أميركا اللاتينية تشهد نمواً اقتصادياً والفقر والبطالة يتراجعان، لكن لا يزال أمامنا الكثير من العمل وخصوصا في ميداني التعليم والأمن. ربما كنا قد أدركنا ذلك، لكن مركز أميركا اللاتينية والكاريبي للسكان قام، مؤخرا، بتسليم تقرير يطرح على طاولة النقاش مشهدا جديدا على صعيد الظروف السياسية والاقتصادية التي تخطو أميركا اللاتينية من خلالها نحو مستقبلها.

صحيح أنه تقرير ينطوي على أخبار طيبة، لكنه يغص كذلك بأسئلة ملحة إذا أردنا لمجتمعاتنا أن تشهد تماسكا اجتماعيا وحكومات جيدة في هذه المنطقة من العالم. بحسب «الدراسة الاقتصادية لأميركا اللاتينية والكاريبي 2006»، المقدمة من قبل تلك المؤسسة البحثية والتي ترصد الوضع القائم حتى عام 2008، فإن المنطقة ستكون قد أسدلت الستار على ست سنوات من التنمية المتعاقبة ـ بدءا من عام 2003 ـ وستكون نسبة الناتج إلى الفرد قد تراكمت وسجلت ارتفاعاً قدره 6. 20%، أي ما يعادل متوسط ارتفاع يصل إلى أكثر من 3% سنويا.

هذه المعطيات تضعنا أمام مستجد أكبر يفيد بأننا لم نشهد قط فترة من النمو بهذا القدر من الحدة. بالمناسبة، فإن التطور المواتي للاقتصاد العالمي يتضافر مع هذا الوضع ويساهم في ازدهاره ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالطلب القادم من البلدان الآسيوية. على هذا النحو، فإنه من المنتظر أن تشهد المنطقة نموا بمعدل 5% هذا العام و6. 4 في عام 2008، بعد أن تكون قد سجلت نموا قدره 5. 6% عام 2006، علما بأننا لم نحصل على مثل هذه الأرقام ولا حتى في الفترة الواقعة بين عامي 1991-1998.

والجانب الأهم الذي يقف خلف هذه الأرقام يكمن في أن عدة ملايين من الأميركيين اللاتينيين قد عبروا خط الفقر وبدأوا يعيشون حياة أفضل. بيد أنه يبقى الكثير مما يتعين علينا القيام به، بينما الحرب ضد الفقر لا تزال قاسية وشرسة. فنحن نعلم أنها تستهدف 38% من السكان، أي 205 ملايين نسمة، ثلثهم يعيشون في ظل الفقر والعوز.

لكن في الوقت نفسه، فإن هناك تحسينات جوهرية في القارة التي يقطنها 560 مليون نسمة، حيث يوجد الكثير من الناس الذين تركوا وراء ظهورهم وضعهم كفقراء وباتوا يصنفون بأنهم أشخاص من ذوي الدخل المتوسط.

صحيح أن الفقر يسجل معدلات نمو أكثر بكثير من الطبقة المتوسطة، لأن هذه الأخيرة مرتبطة باعتبارات ذاتية وبالشعور بأن المرء يعيش بمستوى أفضل، لكن الصحيح أيضا هو أن هذه الظاهرة تمثل في بلدان مثل البرازيل والمكسيك والأرجنتين وتشيلي أمام أنظار الجميع، كما أنها في طريقها إلى أن تصبح واقعا ملموسا في كل من البيرو وكولومبيا وذلك على ضوء التقدم الحاصل هناك.

من المعروف عالميا أن تشيلي تقف في صف الطليعة على صعيد السياسات العامة التي ولدت هذا التغيير، لكن المعطيات المتعلقة بالبرازيل والمكسيك- البلدين اللذين يجمعان نصف سكان القارة- تؤكد هذه الوجهة بشكل واضح أيضا.

