبار. لكن هذه الآبار آلت في زماننا الراهن إلى نضوب وما تبقى منها هو كميات من الغاز الطبيعي الذي ما برح السكان يعملون على استكشافه واستخراجه مستفيدين في ذلك ـ كما تضيف الكاتبة ـ من مزيج يجمع منجزات التكنولوجيا والفأل الحسن وتطبيقات علم الاقتصاد.
يحبون رائحة البترول
في هذا الخصوص كذلك تورد كاتبتنا ملاحظة لها طرافتها حين تقول إن أهل تكساس بلغ بهم حب البترول لدرجة أن يحبوا رائحته ويأنسون إلى أصوات الضجيج المنبثقة خلال عمليات الحفر من أرصفة حقول النفط البحرية، بل أكثر من هذا فمن صفوفهم من يحفظ عن ظهر «قلب أسماء وخصائص الطبقات الجيولوجية التي تعد بحفظ الركاز النفطي الثمين ثم تتوقف المؤلفة عند عام 1972 بالذات، وهو العام الذي شهد ذروة الناتج النفطي من ولاية تكساس.
وهي بدورها الذروة التي ما لبثت أميركا أن دفعت ثمنها عندما جاء عقد الثمانينينات ليشهد انخفاضاً مطردا في الناتج النفطي الأميركي، وقد زادت وطأته بفعل الارتفاع الذي شهدته أسعار البترول وسط ملابسات الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة (أكتوبر عام 1973) في أعقابها هذا هو السبب التي تعزو إليه المؤلفة لقرارات التي اتخذتها شركات النفط الاحتكارية العملاقة بنقل أنشطتها بل ومقراتها الرئيسية من تكساس إلى مناطق أخرى خارج الحدود تاركة المجال فيها إلى حفنة لا تزال ناشطة بصورة أو بأخرى من صغار شركات النفط والغاز الطبيعي.
النفط.. من أين؟
وفي طريق عودتها شرقي تكساس.. استسلمت مؤلفة الكتاب إلى سلسلة من التأملات التي كان طبيعيا ان تدور حول سؤال بديهي ظل مطروحا عبر عشرات السنين:
* كيف تتكون هذه المادة الثمينة التي تطلق عليها اسم «النفط»؟
أولى حلقات هذا التأمل أفادت المؤلفة بان الأمر يستوحي سلسلة طويلة من الأحداث الكونية والعمليات العملاقة، وان كانت الوصفة الناجعة لتصنيع النفط كما تصفها المؤلفة ـ تتمثل ببساطة في حوض دافئ ولطيف(!) متواجد في أعماق المحيط ومزود بحواف تشجع عملية امتزاج وانصهار البقايا والتفالة العضوية كما قد نسميها المتخلفة عن أجسام الكائنات الحية، أو التي كانت كذلك من حيوان أو نبات وما يرتبط بذلك من تفاعلات البكتيريا الناتجة عن تحلل تلك الأجسام إلى حيث تتحول إلى عناصر.
مجرد عناصر من الدهون والكربون والهيدروجين والأوكسجين ممزوجة بالطبع مع خبث الطين من قاع البحر إلى ان تصبح خليطا مهيأ للتفاعل شريطة ان يمنح فترة زمنية سخية إلى حد لا ينكر، لأن قوامها يحتاج نحو مليون سنة إلى ان تتكون منها مادة الكيروجين وهي كما يقول كتابنا (ص80) مادة صلبة سمراء أو تجمع بين اللونين الأصفر والبني فضلاً عن ان خواصها الكيميائية تختلف نوعيا عن الخليط العضوي الذي نشأت عنه وهذا الكيروجين هو العنصر الوسط بين الحمأ والنفط تماماً مثلما يشكل العجين العنصر الوسط بين الدقيق المطحون والخبز الناتج المصنوع.
