تعد حاسة الشم، وفقا لتقارير علمية، من أكثر الحواس الخمس التي يتمتع بها الشخص الطبيعي تعقيداً. ففي الحواس الأخرى، لاسيما السمع والبصر، يتبين أن الرابط بين الحافز أو المسبب وبين الإدراك ورد الفعل أمر شديد الوضوح. فمعرفة الأطوال الموجية للضوء تساعدك على معرفة لونه.

وفي حال إدراكك لذبذبة أو درجة التردد الخاصة بصوت من الأصوات، فإنه يمكنك بشكل مؤكد معرفة درجة هذا الصوت. غير أنه عندما يتعلق الأمر، بحاسة الشم فإن وسيلة الربط بين التكوين الجزيئي للشيء ورائحة هذا الشيء هو أمر لم يسبر غوره العلماء إلى وقتنا هذا. وفي هذا الصدد تفرد مجلة «نيوساينتست» العلمية تحقيقا بارزا عن حاسة الشم في أحد أعدادها الأخيرة، تبين فيه أن حاسة الشم من أكثر الحواس غموضا. يقول معد التحقيق إنه إذا بادر المرء بالتحدث إلى أي صانع عطور فإنه سيكتشف أن عملية تخمير عطر مميز يمكنه تحقيق أعلى المبيعات هو أمر عائد في المقام الأول إلى الخبرة والحنكة ولا يلعب فيه العلم إلا دورا بسيطا للغاية.

فصناع العطور يجوبون العالم متجولين بين مختلف بساتينه وحدائقه وأسواقه وغاباته وأنهاره بحثا عن روائح جديدة لم يجر التطرق إليها من قبل. فعقول هؤلاء مدربة أو إن شئت قلت مبرمجة على تحليل الروائح المعقدة ووصفها بالكلمات. وبحسب تقرير المجلة فإنه لا يوجد هناك صانع عطور واحد في العالم يمكنه أن يستنشق عطرا ما ويعطيك أي فكرة عما يمكن أن يكون عليه التكوين الجزيئي لهذا العطر.

ولا يمكن لأي منهم أيضا أن ينظر إلى هيكلية أي جزيء ثم يُعلمك بما يمكن أن تكون عليه رائحة هذا الجزيء. ويؤكد كاتب الموضوع أن جسر هذه الهوة بين حجم المعلومات المتوافرة عن العطور وبين التعرف على جزيئاتها يعد من أصعب التحديات التي تواجه العلماء المعنيين بهذا المجال في الوقت الراهن.

و من ثم فإن حاسة الشم تعتبر من أكثر حواسنا غرابة واستعصاءً على الفهم، فهذه الحاسة التي صُنفت كحاسة كيميائية، أي أنها تعتمد في عملها على تأثير المواد الكيميائية، لم يستطع العلماء إلى الآن تفسير قدرتها على التمييز بين الروائح المختلفة التي يقدر أن الإنسان يستطيع تمييز 10000 نوع منها.

لكن مع ذلك فالباحثون يدينون للخلايا التي تشارك في عملية الشم بالفضل في تفسير بعض ألغاز هذه الحاسة. إلا أنه لا يزال هناك الكثير من الأسرار التي يحاول الباحثون تجاوزها للوصول إلى الفهم الكامل لآلية عملها، والتي بحلها سيتمكن الباحثون من إيجاد سبب امتلاك الكثير من الحيوانات لحاسة شم قوية تعادل 20 ـ50 ضعف قوة حاسة الشم عند الإنسان الطبيعي، بالإضافة إلى محاولة علاج المرضى الذين يعانون من اضطراب أو فقدان لحاسة الشم، وأخيرا اختراع أجهزة تحاكي الأنف في قدراته على الشم وتمييز الروائح.

فعملية الشم تبدأ مع دخول الجزيئات المتطايرة الدقيقة جدا إلى داخل الأنف، حيث تذوب هذه الجزيئات في الطبقة المخاطية الرقيقة المحيطة بهذه المنطقة ثم تقوم بروتينات خاصة موجودة في المنطقة المخاطية بنقلها إلى المستقبلات الشمية التي يقدر عددها بحوالي عشرة ملايين مستقبل، والتي تقع على سطوح بروزات دقيقة جدا تدعى الأهداب.

