عمل تأثير الإيثانول في الولايات المتحدة على رفع سعر الأطعمة والأغذية على نطاق واسع، شاملا أنواعاً أخرى من المحاصيل والماشية والدواجن وغيرها من المنتجات الأساسية. صحيح أن الصلة بين الاستقرار في الشرق الأوسط وتكلفة إطعام عائلة واحدة في الولايات المتحدة ليست مباشرة بالطبع، لكن وكما يحصل في جميع الصفقات التجارية العالمية، فإن القوة عادة ما ترجح كفة الميزان.

إذ ان أحد الأهداف الرئيسية لسياسة الولايات المتحدة الخارجية ظل لفترة طويلة من الزمن يتجسد في إنشاء نظام عالمي يكون للشركات الأميركية الكبرى فيه المدخل الحر على الأسواق والموارد وفرص الاستثمار في أي بقعة من بقاع الأرض. وعادة ما يطلق على هذا الهدف اسم «التجارة الحرة»، الأمر الذي يعكس موقفا عندما يتم التدقيق فيه، فإنه سرعان ما ينهار ويتلاشى.

المسألة هنا لا تختلف كثيرا أو لا تختلف أبداً عما تخيلته بريطانيا العظمى، التي تعتبر خير سلف في ميدان السيطرة العالمية، خلال الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، عندما تبنت مبدأ التجارة الحرة، بعد أن كانت 150 عاما من تدخل الدولة والعنف قد ساعدت الأمة على تحقيق قوة صناعية أكبر بكثير من أي قوة يتمتع بها خصومها ومنافسيها.

الولايات المتحدة حققت، بدورها، النموذج عينه إلى حد كبير، في حين تبدو القوى الكبرى راغبة في الدخول في مستوى معين محدود من التجارة الحرة، وذلك عندما تكون هذه القوى على اقتناع بأن المصالح الاقتصادية التي تكون تحت حمايتها ستسير على نحو جيد وأفضل بالنسبة لها. وذلك كان ولا يزال يمثل أولوية في النظام العالمي.

عملية تنامي استخدام الإيثانول تسير على درب النموذج عينه. وكما يشير الخبيران في الزراعة فورد رنج وبنيامين سيناور في مجلة «فورين أفيرز»، فإن «صناعة الوقود العضوي ظلت لوقت طويل تخضع للسيطرة ليس من قبل قوى السوق وإنما من قبل السياسة والسياسيين ومصالح عدد قليل من الشركات الكبرى»، لا سيما شركة «آرشير دانييلس ميدلاند»، التي تعد أهم منتج لمادة الإيثانول في العالم.

إن إنتاج الإيثانول أصبح ممكنا بفضل المعونات المالية الحكومية المهمة والأسعار المرتفعة جدا التي تهدف إلى استبعاد الإيثانول البرازيلي القائم على السكر وهو أرخص بكثير وأكثر فعالية.

فالانجاز الوحيد الذي حققته جولة جورج دبليو بوش في أميركا اللاتينية في مارس الماضي كان عبارة عن اتفاق تم توقيعه مع البرازيل لإنتاج الإيثانول بصورة مشتركة مع الولايات المتحدة.

لكن في الوقت نفسه الذي كان فيه بوش يلقي خطابا يعظ فيه الآخرين على الطريقة التقليدية بتبني مبدأ حرية التجارة، فإنه كان يشدد على أن التعرفة المرتفعة لحماية منتجات الولايات المتحدة ستبقى كما هي وذلك إلى جانب الكثير من أشكال المعونات الحكومية المقدمة للقطاع الصناعي بالطبع.

وعلى الرغم من المعونات المقدمة لقطاع الزراعة والممولة من جانب دافعي الضرائب، إلا أن أسعار الذرة والخبز قد ارتفعت بسرعة كبيرة غير مسبوقة. في حين أحد العناصر التي تقف وراء ذلك الارتفاع يكمن في أن المستخدمين الصناعيين للذرة المستوردة من الولايات المتحدة شرعوا في اقتناء أرخص التشكيلات المكسيكية المستخدمة في صناعة الخبز والكعك، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار.

