أجرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية هذا الحوار مع ياسو فوكودا رئيس الوزراء الياباني في ضوء التطورات المتسارعة مؤخراً على الساحة الداخلية اليابانية وعلى صعيد العلاقات بين طوكيو وعدد من عواصم العالم .
حيث ألقى الضوء على توقعاته لتطورات الحياة السياسية الداخلية في اليابان وموقف بلاده الراهن من كوريا الشمالية وعلاقات طوكيو بالولايات المتحدة. وما أشار إليه عدد من منتقدي السياسات اليابانية بقولهم إن اليابان تمضي قدماً مع سياسات أميركا سواءً أكانت صحيحة أم تكللها الأخطاء. وفيما يلي نص الحوار:
ـ لم يتردد بعض المراقبين السياسيين مؤخراً في الإعراب عن اعتقادهم بأن الحياة السياسية اليابانية عادت إلى أيامها القديمة وأن اليابان اليوم تبدو بلداً لا سبيل إلى حكمه فما هو تعقيبك على هذه الطروحات؟
ـ كما هو معروف فإن هناك أغلبية منقسمة في مجلس البرلمان الياباني ففي المجلس الأدنى من البرلمان سيتمتع الحزب الحاكم بالأغلبية بينما في المجلس الأعلى تتمتع المعارضة بالأغلبية وهو وضع لم نتوقعه ومن المعتقد أنه سيستمر لبعض الوقت وهذه هي المرة الأولى الذي يحدث فيها هذا في اليابان ما بعد الحرب العالمية الثانية،
لذا فإننا بسبيلنا إلى أن نخوض تجربة لم يسبق لها مثيل وما زلنا نحاول تبين كيف سنمضي قدماً ونعتقد أنه يمكن أن يكون هناك تعاون مع المعارضة بحسب كل حالة وفي نهاية المطاف قد يكون هناك ائتلاف من النوع القائم في ألمانيا.
وقد منينا بالإخفاق مرةً في محاولة لتشكيل ائتلاف، ولذا فإنه لبعض الوقت سيكون الخيار الوحيد هو التعاون بين الحكومة والمعارضة على أساس المواقف المختلفة، والحزب الحاكم هو الذي سيعتمد سياسة بعينها عن طريق الحصول على موافقة المعارضة عليها وذلك بطرح اقتراح تشريعي يليه اقتراح آخر وهكذا.
ـ هل تتعاطف مع موقف تشيزو أوزاوا القائل إن اليابان ينبغي أن تلعب دوراً نشطاً في الشؤون الدولية ولكن تحت مظلة الأمم المتحدة وليس تحت مظلة أميركا سواء كانت على خطأ أم صواب؟
- كان أوزاوا رئيس الحزب الياباني الديمقراطي المعارض يتحدث من خلال مفاهيم علاقات اليابان بالأمم المتحدة أو ضرورة التوافق مع قرارات الأمم المتحدة. وهناك نقاش محتدم داخل اليابان حول ذلك الموضوع وليس صحيحاً بالضرورة أن موقفه يحظى بتأييد كبير ثم هناك السؤال المتعلق بكم النشاط الذي يمكن لليابان أن تقوم به في ظل قرارات الأمم المتحدة فاليابان كما هو معروف لديها دستور يدعو للمسالمة.
ثم أياً كانت الأنشطة التي تحظى بمباركة الأمم المتحدة فإنه يبرز السؤال المتعلق بصلتها بالدستور الياباني. وكذلك فإن الانطباع الموجود لدي هو أن أوزاوا يريد القول إن قرارات الأمم المتحدة تعلوا على الدستور الياباني وهناك مسألة ما إذا كانت الترتيبات المختلفة في ظل المعاهدة الأمنية اليابانية والأميركية يمكن تنفيذها بدون مشكلات. وهكذا فإننا لا نستطيع أن نتفق مع ما يقترحه أوزاوا من دون أن نعلم بالتفصيل ما الذي يدور في ذهنه حقاً.
ـ يشير البعض في واشنطن إلى أن الولايات المتحدة تتحرك باتجاه إخراج كوريا الشمالية من قائمة الدول الراعية للإرهاب فهل هذا فعل يمكن أن تتعايش معه اليابان من أجل اتفاقية أوسع نطاقاً مع كوريا الشمالية حول نزع الأسلحة النووية؟
ـ إننا بالتأكيد لا نعتقد أن الولايات المتحدة منخرطة في مناقشات حول نزع الأسلحة النووية مع كوريا الشمالية بطريقة متراخية فمن المؤكد أن الأسلحة النووية الكورية الشمالية تشكل تهديداً كبيراً لليابان. ونحن نؤيد اتجاه المحادثات الأميركية مع كوريا الشمالية ونعلق آمالاً كباراً على أن هذه المحادثات سيتم استكمالها بطريقة شاملة بقدر الإمكان.
ـ وفيما يتعلق بقضية الاختطاف، ألن تعترض اليابان وتقول: «لا» هذا يجب أن يتوقف. ونحن لا يروق لنا هذا. «ألم تتراجعوا من أجل السماح للعملية بالمضي قدماً رغم أن قضية المختطفين لم تسو بالكامل؟»
ـ سيكون مرغوباً فيه بالطبع رؤية البرنامج النووي الكوري وقد تمت إزالته ونحن نعلق أهمية كبيرة على إزالة تهديدات الصواريخ الكورية الشمالية وقضية الاختطاف ينبغي أن تسوى ونحن نعتقد أن اليابان بحاجة إلى التفاوض مع كوريا الشمالية لحسم هذه القضايا معاً بشكل أو بآخر.