؟ كيف يتحول هذا الكيروجين إلى بترول؟
أحالت المؤلفة هذا السؤال الجوهري إلى الدكتور «مايكل ليوان» الأستاذ في هيئة المساحة الأميركية، والدكتور ليوان ليس مجرد باحث في موضوع النفط وحسب، فلقد اكتسب شهرته في هذا الميدان من واقع حقيقة طريفة حقاً وتتلخص في مايلي:
ـ ان الرجل توصل إلى طريقة «لطبخ» النفط من واقع مادة الطَفْلة الطينية المشبعة عادة بالكيروجين، وقد جرب هذه الطريقة في المختبر العلمي عام 1978، ومن المعروف انه استخدم في عمليات «الطبخ» العلمية ـ التجريبية التي اشتغل عليها فكرة التسخين في محيط حراري تتراوح درجته بين 300 و365 درجة مئوية ولمدة 72 ساعة تعرضت فيها اسطوانة التجربة لهذا السعير الجهنمي وبعدها أزاح الدكتور ليوان الغطاء عن الاسطوانة فألقى نفسه بإزاء مادة النفط وجها لوجه!
في هذا الصدد تطرح المؤلفة السؤال التالي:
إذا كان بالإمكان طبخ النفط الخام والتوصل إليه على هذا النحو من السرعة فلماذا تستغرق المسألة عدة عصور جيولوجية تقدر بملايين السنين، في حين ان البروفيسور ليوان استطاع بفضل زيادة درجة الحرارة ان يكثف في تجربة واحدة مرور آلاف السنين من أجل تصنيع مادة البترول؟ وكيف نجح في تحويل الأزمنة الجيولوجية إلى أيام قلائل؟ في معرض الإجابة على هذا السؤال المركب وهو سؤال افتراضي يحليه الفضول المعرفي بالدرجة الأولى، يطرح الدكتور ليوان محاولة الإجابة على النحو التالي:
ـ دائما يسألني الناس: لماذا لا اخفض الحرارة إلى 250 درجة مثلا، والإجابة هي انه يتعين علي بذلك ان أجري تجربتي (النفطية) خلال 100 عام بالتمام والكمال، وأدرك تماما ان أبنائي لن يواصلوا تجربتي هذه بعد ان ارحل عن الحياة.
تعلق المؤلفة قائلة: ان التنور الملتهب الذي أجرى فيه ليوان تجربته المذكورة موجود في باطن الأرض الذي يزداد فيه ارتفاع درجات الحرارة كلما توغلت إلى أسفل طبقة من بعد طبقة في البنية الجيولوجية حيث تزداد درجات الحرارة بنحو 25 درجة مئوية لكل كيلومتر واحد من التوغل إلى أسفل، ومن هنا فكلما حدث التوغل إلى عمق أسفل. ترتفع درجة الحرارة وتتهيأ الظروف لتشكيل خام البترول.
الأخوة البترولية
على أي حال، فالأمر بحاجة إلى رؤية ثاقبة مزودة بخيال جامح يجمع بين الحساب العلمي والتصور الذي ينطلق على جناح رحلة بالعقل والوجدان عابرة حقباً ومراحل تقدر بملايين السنين.. تلك هي السمة التي يتميز بها الصفوة من علماء الجيولوجيا وخاصة أولئك الذين يتعاملون مع ركازات أو مستودعات، رسوبات مناجم المعادن التي تمس حاجة البشرية إليها، وفي مقدمتها النفط بطبيعة الحال.
هذه الصفوة التي تتخصص في مجال النفط باتت تجمعها أواصر خاصة استطاعت أن تصهر عناصر وتربط بين أفرادها الاختصاصيين بوشائج متينة وعميقة بحيث أمكن أن تطلق عليها مؤلفة كتابنا الوصف التالي:
أخوة البترول ويعني أفراد الجماعة المهنية التي وهبت حياتها وعلمها وخبراتها لصالح النفط من مراحل الاستكشاف إلى مراحل الحفر والاستخراج ومنها بدأ إلى مراحل النقل والتكرير إلى التوصيل والتوزيع في نهاية المطاف.
