لم يكن التوقيت مصادفة بالتأكيد. فقد كانت الصحف الروسية تنشر التكهنات مؤخراً حول هوية من قد يصبح رئيس الوزراء الأوكراني بعد انتخابات غير حاسمة أخرى. كانت هذه هي اللحظة التي اختارها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، للإعلان عن أنه سيقود قائمة حزب روسيا في الانتخابات العامة في ديسمبر المقبل، وأضاف أنه أمر «واقعي تماماً» أنه قد يصبح رئيس الوزراء عندما تنتهي رئاسته في مارس المقبل.
هذه الحكاية عن رئيس وزراء تتحدث بوضوح عن حالة الديمقراطية في الجارتين العضوتين السابقتين في الاتحاد السوفييتي. إن انزلاق بوتين إلى الأوتوقراطية منذ أن أصبح رئيس روسيا في ديسمبر 1999 تم توثيقه جيداً، كما هي الحال في خلفيته المرتبطة بالمخابرات الروسية وترقيته فيها. في الأعوام الثمانية تقريباً في الكرملين قام بسحق المعارضة، وجرد الحكومات الإقليمية من استقلالها الذاتي، وأعاد تأكيد سيطرة الدولة على موارد الطاقة الروسية وأزال معظم أجهزة الإعلام المستقلة.
غير أنه، بفضل الاستقرار الذي جلبه، وأكثر من ذلك النمو الذي يستند إلى النفط والغاز، فإن بوتين يظل شعبياً إلى حد كبير لدى الروس العاديين. بالفعل فإن السؤال الوحيد الحقيقي في صفوف طبقات روسيا المولعة بالحديث هذا العام كان يتمثل في كيف سيحتفظ بقبضته على السلطة بعد مارس المقبل، حيث أن الدستور وضع حداً أقصى للرئاسة يقتصر على فترتين رئاسيتين متعاقبتين. والآن تمت الإجابة عن ذلك السؤال.
وسيجد بوتين، الحذر من التغير الدستوري المكشوف، والمتعلق بتجنب المقارنة غير المتملقة بالرؤساء لمدى الحياة للجمهوريات الآسيوية الوسطى التي كانت سابقاً أعضاء في الاتحاد السوفييتي، سيجد موظفاً ليقف إلى جانب الرئيس (ربما الرجل الذي خرج للتو ليصبح رئيس وزرائه، فيكتور زوبكوف) هو نفسه الذي سيتولى منصب رئيس الوزراء، الذي قضى فيه فترة وجيزة عام 1999، ربما مع سلطات معززة. وبعد فترة مقبولة، استطاع أن يعود إلى الكرملين رئيساً.
في هذه المناورات ليس هناك أثر للديمقراطية كما كان مفهوماً ومطبقاً في الغرب، بل هو أقرب ما يكون للاتحاد السوفييتي القديم. ويؤكد مؤيدو بوتين أن الروس ليسوا مستعدين لديمقراطية ليبرالية، ويفضلون تقليدهم المتعلق بدكتاتور/ قيصر كريم. إنهم يقارنون بين الاستقرار والرخاء في سنوات بوتين والفوضى والفقر في سنوات يلتسين. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، مرددين صدى رؤية بوتين، حتى إذا لم يرغب أحد بالعودة إلى الشيوعية، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي كان الكارثة الجيوسياسية للقرن العشرين الماضي.
يشير كثير من الروس بابتهاج إلى حياة أوكرانيا السياسية المشوشة باعتبارها ما يريدون تجنبه. وفي الواقع فإن أوكرانيا تقدم لهم قدوة فخورة. وصحيح أن حياة البلد السياسية كانت في فوضى عارمة منذ أن دفعت «الثورة البرتقالية» في أواخر عام 2004 إلى الرئاسة، أمام مرشح روسيا المفضل، فيكتور يانكوفتش، بحيث أن جماعات أنشطة الأعمال تحظى بنفوذ سياسي كبير، وأن الفساد يتم تعزيزه (كما هو الحال في روسيا).
غير أن الانتخابات التي أجريت في 30 سبتمبر كانت شأناً ديمقراطياً وغير متوقعاً تماماً، وقد أجريت بصورة أكثر صدقاً من أي وقت مضى. وبعد شد وجذب، يبدو أنه من المحتمل أن تنتج حكومة ائتلاف برتقالية جديدة. لم يعد هناك حديث عن تمزق البلاد: كل الأطراف السياسية ترغب في الاقتراب أكثر من أوروبا. وعلى خلاف روسيا، فإن أوكرانيا لديها أجهزة إعلام مستقلة، ولديها معارضة حقيقية ومشهد من خلاف رئاسي حقيقي عام 1999.
كما أنها تتمتع باقتصاد يشهد نمواً سريعاً من المحتمل أن ينضم إلى منظمة التجارة العالمية قبل أن تنضم روسيا إليها. ما الذي بوسع روسيا القيام به لتعزيز القضية الديمقراطية في الفترة ما بعد السوفييت؟ الإجابة في روسيا تتمثل في: ليس هناك الكثير. إن بوتين حساس للانتقاد الخارجي، ولكن هذا ليس كافياً لجعله أكثر ديمقراطية. والنفوذ الاقتصادي على روسيا محدود. وبالفعل، فإن المخاطرة الأكبر هي أن سيطرة روسيا الخانقة على إمدادات الغاز إلى أوروبا تضع نفوذاً أكبر في يدها.
ترجمة: كوثر علي - عن «إيكونوميست»