أجرت صحيفة «الباييس» الإسبانية حوارا ، مؤخرا، مع رئيس الوزراء الروسي السابق ميخائيل كاسيانوف وتركز حول العديد من القضايا الساخنة المتفاعلة على الصعيدين الداخلي والدولي، وفي مقدمتها الحراك السياسي الذي يشهده المجتمع والدولة الروسيين والعلاقة المتأرجحة بين روسيا الاتحادية وبقية بلدان أوروبا. وفيما يلي نص الحوار:
ـ ما الذي يميز حكومتكم عن الحكومتين اللتين سبقتاها؟ ـ الفارق الرئيسي يكمن في أن روسيا سارت حتى عام 2004 على النهج الذي ساد في التسعينيات، وذلك عندما تم إقرار دستور أرسى قواعد دولة ديمقراطية قائمة على اقتصاد السوق والملكية الخاصة وحقوق الإنسان. لكن بقيت أمور غير منتهية ووقع العديد من الأخطاء، لأن الديمقراطية لم تترسخ هنا قط ولم تكتمل عملية بناؤها بعد، لكن التوجه كان واضحا وأنا أردت المضي قدما مع بوتين في ذلك الطريق.
لكن عندما وقعت مأساة بيسلان( في 1 سبتمبر 2004 تم اختطاف تلاميذ وأساتذة في مدرسة في أوسيتيا الشمالية وخلفت العملية 300 قتيل)، قام الرئيس وبدل أن يعزز أمن المواطنين ردا على العمل الإرهابي، باستغلال ذلك الوضع من أجل تغيير المسار. والكثيرون لم يروا الخطر حينها، لكن يتضح اليوم أننا تراجعنا إلى الوراء. فليست هناك أي أهمية لمن يقود الحكومة، لأن بوتين يقف على رأس كل شيء وهو الرئيس ورئيس الحكومة في آن معا. ليس هناك فصل بين السلطات. والحكومة والبرلمان لا يعملان كمؤسسات مستقلة.
ـ ما الذي تتصف به مختلف الجماعات المحيطة ببوتين؟
ـ الأمر سيان، إذ لا أهمية لذلك، فكل شيء يحدث يتصف بالغرابة، والمتورطون في هذه السياسة يتصرفون بشكل مغلوط وبطريقة متعمدة، حيث لا وجود لأساليب معالجة تقوم على أساس مفاهيمي، وكل شيء يتوقف على إرادة الرئيس.
ـ ما هي الدوافع التي تحكم السياسة الروسية؟
ـ ما يروق للرئيس..
ـ منذ بعض الوقت، ذكر فيكتور شيركيسوف، رئيس الجهاز الاتحادي لمراقبة المخدرات، في مقال له أن قدامى أعضاء جهاز الاستخبارات «كي جي بي» لديهم ثلاثة خيارات: إما الانتقال إلى مجتمع مدني عادي بأسرع وقت ممكن، أو مواصلة تعريض المجتمع لخطر السقوط في أحضان ديكتاتورية على الطريقة الأميركية اللاتينية، أو تدمير بعضهم بعضا والبلاد معهم. ما رأيكم بذلك؟
ـ إنه تفسير ساخر يشير إلى مدى تفشي المرض في محيط الرئيس والمشكلات والتهديدات التي تواجهها الدولة والمجتمع. ذلك أن وضع عناصر الاستخبارات وسط كل شيء هو منتهى الوقاحة. وأولئك الناس يضرون البلد. وهم لا يؤمنون، بمن فيهم كاتب المقال، بعملية التحول إلى مجتمع عادي لأن ذلك يناقض رؤيتهم للعالم. تلك ليست محل تفكير بالنسبة لهم وهي خادعة.
ـ هل تعتبر إمكانية واقعية أن تظهر ديكتاتورية على الطريقة الأميركية اللاتينية هنا في روسيا؟
ـ ذلك ممكن وهناك مظاهر تتجلى في هذا الاتجاه فعلا في السياستين الداخلية والخارجية على حد سواء. وهناك خطر ماثل يتمثل في إمكانية الانزلاق إلى الديكتاتورية والدولة الشمولية. لكنها لن تأخذ شكل الاتحاد السوفييتي وإنما شكل بلد اسمه روسيا يقوم على ترتيبات مناسبة واندماج أكبر في السوق العالمية.
ـ عندما كنت رئيسا للوزراء، ساندت خودوركوفسكي صاحب شركة «يوكوس» النفطية الذي تم سجنه في أكتوبر 2003. ما الذي عنته عملية وضعه وراء القضبان؟
ـ كانت إشارة مهمة إلى أن السلطات كانت تعد لتغيير المسار. وأنا انتقدت مرات عديدة، من موقعي في السلطة التنفيذية، سلوك النيابة العامة، على الرغم من أن الرئيس لم يرد تعليقات عامة. لكنني لم أستطع رؤية الأمر يمر مرور الكرام، خصوصا حين اتضح أن الاتهامات الاقتصادية كانت تفتقر لأي أساس، وذلك ما أثبتته التطورات الذي حدثت بعد مضي عام على اعتقال خودوركوفسكي، حيث قاموا بتقسيم يوكوس وباعوها لشركات وهمية. وهذا يبين بوضوح أنهم يفعلون ما يحلو لهم.