في هذا الخصوص تقول مؤلفة الكتاب: في مدينة هيوستون صادفت اختصاصياً في الجيولوجيا عمد إلى توصيف عمله أو مهمته بأنها أقرب إلى «رؤية» وبعدها قال إن الشغف الذي يتملكه إزاء قضية استكشاف النفط يبدو أقرب إلى ملحمة استطلاع وبحث عن السر المكنون منه إلى مهنة يزاولها ويتقاضى عنها الأجر المعلوم.
ثم أردف صاحبنا يقول: لقد توفرت أمام ناظري لمحات كاشفة عن جبال تحت سطح البحر بل وفي أغوار أعماقه وبأكثر مما استطاع أن يلمحه إنسان وأنا إذ أقلب النظر إلى بيتي ونواحي حياتي أرى أن قدرتي على التفاعل والتواصل مع ما خبأته الطبيعة تحت سطح البحر المحيط هي العقار الذي أتعاطاه فإذا به يمدني بقوة العزيمة وقدرة الاستمرار.
معالم الرواية
الغريب أن هذا المهندس أبى أن تذكر المؤلفة اسمه في ثنايا هذا الكتاب لكنه وافق على أن يطلعها على معالم «الرواية» التي تعبر عن شغفه بأمر الجيولوجيا وعن عواطفه الجياشة إزاء قصة البترول والرواية تبدأ بسطور (ص 84): كان بإمكان منذ 150 مليون سنة كان هناك رمال جاثمة على حافة القارة.
وكان هناك عاصفة مؤذنة بالهبوب، انطلقت الرمال تصرخ عالياً من فوق الحافة تنحدر حباتها الصغيرة مثل قطرات الماء فيما تتدحرج حبات الرمل الكبيرة مثل كتلة من الدبس الثقيل السميك وبعد أن هبطت هذه العناصر من الحطام المتراكم عمدت الطبيعة إلى حفظها وصيانتها في طيات صخور القاع التي وضعتها الطبيعة فوق موقد من سعير على مدار ملايين من السنين حيث انصهر مزيج مطبوخ من الكربوهيدرات داخل الصخور مؤذنا أو مبشراً بنتاج اكتشفه الناس من بعد وأطلقوا عليه كلمة واحدة لها وقع موحد في سمع سائر البشر، والكلمة هي البترول.
لا عجب أن ظلت البشرية تنظر إلى هذا المركب الحيوي بمزيج من الإعجاب إزاء دورة كأكسير لحركة الحياة في العصر الحديث يخالطه شعور بالتخوف إزاء عوامل شتى منها استمرار تصاعد الأسعار ومنها أثر الانبعاثات على بيئة كوكب الأرض، ومنها وربما في صدارتها خطر النفاد وعدم التجدد في ظل التصاعد الحلزوني كما يسمونه في احتياجات الاستهلاك.
لهذا ينصح الخبراء كما تقول المؤلفة بعدم الاستهلاك التام لمستودعات النفط الطبيعية سواء في باطن الأرض أو في حواف الشاطئ أو في أعماق البحر. وهي تقول إنه مع استخراج النفط من مستودع أو خزان طبيعي فالمفروض أن تظل كمية في باطن الأرض تتراوح بين 50 و75 في المئة.
ومع ذلك فمن ناحيتها تفيد تقديرات الوكالة الدولية للطاقة بأن الزيادة في معدل استخراج النفط على مستوى العالم من نسبة 35 في المئة إلى نسبة 40 في المئة من شأنها أن تؤدي إلى الحاجة لمزيد من النفط «الجديد» وبأكثر مما تحتويه حالياً جميع الآبار المنتجة في بلد كبير مثل المملكة العربية السعودية.
عرض ومناقشة: محمد الخولي