ـ عودة إلى السياسات الداخلية اليابانية. قمت بدور كبير في سنوات كويزومي. ما الذي تعتقد أنه قد تغير بصورة أساسية وما الذي تأسف عليه وما الذي تغير إلى الأسوأ. لقد أتيت في خطابات كثيرة على بعض التأثيرات السيئة فما هي طبيعة هذه التأثيرات وكيف يمكن معالجتها؟
ـ إن ما يوصف بأنه إصلاح كويزومي إنما يدور حول تغيير الطرق التقليدية في إنجاز الأمور في اليابان. وأعتقد أن ذلك في حد ذاته أمراً جيداً. وقد سمعنا مصطلحات لافتة من قبيل «الحكومة إلى القطاع الخاص» و«من المركز إلى الأقاليم» وهذه العبارات كانت جيدة كذلك أما من حيث المحتوى فإن هذا الاتجاه لم يكن صحيحاً ولكني أعتقد أنه في بعض الأوقات كان مستعجلاً أكثر مما ينبغي وأن ذلك قد سبب بعض التأثير السلبي.
وقد عرفت اليابان تغييرات كبيرة في السنوات الأخيرة. فعدد السكان يتراجع. وكما هو معروف فإنه على امتداد ستين عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واصل عدد سكان اليابان الزيادة عاماً إثر آخر. ولكن هذا الاتجاه انقلب إلى نقيضه منذ عامين تقريباً.
وكبار السن يزيد عددهم بصورة كبيرة وسوف تشهد اليابان تراجع عدد السكان العاملين. وللتعامل مع هذه التغييرات هناك أمور عديدة يتعين القيام بها وإصلاحات كويزومي تم القيام بها مع أخذ هذه النقاط بعين الاعتبار.
ونحن نواجه تغيراً كبيراً فيما يتعلق بالبيئة وقضية الطاقة ونحتاج إلى تغيير أنفسنا للتغلب على هذه التحديات فنحن نعيش في أوقات تقتضي مثل هذه التغييرات الكبرى والإصلاح يتعين المضي به قدماً وربما تمس الحاجة إلى إصلاح أوسع نطاقاً بكثير.
ـ أي نوع من الإصلاح؟ هذه كلمة غامضة إلى حد بعيد ما الذي يدور في ذهنك على وجه التحديد؟
ـ إذا تطلعت إلى اليابانيين فستجد أن عدد العاملين يتقلص كما سبق لي القول الأمر الذي يعني أننا بحاجة إلى تحريك النساء وكبار السن للانخراط في الشريحة العاملة من السكان. ومع تقلص قوة العمل فإن الطلب المحلي قد يتقلص كذلك، الأمر الذي يعني أن حجم الاقتصاد يحتمل أن ينكمش كذلك.
ومن ناحية أخرى فإننا يثقل على كاهلنا دين عام هائل لا بد لنا من سداده. وإذا واصل الاقتصاد انكماشه فلن يكون من اليسير سداد هذا الدين، ولذا فإننا بحاجة إلى توسيع نطاق الاقتصاد ونحتاج إلى الحفاظ على الهدف المتمثل في تحسين مستوى معيشة الناس أمام أعيننا. وإذا تغلبنا على هذا فإن الطريقة الوحيدة لذلك هي توثيق صلاتنا بدول العالم.
الأمر الذي يعني أننا بحاجة إلى النضال من أجل تدويل الاقتصاد الياباني. وذلك يعني بصورة جوهرية تشجيع الاستثمار في اليابان وتشجيع الاستثمار انطلاقاً من اليابان وإذا أردنا تشجيع الاستثمار في اليابان إلى جانب رأس المال القادم إلى البحار فإننا بحاجة إلى السوق الياباني سوقاً مفتوحاً وهناك الكثير من العقبات تقف أمام تحقيق ذلك وعلينا أن نعمل من أجل إزاحة هذه العقبات.
ـ بعض الأشياء التي قد ترغب في القيام بها لتهدئة جموع الناخبين الغاضبين في انتخابات المجلس الأعلى للبرلمان قد تقتضي المزيد من المال. وذلك يطرح قضية زيادة ضريبة الاستهلاك التي نحيت جانباً في الوقت الراهن ولكن في ضوء الحقيقة القائلة إن المعارضة تبدو أضعف مما كانت عليه قبل أسابيع قلائل. فهل هذا شيء قد ترغب في تسريعه؟
ـ يشعر الشعب الياباني ويتفهم الحاجة إلى زيادة معدل ضريبة الاستهلاك. وهو في الوقت نفسه ليس سعيداً بالإنفاق الذي يتضمن تبديداً من جانب الحكومة وليس سعيداً بالعقود التي يجري التفاوض عليها بدلاً من اتباع أسلوب المناقصات المفتوحة. ولو أننا طرحنا قضية ضريبة الاستهلاك في هذه اللحظة فإنني على يقين بأن الشعب الياباني يستبد به الغضب.
وما يتعين القيام به هو أن نبذل قصارى جهدنا لخفض الإنفاق الحكومي وأن نكافح لتوفير المناخ الذي يشعر فيه الشعب بأن بمقدوره السماح للحكومة برفع ضريبة الإستهلاك. والشيء الآخر هو أننا باعتبارنا مجتمعاً يوغل في شيخوخته فإن النفقات الضرورية للضمان الاجتماعي ستواصل الزيادة.
ويتعين علينا أن نحسب كم ستكون التكلفة الإضافية ضرورية في المستقبل. والشعب الياباني عليه أن يناقش كم من الضمان الاجتماعي سيحتاج الفرد في المستقبل والحكومة يتعين أن تشير للناس إلى الخيارات المطروحة.
عن «فاينانشيال تايمز»
