أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أن الأشهر القليلة المقبلة قد تكون الفرصة الأخيرة لتسوية القضية الفلسطينية. وفي حوار أجرته معه مجلة «دير شبيغل» الألمانية مؤخرا، قال إن الوضع في العراق يتحسن بشكل تدريجي وإن خطورته تقل كثيرا عن خطورة الموقف في فلسطين ولبنان. وأكد مواصلة بلاده للإصلاحات الاقتصادية التي بدأها منذ سنوات، ونوه بتركيز الأردن الشديد على قطاع التعليم. وفيما يلي نص الحوار.
ـ بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في الأردن، ما هي السلطات التنفيذية التي يمكن أن يتمتع بها البرلمان الجديد؟ ـ نحن نأمل أن يوجد البرلمان الجديد بيئة سياسية جديدة. فنحن بحاجة إلى عدد أقل من الأحزاب التي تضم طائفة أوسع من البشر؛ والعدد المثالي من وجهة نظري هو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أحزاب تمثل جناحي اليمين واليسار بالإضافة إلى جناح الوسط. ـ الديمقراطية دائما ما تكون محفوفة بالمخاطر المتمثلة في إمكانية أن يفوز بالانتخابات أطراف هي نفسها معادية للديمقراطية. فما هو الدرس الذي يمكن تعلمه من فوز حماس بالانتخابات الفلسطينية؟ وهل الاستقرار أهم من الديمقراطية من وجهة نظركم؟
ـ أتصور أن نجاح الديمقراطية يعني وجود طبقة وسطى أكبر. فكلما قويت شوكة الطبقة الوسطى في أي شعب، يقل الشعور بالقلق من أن تأتي مجموعة ما بشكل فجائي لتستغل العملية الديمقراطية من أجل تحقيق مآرب خاصة. فإصلاحاتنا الاجتماعية والاقتصادية تهدف إلى تقوية وتنمية الطبقة الوسطى.
ـ ما هو وضع الطبقة الوسطى في الأردن؟
ـ تعاني بسبب الوضع العام في منطقة الشرق الأوسط والسعر الحالي للنفط. فهذا أمر يجب أن نتعامل معه بجدية ويتعين على البرلمان أن يتعامل مع هذه القضية خلال السنوات الأربع المقبلة. يجب على أعضاء البرلمان العمل على تحسين خدمات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي. وهذا هو الأمر الأكثر أهمية. أتصور أن مستقبل الشرق الأوسط مرتبط بوجود طبقة وسطى قوية مسؤولة. وعلينا أن نعترف أن مثل هذه الطبقة غير موجودة حاليا في المنطقة.
ـ كيف تسير عملية الإصلاح الاقتصادي في الأردن؟ وإلى أي مدى تأمل في جذب المستثمرين إلى بلادك؟
ـ إن الاقتصاد الأردني يتحسن بشكل مذهل منذ عام 1999. ونحن بحاجة إلى استغلال هذا النمو الاقتصادي في مكافحة البطالة والفقر والارتقاء بالخدمات التعليمية بشكل أفضل مما يحدث حاليا؛ فنحن نريد أن نستثمر كل دينار زائد عن حاجتنا في ميدان التعليم. هناك عدد كبير من الأردنيين يعملون في دول الخليج العربي ونحن نريد أن نعيد هؤلاء ليجدوا وظائف في وطنهم.
ولهذا السبب ذهبت إلى ألمانيا مؤخرا من أجل طلب مزيد من الاستثمارات الألمانية. نحن نريد استثمارات كبرى في مجال البنية التحتية بما في ذلك استثمارات في الطاقة البديلة و إمدادات المياه. الأردن قد يكون بلداً صغيرا ولكننا في الوقت نفسه نعد بوابة للعالم العربي.
ـ مصر والأردن هما الدولتان الوحيدتان اللتان وقعتا اتفاقية سلام مع إسرائيل. فهل أتت هذه الاتفاقية أكلها على المستوى الاقتصادي؟
ـ إن السلام مع إسرائيل يعد ضرورة إستراتيجية للأردن. أما فيما يتعلق بتأثير هذه الاتفاقية على الوضع الاقتصادي فإن توقعاتنا الأولية منها لم تتحقق بعد. غير أنني مقتنع بأن العلاقات التجارية سوف تؤتي ثمارها بمجرد أن يكون هناك اتفاق سلام في المنطقة.
ـ خلال السنوات الثلاثين الماضية زاد سكان الأردن بمقدار الضعف ولا تزال الزيادة مستمرة بمعدل سريع وذلك بسبب التوافد المستمر للاجئين؟.