ـ هل منعك بوتين من التعبير عن رأيك حول الموضوع؟
ـ بوتين لم يمنعني من ذلك. الأمر الوحيد الذي منعني عنه كان إصلاح شركة «غازبروم». فذلك هو الطلب الوحيد الذي أصر عليه والذي يمكن وصفه بالمنع.
ـ هل تطور بوتين ورجالاته وتحركهم على هذا النحو يأتي هكذا صدفة في غمار العمل أم أنهم يتحركون في إطار خطة معدة مسبقا؟
ـ من حيث المبدأ، أعتقد أنه لم يكن هناك الكثير من التخطيط، لكن عندما رأوا مدى سهولة تحقيق مآربهم، بما في ذلك التعدي على يوكوس، في ديسمبر 2004، فقدوا الحياء تماما وجرجروا الفاعلين الاقتصاديين في تلك الشركة النفطية في الوقت الذي قاموا فيه بتغيير النظام الانتخابي، وهكذا حققوا أهدافا اقتصادية وسياسية في آن معا.
لكني لا أعتقد أن عملية مصادرة شركة يوكوس كان مخطط لها منذ البداية. فعملية ملاحقة خودوركوفسكي بدأت بسبب سلوكه السياسي. أما عملية تقاسم الشركة النفطية التي تمت لاحقا فإنها تمثل عاملا إضافيا. فلقد قال بوتين في صيف 2004 إن الدولة لا تريد تخريب يوكوس وتنفسنا الصعداء معتقدين أن الأمر كان يتعلق بخطأ كان يصححه وليس عملا مدروساً بعناية.
لكن في الخريف، عندما أقروا القوانين التي غيرت الدستور بشكل عملي ومنحت شركة النفط الروسية الأولى إلى شركة وهمية، اقتنعت بأن ذلك لم يكن مجرد خطأ، بل عمل مقصودا يهدف إلى تغيير نظام القيادة والملكية في البلاد.
ـ هل يمكن أن يعاني الاتحاد الأوروبي من عجز على صعيد التزود بالغاز الروسي؟
ـ إذا استمرت سياسة الرئيس بوتين على هذا النحو، فإنه من الممكن أن يجد الاتحاد الأوروبي نفسه قريبا جدا أمام روسيا لا تملك ما يكفي من الغاز لتلبية حجم الطلب عليه.
ـ لقد حذرت من أزمة محتملة عنوانها عدم التسديد بسبب الديون المتراكمة على الشركات التعاونية الحكومية، التي أخذت قروضا في الخارج بفوائد مرتفعة وأنفقتها بطريقة غير فعالة. وفي ذلك إشارة إلى غازبروم أيضا. هل تعتمد هذه القروض على أي ضمانات من الدولة؟
ـ ليس هناك ضمانات رسمية قانونية من الدولة، لكن هناك ضمانات غير مباشرة من هذا النوع. من الناحية القانونية، فإن أحدا لا يستطيع أن يدعي بصورة مباشرة على روسيا، التي تمتلك حزمة من أدوات السيطرة على غازبورم.
ـ قلت إنك لن تشارك في الانتخابات التشريعية المنتظرة في ديسمبر المقبل، لكن إذا أعطوك فرصة مناسبة، هل سترشح نفسك للانتخابات الرئاسية في مارس المقبل. ثم ألا ينطوي ذلك على تناقض؟
ـ لا. فالمشاركة في الانتخابات البرلمانية في ظل نموذج قانوني مؤذ جديد يلحق ضررا كبيرا بمستقبل البلاد والديمقراطيين أيضا لأنه يعني مساعدة النظام على اكتساب الشرعية. أما بالنسبة للانتخابات الرئاسية، فإن الأمر مختلف، على الرغم من أننا لن نتمكن من اتخاذ قرارات إلا اعتبارا من بداية ديسمبر ولا أستبعد أيضا إمكانية أن تكون المشاركة فيها ضارة أيضا.
ومع ذلك، فهناك فارق جوهري بين كليهما. ففي الرئاسية هناك حرية في المنافسة، حتى لو كان الوصول إلى هناك صعب. لكن في البرلمانية، فإن المواطنين لا يستطيعون تشجيع مرشحهم، وهكذا فإن النظام كله مختل وناقص والمشاركة تعني إضفاء صبغة شرعية عليه، وهذا أمر ضار. وآمل من القوى السياسية أن تراجع النظام الانتخابي ولقد كتبت إلى موراتينوس ( وزير الخارجية الاسباني) بخصوص إرسال بعثة من المراقبين على المدى الطويل.
ـ لماذا لا تتحد أحزاب المعارضة الديمقراطية؟
ـ نحن في المعارضة نمثل خمس منظمات لكل منها رؤية مختلفة. في المقابل، فإن الأحزاب أخذت تتوقف بصورة تدريجية عن الاعتقاد بأن بوتين يريد برلمانا يقوم على مبدأ التمثيل. وهناك مساع جارية للتقريب بين رؤى القوى السياسية، حيث يتعين علينا توحيد أنفسنا أمام التهديد الذي تمثله إمكانية الوصول إلى طريق شمولي مسدود.
ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «الباييس»