يضاف إلى ذلك أن الواقع الملموس القائم يشير إلى أن انخفاض معدلات البطالة من 11% إلى 3. 8% كمعدل إقليمي. وإذا أخذت بلدان بعينها بشكل فردي، فإن البيانات هناك تصل إلى أقل من هذا الرقم. وهناك معلومات ملموسة وفرتها مراكز الدراسات تحدثنا عن زيادة على صعيد العمل الرسمي، لكنها تشير أيضا إلى وجود زيادة فيما يسمى قطاع «العمل على الحساب الخاص»، وهو مرتبط بفتح تجارة هنا أو مشغل هناك. كل ذلك يقودنا إلى سؤال أكبر: ما هي التحديات الجديدة التي يطرحها هذا الواقع على أميركا اللاتينية؟

أولا، يتعلق الأمر بكيفية فهمنا للتنمية المستقبلية، حيث ستبدأ، إلى جانب تسارع السياسات العامة الهادفة إلى القضاء على آفة الفقر، عناصر جديدة بالدخول إلى الأجندة وعلى رأسها تلك المتعلقة بمتطلبات واحتياجات تلك القطاعات المتوسطة، وبأولئك الذين بعد أن تركوا الفقر وراءهم راحوا يبحثون عن أفق أفضل. وسنبدأ نسمع في كافة الأرجاء العبارة التالية: «إذا كانت أكثر الأيام قسوة قد ولت بلا رجعة، فإني أود مواصلة التقدم وتأمين عالم أفضل لأبنائي».

وهنا بالذات حيث ينتقل المطلب التعليمي ليصبح موضوعا مركزيا. وبالتالي، فإنه ستكون لدينا مطالب متنامية على تعليم نوعي بموارد ملائمة وحيث تتقلص الفجوة بين النظامين العام والخاص، وحيث يصبح تعلم لغة أجنبية، خصوصا الانجليزية، أمرا ممكنا وبأدوات فعالة، وحيث تكون أجهزة الحاسوب في متناول الجميع في المدارس الابتدائية والمتوسطة.

وهذا يرتبط بشكل مباشر بالطريقة التي ستواصل أميركا اللاتينية من خلالها عملية النمو، التي تحتل مسألة الانضمام إلى عالم الخدمات مكانة جوهرية فيها. ونحن نعلم أننا نحظى بحصة متضائلة في التجارة العالمية، بعيدا عن الأرقام التي تقدمها لنا الصادرات اليوم ولا سيما البضائع، حيث من الممكن أن يظهر جانب مظلم في عملية النمو تلك إذا لم نعتمد على الموارد البشرية المعدة للطلبات الجديدة.

في المقام الثاني، الاضطلاع بالدور المركزي في السياسات العامة عن طريق دولة حديثة وفعالة وقوية. فالنجاح في الوصول إلى نمو أكبر سيدفع الفئات المتوسطة إلى البحث عن مزيد من المشاركة النشطة في قطف ثمار التطور وستجلب متطلبات جديدة. وبالتالي، فإنه يتعين علينا، من جانب، مواصلة تطبيق السياسات العامة التي خدمت من أجل تقليص معدلات الفقر.

ومن الجانب الآخر سيكون ضروريا أن نخطو خطوة نحو مجمل السياسات الخاصة بتلك القطاعات المتوسطة التي تتطلع إلى مزيد من الأمن والحماية. حماية في تعليم الأبناء وفي السكن والشيخوخة. وهنا تطرح على بساط البحث والنقاش قضية الحاجة إلى امتلاك دولة أكثر قوة وقادرة على تحقيق هذه الوظائف.

وإذا كان الحديث في التسعينات يدور حول نموذج ليبرالي محدث في المنطقة، فإن ما يتم السعي إليه الآن هو إعادة تعريف دورة الدولة بحيث تكون قادرة على أن تؤمن للقطاعات ذات الدخل المنخفض والمتوسط مجتمعا فيه المزيد من التضامن والحماية وذلك انسجاما مع الدخول الجديدة. ومن المنتظر أن يعني هذا النمو الأكبر مزيدا من التضامن أيضا. صحيح أنه يتم السعي إلى مزيد من الحرية والمساواة، لكن بالإخوة تتذلل الصعاب.

عن «كلارين»