ـ هذا هو قدرنا ويتعين علينا التعايش معه. المشكلة الرئيسية لدينا هي قضية المياه. فاحتياطاتنا من المياه ستنفد قريبا ويتعين علينا العمل على حل هذه المشكلة. نحن نخطط لإقامة مشروعات كبرى. وأتصور أن هناك دورا للشركات الألمانية معنا في هذا الصدد. أنا هنا أتحدث عن احتياطي المياه الجوفية في خليج العقبة و مشروع القناة المقترحة بين البحرين الأحمر والميت بالإضافة إلى مشروعات تحلية المياه.
ـ هناك نحو 750 ألف لاجئ عراقي موجودون حاليا في الأردن. ماذا سيحدث لهم؟
ـ الأغلبية العظمى من هؤلاء يريدون العودة إلى العراق. ونحن في الأردن لدينا حساسية خاصة تجاه هذه المسألة ببساطة بسبب تاريخنا...
ـ لأنكم في السنوات التي تلت حرب 1948 استوعبتم الملايين من الفلسطينيين الذين يشكل نسلهم الآن القوام الأساسي للشعب الأردني؟.
ـ نحن لا نريد أن نكون ملاذا للاجئين. وفي الوقت نفسه لدينا التزام إنساني يمنعنا من إغلاق أبوابنا أمام اللاجئين الذين يحتاجوننا. من الصعوبة بمكان أن نجد حلا وسطا بين هذين الأمرين.
ـ ما هو منظورك للوضع العراقي حاليا؟ هل مرت المرحلة الأسوأ؟
ـ هناك أيام جيدة وأخرى سيئة. الأمر سيستغرق وقتا. سيظل العراق معتمدا على المجتمع الدولي لسنوات مقبلة. ولكن إذا نظرت إلى القضايا الثلاث المتفجرة في الشرق الأوسط وهي القضية الفلسطينية والوضع اللبناني والعراق، فإنني أميل إلى وضع العراق في المرتبة الثالثة من حيث الخطورة. فالموقف على المسار الفلسطيني الإسرائيلي يوجد مشكلات أكثر بكثير من الوضع العراقي ويليه في الخطورة ما يحدث في لبنان.
ـ إن مأساة اللاجئين الفلسطينيين هي أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة السياسية في الشرق الأوسط. فهل اللاجئون القادمون من العراق يتسببون في أزمات مشابهة؟
ـ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مختلف في كونه يؤثر في شعبين مختلفين. أما في العراق فإن كل المتورطين في الصراع هم في النهاية عراقيون سواء أكانوا سنة أم شيعة أم أكرادا أم عربا. إن العراق دولة موجودة ولها مؤسساتها ومعظم العراقيين يريدون أن تظل بلدهم موحدة.
ـ تبدو أكثر تفاؤلا مما كنت عليه منذ عام واحد من الآن؟.
ـ مرة أخرى أقول إنني أرى أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يمثل مشكلة أكثر خطورة من غيره. وإذا لم نقم بتحقيق تقدم حاسم في الأشهر الستة أو السبعة المقبلة، فإننا لن نستطيع تحقيق أي تقدم على الأقل خلال السنوات الأربع أو الخمس المقبلة. نحن بحاجة إلى مشاركة أميركية فعالة لحل هذه القضية. وسواء رضينا أم لم نرض فإن أي رئيس أميركي مقبل لن يكون في وضع يسمح له بتقديم أي شيء للقضية الفلسطينية قبل مرور عامين على وجوده في البيت الأبيض. ومن هنا، فإن علينا استغلال الأشهر المقبلة باعتبارها آخر فرصة لحل القضية الفلسطينية.
ـ منذ فترة يدور حديث حول رغبة كثير من الدول العربية في إنشاء برنامج نووي. لماذا ظهر هذا الحديث عن البرامج النووية بشكل فجائي؟
ـ انظر إلى سعر النفط حاليا. هناك دول مثل الأردن في محادثات مع الغرب منذ ثلاثة أعوام حول استخدام الطاقة النووية. إن سعر النفط يمثل عائقا أساسيا أمام النمو الاقتصادي في الأردن ومن ثم فإنني أتصور أننا بحاجة إلى التحرك بشكل سريع في هذا الصدد. وفي الوقت نفسه آمل ألا تحاول أي دولة في الشرق الأوسط استغلال الطاقة النووية إلا في أغراض سلمية.
ترجمة: حاتم حسين - عن «دير شبيغل»