معاهدة التجارة الحرة الموقعة عام 1994 مع المكسيك برعاية الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دورا مهما قد تزداد أهميته مع مرور الوقت. أما تأثير هذه المعاهدة فلقد تجسد في إغراق المكسيك بصادرات تنتجها الشركات الزراعية المدعومة بشكل قوي، طاردة بذلك المنتجين المكسيكيين من أراضيهم أمام مصير مجهول غالبا ما يتجه نحو الشمال.

وأثبت الاقتصادي المكسيكي كارلوس سالاس أنه بعد الارتفاع الثابت في فرص العمل في قطاع الزراعة الذي استمر حتى عام 1993 في بلاده، راحت أعداد هذه الوظائف تتضاءل عندما دخلت معاهدة التجارة الحرة حيز التنفيذ، وخصوصا بين منتجي الذرة، وهي نتيجة مباشرة لهذه المعاهدة حسب استنتاجات هذا الاقتصادي واقتصاديين آخرين أيضا.

أما النتيجة العامة فلقد تجسدت في أن سدس قوة العمل المكسيكية التي تعمل في قطاع الزراعة قد انتقلت من مكانها أثناء سنوات معاهدة التجارة الحرة، في حين لا تزال هذه العملية متواصلة بلا هوادة. وذلك يخفض، بدوره، الأجور في قطاعات أخرى كثيرة من الاقتصاد ويدفع بقوة باتجاه الهجرة نحو الولايات المتحدة.

وتقدر مصادر الاتحادات الوطنية للمزارعين في المكسيك أنه «مقابل كل خمسة أطنان من المنتجات الأجنبية المستوردة، هناك فلاح واحد على الأقل يتحول إلى مرشح للهجرة». وربما كان الأمر يتعلق بشيء أكبر وأعمق من المصادفة عندما تقوم الولايات المتحدة في عهد الرئيس بيل كلينتون بعسكرة الحدود المكسيكية في الوقت نفسه الذي كانت تتم فيه عملية تطبيق معاهدة التجارة الحرة.

إن نظام «التجارة الحرة» يقود المكسيك وينقلها من حالة الاعتماد الذاتي على صعيد التزود بالطعام إلى حالة الاعتماد على صادرات الولايات المتحدة. وكلما ارتفع سعر الذرة في الولايات المتحدة بتحفيز من سلطة الشركات الكبرى وسياسة التدخل الحكومي، يمكن للمرء أن يعرف بصورة مسبقة أن أسعار المواد الخام يمكن أن تواصل صعودها بصورة حادة في المكسيك.

تشير كل المعطيات إلى أن إنتاج الوقود العضوي سيزيد من فقر الفقراء وجوعهم بصورة متزايدة حول العالم وذلك كلما تحولت المواد الخام إلى مواد لإنتاج الإيثانول لصالح أصحاب الامتيازات في جميع أنحاء العالم.

في غضون ذلك، فإن الغابات الاستوائية في منطقة جنوب شرق آسيا تتعرض للقطع والحرق والتخريب بغية الحصول على زيت جوز الهند الذي يستخدم في إنتاج الوقود العضوي، وهناك في الولايات المتحدة تأثيرات جانبية تتهدد البيئة أيضا وذلك جراء انتاج الإيثانول القائم على الذرة.

كما أن الأسعار المرتفعة للخبز ونزوات متوحشة أخرى في «النظام العالمي» توضح العلاقة المتبادلة بين الأحداث الجارية، بدءا من الشرق الأوسط إلى منطقة ( الغرب الأوسط) في الولايات المتحدة، وبين الضرورة الملحة للتأسيس لعمليات تجارية قائمة على اتفاقات ديمقراطية بشكل حقيقي بين الأشخاص وليس على مصالح هدفها الرئيسي هو الأرباح فقط التي تعود بالفائدة على شركات كبرى محمية ومدعومة من قبل الدولة وتسيطر على العالم على نطاق واسع مهما كان الثمن الإنساني.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «دسبيرتار»

بقلم: نعوم تشومسكي