أثناء أزمة جزيرة ليلى المغربية، التي نشبت عام 2002 على ضوء إدخال السلطات المغربية جنودا لها عددهم أقل من عدد أصابع اليدين إلى تلك الجزيرة الصغيرة، أغلق الوزراء المغاربة جميعا الباب في وجه وسائل الإعلام الاسبانية حينها.
لكن وزير الخارجية المغربي الجديد طيب فاسي فهري لم يتردد في إجراء هذا الحوار المطول مع صحيفة «الباييس» الاسبانية، على الرغم من أن هناك بعض الأسئلة التي يبدو أنه لم يرغب في الإجابة عليها بقصد عدم صب المزيد من الزيت على نار حالة التوتر التي أثارتها الزيارة التاريخية الملكية للعاهل الاسباني خوان كارلوس إلى مدينتي سبتة ومليلية.
الرباط ردت على هذه الزيارة بسحب سفيرها في مدريد وببيان شديد اللهجة صادر عن العاهل المغربي الملك محمد السادس، في الوقت الذي شهدت فيه حدود المدينتين والشارع عموما هناك تظاهرات عديدة.
الوزير طيب فاسي فهري يرد على الذين يعتبرون أن ردة الفعل المغربية كانت غير متوازنة أو مبالغاً فيها إلى حد ما ويقول: «كان ذلك طبيعيا وعفويا وجاء ارتباطا مع حدث غير مسبوق ويؤثر علينا جميعا نحن المغاربة بصورة مباشرة، بدءا برجل الشارع وصولا إلى جلالة الملك نفسه». ويؤكد أن تلك الزيارة كانت بمثابة «إهانة لمشاعرنا».
كما يقول الوزير المغربي: «لدينا مسائل متنازع عليها»، فيما يتعلق بهاتين المدينتين، مهما حاول البعض إنكار ذلك، على حد تعبير الدبلوماسي المغربي، الذي يضيف إن «المبادرات أحادية الجانب» على غرار زيارة ملك وملكة اسبانيا لا تساهم في حل تلك المسائل.
ذلك أن نزاعات من هذا القبيل لا تحل إلا عن طريق الحوار». ويقول إن الزيارة الملكية «تسير في الاتجاه المعاكس للعلاقة الطيبة التي كنا قد أسسنا لها خلال السنوات الأخيرة هذه. وأنا لا أستطيع أن افهم ما الفائدة التي ستحصل عليها اسبانيا من كل هذا. كما أني أدعوها إلى أن تسأل نفسها عما إذا كانت هذه المبادرة قد فعّلت المطالبة المغربية أم لا».
على الرغم من أن فاسي فهري يتكلم بنبرة خفيضة جدا، إلا أنه يرفع الصوت قليلا عندما يتذكر الحجة التي تقول إن الأسبان استوطنوا في مدينتي سبتة ومليلية قبل أن ترى المملكة المغربية النور بوقت طويل، ويرد على ذلك بالقول إنها «كذبة واضحة لا لبس فيها».
ويضيف أن «الدولة المغربية موجودة منذ 14 قرنا من الزمن خلت وبالتالي، فإن وضع سبتة ومليلية وكذلك مدن أخرى تقع على الساحل المغربي للبحر الأبيض المتوسط أو للمحيط الأطلسي والتي ولدت في القرنين السادس عشر والسابع عشر جاء نتيجة التوسع الكولونيالي الأول لأوروبا في أقرب محيط لها».
ويشدد فاسي فهري على أنه من اجل أن يحافظ كلا البلدين الجارين على علاقة ثابتة ومستقرة وكذلك على الثقة فيما بينهما، فإنه لا بد من «أن تتوقف المغرب عن كونها أداة للتجاذبات في السياسة الداخلية الاسبانية».
مسؤول الدبلوماسية المغربية يطلق بالونات إلى الخارج عندما يُسأل حول موعد عودة سفير بلاده إلى العاصمة الاسبانية مدريد، لكنه يضع، في الوقت نفسه،الخطوط العريضة الأولى للطريق التي يمكن من خلالها تجاوز الموضوعات محل الخلاف ويقول: «عاملونا كما نعاملكم، واحترمونا مثلما نحترمكم. ونحوا جانبا تلك المنازعات التي يتباهى ويتشدق بها البعض».
فاسي فهري لديه سبب آخر للاستياء من اسبانيا ويكمن في القرار الذي اتخذه، مؤخرا، قاضي المحكمة الوطنية في اسبانيا بالتاثار غارزون وأعلن من خلاله أنه مؤهل للتحقيق في عملية إبادة مفترضة راح ضحيتها 500 مواطن صحراوي، ونفذها 13 مغربيا، يبرز من بينهم الجنرال حسني بن سليمان، الذي يقود قوات حرس الحدود وعددا من رجال الشرطة.
ولقد تصادف نشر قرار القاضي غارزون هذا مع وصول أمير وأميرة أستورياس إلى مدينة مراكش، حيث افتتحا المقر الجديد لمعهد سيرفانتيس الثقافي في المدينة المذكورة. وهذا ما يدعو الوزير فاسي فهري إلى الاستنكار والقول: «هذه المصادفة عنت محاولة إعطاء تلك الاتهامات صدى أكبر في وسائل الإعلام».
«نحن نستغرب أن يتم الإعلان عن هذه المبادرة- مبادرة القاضي الاسباني ـ في حين تحظى خطتنا القائمة على الحكم الذاتي بترحيب جيد في الأمم المتحدة»، على حد تعبير المسؤول المغربي، الذي يضيف موضحا أنه «منذ زمن بعيد كنا قد لفتنا انتباه السلطات الاسبانية حول خطر استخدام القضاء الاسباني (من جانب جبهة البوليساريو، التي يتحاشى الوزير ذكرها) لأهداف سياسية».
«لا يوجد منظمة واحدة أو مؤسسة واحدة لحقوق الإنسان قد وجهت قط اتهاما بالإبادة الجماعية ضد مغاربة»، هكذا يختتم مسؤول الدبلوماسية المغربية هذا الحوار مؤكداً موقف بلاده من هذه القضية ليقول: «المدعون سلموا القاضي قائمة مبدئية بأسماء المتهمين المفترضين بارتكاب عمليات قتل جماعية، والذين كان عمر بعضهم 12 عاما فقط عندما وقعت الأعمال التي يلامون عليها. وبذلك يكون كل شيء مجرد أقوال لا قيمة لها».
عن «الباييس»
