بالنسبة إلى رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، فإن العلاقات الخارجية لا بد أنها كانت تتسم بالغرابة بعض الشيء مؤخراً. فقد عاد إلى تركيا من زيارته الأخيرة إلى واشنطن بما بدا في حينه وكأنه موافقة أميركية ضمنية على شن الهجمات العسكرية على المتمردين الأكراد على امتداد الحدود في شمال العراق.
ومع وجود 100 ألف جندي تركي بالقرب من الحدود، ودعوة الرأي العام للتحرك لكبح جماح الغارات على امتداد الحدود من جانب حزب العمال الكردستاني فإن المخاطر لا يستهان بها. في غضون ذلك، فإن المفوضية الأوروبية كانت تميط اللثام عن تقرير سنوي حول تقدم تركيا باتجاه العضوية المحتملة للاتحاد الأوروبي.
وفي هذا التقرير فإن حكومة أردوغان تعرضت للتقريع بسبب عدم وفائها بالمعايير الأوروبية في كل شيء بدءاً من (تدخل العسكريين في الحياة السياسية وحظر تعليم اللغة الكردية في المدارس) وصولاً إلى الجوانب الأكثر غموضاً (حيث يتعرض التقرير لرفاه الحيوان في حدائق الحيوانات).
وقام أولي ريهن، مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسعة، بالتصلب في خط قوي بالفعل ضد مادة في قانون العقوبات التركي أدت إلى مقاضاة الكتاب والمثقفين لقيامهم بالإساءة إلى «النزعة القومية التركية» (عادةً، بعد أن طرحوا الموضوع الشائك الذي يتعلق بعمليات القتل الجماعية للأرمن بعد الحرب العالمية الأولى).
قال ريهن: لم يكن بوسع الاتحاد الأوروبي بدء المحادثات المهمة فيما يخص تحقيق التقارب بين نظام العدالة التركي والأعراف الأوروبية إلا بعد إلغاء «مادة 301 سيئة الصيت». وفي الوقت نفسه أوضح أنه سيقوم بالضغط للبدء بالعمل على جوانب أقل إثارة للجدل في محادثات العضوية (ضربة مراوغة لقبرص وفرنسا اللتين لأسباب مختلفة تحاولان الآن إبطاء المحادثات المتعلقة بدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي).
اعترف أحد المسؤولين أن التقرير المؤلف من 77 صفحة حول تركيا، مع قوائمه الطويلة التي تضم المماحكات في القضايا الكبيرة والصغيرة على حد سواء، يمكن أن يبدو غير حساس بعض الشيء في وقت يشعر فيه الأتراك العاديون بأنهم محاصرون من الإرهابيين. ومضى المسؤول يقول: «لكن هناك منهجاً في جنون أوروبا التكنوقراطي».
وطبيعة عملية الانضمام الدقيقة غير المقيدة بزمن محدد والتي تنطلق بلا توقف هي جوهر الأمر برمته. والآن، فإن الأمر الأكثر أهمية هو النأي بالقضايا الساخنة حول الحرب والسلام برمتها من عمل الفحص البطيء والمضجر لما إذا كانت تركيا يمكن ذات يوم أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي.
هناك أسباب أخرى للإبقاء على عملية توسيع الاتحاد الأوروبي بعيدة عن الصدارة. فالمواطنون الذين هم داخل الاتحاد منزعجون من توسع آخر، الأمر الذي جعلهم يشعرون بأن هذا التوسع مضى بعيداً للغاية وبسرعة كبيرة. مهدت المخاوف من ذهاب الوظائف إلى الأعضاء الجدد الأقل أجراً (وهو ما يعرف بتهديد «السباك البولندي») الطريق أمام بقاء ردود فعل عميقة حيال المهاجرين الفقراء من الدول الأعضاء الأحدث.
فلتسألوا الحكومة الإيطالية فقط، التي لا تزال تناضل (بشراسة) لتحقيق التوازن بين التزاماتها بالحدود المفتوحة في ظل قانون الاتحاد الأوروبي ومطالب طرد المهاجرين الرومانيين المسؤولين عن موجة جرائم.
إن أحداً لا يتوقع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قبل عام 2020- إذا لم يتم الاعتراض عليه من قبل دولة من الدول الأعضاء أو إذا لم تبتعد تركيا عن الاتحاد بكثير من الاشمئزاز. والحماسة أيضاً تتضاءل عند دول كثيرة أخرى في قائمة الانتظار للانضمام، وهي حشد من دول البلقان تمتد من احتمالات انضمام مؤكدة بالنسبة لكرواتيا التي ينظر إليها على أنها في قائمة صف الانضمام ربما في 2020) إلى مناطق مضطربة، لا يزال يتعين عليها أن تحصل مجدداً على المفهوم الصحيح للأمة مثل كوسوفو.
وقد أوضحت تقارير المفوضية أن معظم مرشحي البلقان يمكنهم فقط أن ينضموا إلى الاتحاد الأوروبي في «المدى المتوسط إلى المدى الطويل» ـ على الرغم من أن بروكسل حريصة على جعل الطريق إلى العضوية واضحاً، انطلاقاً من اعتبار ذلك الفرصة الوحيدة لتشجيع الإصلاحات الديمقراطية.
يواجه الاتحاد الأوروبي اختباراً وشيكاً. فكوسوفو المنفصلة عن صربيا ستعلن الاستقلال قريباً. ويتوقع أيضاً أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي سترفض الاعتراف بذلك الاستقلال، الأمر الذي يستعيد ذكريات أليمة عن انشقاق الاتحاد الأوروبي حيال تفكك يوغسلافيا.
قال ريهن إن الإمبراطوريات والاتحادات السابقة قد شكلت بقوة «المدافع والجيوش». وأسلوب الاتحاد الأوروبي كان «أكثر تحضراً». ولكن هل سيتكلل النهج القائم على العصا والجزرة بالنجاح في زوايا جيران أوروبا، مثل تركيا والبلقان، حيث يعد صوت البنادق حاضراً في أذهان المواطنين؟ هل للمواطنين الأوروبيين إرادة الاستمرار بتوسيع آخر (في ظل معارضة الغالبية العظمى في فرنسا وألمانيا انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي)؟
لا تريد بروكسل الإجابة عن مثل هذه الأسئلة الآن. على الرغم من أن أنها ستشعر بأنها بيروقراطية على نحو غريب في وقت يشهد هذه التوترات الإقليمية، ويدفن عملية التوسيع في تقارير التقدم الجافة والمليئة بالغبار كالتي صدرت أخيراً والتي قد تصبح إلى حد بعيد طريقة لجعل العملية برمتها على قيد الحياة.
ترجمة: كوثر علي عن «إيكونوميست»