وتتصل هذه المستقبلات بدورها بالأعصاب الشمية التي تتجمع في منطقة واحدة تدعى البصلة الشمية، التي ترسل هذه الأعصاب إلى منطقة معينة في الدماغ حيث يتم تحليل الرائحة والتعرف عليها. يدخل ضمن عملية الشم هذه عدد كبير من العمليات الكيميائية والجينية التي ما زال العلم الحديث عاجزا عن فك طلاسمها ومعرفة أسرارها.

وقد أضاف هذا عبئا كبيرا على الطب، حيث يعاني الأطباء من عدم قدرتهم على معالجة فاقدي حاسة الشم، وعلى الرغم من كون هذه الحالة غير مؤثرة بشكل كبير على الحياة، إلا أن الباحثين قد لاحظوا أن فاقدي القدرة على الشم يصابون بحالة من الاكتئاب وتغير في طبيعة حياتهم. وذلك بسبب وجود علاقة كبيرة بين حاسة الشم والعواطف، والمزاج، والذاكرة، وجهاز المناعة، والهرمونات في الجسم، ووصل البعض إلى القول إن هناك علاقة بين حاسة الشم والعلاقات الاجتماعية.

وقد ظهرت نظريات عديدة في هذا المجال، إلا أنها لم تعط تفسيرا كاملا لعملية الشم، أو فشلت في تفسير حالات معينة. لذلك اتجه الباحثون الآن إلى التقنيات الجينية من اجل حل هذه المسألة، غير أنه في ضوء كون هذه التقنيات ما زالت في بداياتها، فالفهم الكامل لمثل هذه الأمور ما زال بعيدا.

يقول ستيوارت فيرستين، عالم الأعصاب في جامعة كولومبيا بولاية نيويورك الأميركية: «يعتبر أنف الثدييات أفضل كشاف كيميائي في العالم، ومازلنا إلى الآن لا نفهم كيف يعمل». وقد حدد العلماء عن طريق التجارب أن كل خلية حسية تحمل نوعا واحدا من المستقبلات.

وتشفر هذه المستقبلات التي توجد في الثدييات فقط من قبل عائلة كبيرة من الجينات. فعلى سبيل المثال يمتلك الفأر، الذي يمتاز بحاسة شم قوية جدا، ما يقارب 1200 جين معظمها في حالة عمل. لكن عند الإنسان هناك حالة شبه معكوسة، فقد حصلت طفرات في ثلثي جينات المستقبلات الشمية حولتها إلى جينات غير فعالة. وكما يبدو فإن هذه المستقبلات قد فقدت قدرتها على العمل منذ أسلافنا الأوائل نتيجة الطفرات التي حصلت، كما هي الحال بالنسبة للقدرة البصرية الكاملة على رؤية الألوان.

ومع توالي محاولات فك طلاسم حاسة الشم في السنوات الأخيرة حصل عالمان أميركيان على جائزة نوبل في الطب لاكتشافهما بعض أسرار هذه الحاسة. فقد اكتشف العالمان عائلة كبيرة من الجينات مكونة من ألف جين مختلف تتحكم سويا في إفراز بروتين خاص مهمته استقبال المعلومات.

ويوجد ذلك البروتين في الخلايا التي تبطن الجزء الأعلى من الأنف المسؤول عن إدراك جزيئات الرائحة التي تدخل الأنف. وتتخصص كل خلية في التعرف على عدد محدود من الروائح. وترسل تلك الخلايا معلوماتها عن طريق الأعصاب إلى منطقة في المخ معروفة باسم «التدوير الشمي». وترسل تلك المنطقة المعلومات بدورها إلى مناطق أخرى بالمخ مسؤولة عن إدراك مجموعات معينة من الروائح تشكل في مجملها حلا لشفرة الرائحة أو «النسق الشمي» كما تم تعريفه.

ولكن على الرغم من ذلك كله، فإن العلماء ما زالوا يأملون في التمكن يوما ما من فك كامل شفرة مستقبل الشم. تقول كارينا دننيس، وهي صحافية من مجلة «نيتشر»، عن هذا الموضوع: «إذا تمكن العلماء من فك شفرة مستقبل الشم، فإن ولع علماء الأعصاب بحاسة الشم سيزداد ليصلوا إلى الموقع الذي وصل إليه زملاؤهم ممن درسوا حاسة البصر قبل عقود من الآن، وسيمكنهم هذا من دراسة خلايا مختلفة من هذا النظام، وربما يساعدهم على فهم كيفية تشفير المعلومات في المستقبلات وبمراحل أعلى بكثير مما هم عليه الآن».

إعداد: حاتم حسين