( الأمم المتحدة لم تنشأ كي نصل إلى السماء، وإنما كي ننقذ أنفسنا من الجحيم)، من المناسب تذكر هذه الكلمات التي قالها داج همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة بين 1951 و1961 بغية قياس مسؤولية الأمم المتحدة بمجملها ومسؤولية كل عضو فيها على وجه الخصوص حيال هيئتها الوحيدة المخولة باتخاذ قرارات ذات طابع إلزامي والمتمثلة في مجلس الأمن الدولي.

في أكتوبر الحالي، تجدد الجمعية العامة للأمم المتحدة عضوية مجلس الأمن الدولي. والبلد الوحيد المرشح عن أميركا اللاتينية هو المكسيك. أي أن انتخاب بلدنا مضمون. بيد أن هناك أصواتاً مكسيكية تعارض الترشيح المكسيكي انطلاقا من خوف أساسي يتمثل في أن صوت المكسيك يمكن أن يضعنا في معارضة الولايات المتحدة. لكن اعتبارا مماثلا لهذا الاعتبار لم يحل دون أن تكون الأرجنتين عضوا في المجلس لثماني مرات أو البرازيل لتسع مرات ومرة أخرى منتظرة في عام 2009. صحيح أن الترشيح البرازيلي يرتبط بنية واضحة في ممارسة نوع من ( الزعامة) الأميركية اللاتينية ، المرتبطة بدورها بعملية إصلاح محتملة للعضوية الدائمة الهدف منها ضم الهند واليابان وألمانيا وجنوب أفريقيا وبالطبع البرازيل نفسها.

المشاركة المكسيكية لا دخل لها بهذا المطلب، لكن طابعها المحدود والمقتصر على عامين فقط في المجلس يعزز استقلالية معينة تسمح بالمساهمة بأجندة عالم لم يعد عالم المشاركات المكسيكية السابقة في المجلس: في مستهل عمل الأمم المتحدة ( 1946) وفي 1980- 1981 وفي 2002- 2003. ففي هذا التاريخ الأخير، كان على المكسيك تبني موقف ينسجم مع القانون الدولي ومع المصالح الوطنية، رافضة مساندة تدخل الولايات المتحدة العسكري في العراق.

ولقد صوت ضد الحرب، إلى جانب المكسيك، عضوان دائمان في المجلس، هما ألمانيا وفرنسا وعضو آخر من أميركا اللاتينية هو تشيلي. وفي النقاش حول تصويت تشيلي،أجاب الرئيس ريكاردو لاغوس آنذاك أنه اتخذ القرارات التي تستجيب للمصالح التشيلية. وعلى ضوء ذلك تصرف مندوب المكسيك أدولفو أغيلار زينسر ومندوب تشيلي خوان غابرييل فالديس.

ونحن نتذكر أن عملية التصويت حول العراق جرت في لحظة صعود إمبريالي لرئاسة جورج دبليو بوش، عندما تجرأ هذا الأخير على التصريح بأن الولايات المتحدة هي ( النموذج الوحيد للتقدم الإنساني)، الأمر الذي سمح للبيت الأبيض بالتصرف على هواه باسم الإنسانية وكوندوليزا رايس قدمت النصيحة التالية وهذه اللازمة : ( انسوا مصالح مجتمع دولي خادع).

في يومنا هذا، تعد رئاسة بوش الساعات قبل أن تنقرض ووزيرة الخارجية رايس تقوم الآن، في ربع الساعة الأخير، بفعل ما كان يتوجب عليها فعله آنذاك: إعطاء الأولوية للبحث عن السلام في الشرق الأوسط ، الخطوة المبدئية التي كان الرئيس السابق بيل كلينتون يقترحها، والتي قام الماكر بول وولفويتز برفضها بكل طيبة خاطر لصالح غزو العراق( لأسباب بيروقراطية).

إذا كنت أستحضر هذه السلسلة من الأخطاء وحالات الخداع ، فإني لا أفعل ذلك من أجل الاحتفاء بها، وإنما من أجل فهم أن لحظة الصعود الامبريالي قد ولت أو أنها تضرب الأرض برجليها على أقل تقدير ، وأنه بدأ يظهر في مكانها مجموعة نجوم دولية ذات طبيعة تعددية: الصين، الهند، روسيا، البرازيل، وبالطبع أوروبا..

هذه التعددية الجديدة، إلى جانب أفول (رئاسة بوش الامبريالية) الفاشلة، تقدم لمجتمع الأمم فرصة فريدة لإنشاء أو إعادة إنشاء أو توطيد المنظومة القانونية للدول ذات السيادة المترابطة فيما بينها من خلال مجموعة من الحقوق والواجبات التي بوسعها أن توجه المصالح القومية والإقليمية. كما يمكن تدارك الصراعات والخلافات، في حين تستطيع الأمم المتحدة لا بل يتوجب عليها أيضا إصلاح نفسها في القرن الحادي والعشرين.

بعيدا عن نقاشي حول ضرورة استغلال ضعف قوة الولايات المتحدة من قبل المكسيك الضعيفة نسبياً، لا بد لنا من التذكير بأن المكسيك ليست هي التي أوجدت الوضع العالمي القائم حاليا، وهي ستستمر في إقامة علاقة ثنائية صعبة مع الولايات المتحدة. لكن من مصلحة المكسيك المساهمة بنظام عالمي خال من الهيمنة.

فهذا هو العالم الذي يناسبنا ويعزز موقعنا داخليا وعلى الساحة الدولية. وهو الذي يسمح لنا كذلك بمد اليد إلى أميركا بقيادة بوش وذلك بأن نظهر لها بأن القانون يعمل لصالح الضعفاء والأقوياء على حد سواء ، وذلك تماما كما فهم المسألة في حينها كل من فرانلكين روزفلت وهاري ترومان. فهذا ما قاله ترومان في عام 1945: ( نعترف بأن قوتنا لا تسمح لنا بعمل ما يحلو لنا). وقاله كلينتون في عام 1999 :(إنه لمن الخداع الاعتقاد بأننا نستطيع أن ندعي لأنفسنا ما ننكره على الآخرين).

أود القول إن السلوك المكسيكي الحالي في مجلس الأمن قد لا يقدر بثمن بالنسبة للحكومة التي ستخلف حكومة بوش ، لأن هذا السلوك يقيم في إطار السلوك المستقل و تقديم النصح والحرص واستعادة القيم الكبرى للديمقراطية الأميركية المبددة على يد بوش والقابلة للاستعادة، بالمناسبة، على يد خليفته. ولذلك، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى أصدقاء وليس عملاء.

يواجه الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون هينوهوسا مهمة استعادة التقليد الأممي المكسيكي وتوطيده في الأمم المتحدة، ذلك التقليد الذي يبدأ من لويس باديا نيفيرو إلى بيرناندو سيبولفيدا مرورا بألفونسو غارسيا روبليس وخورخي كاستانييدا الأب،وذلك من بين آخرين. وهذه المسألة ليست مسألة حزبية ، وإنما مسألة تتعلق بالمصلحة الوطنية المكسيكية بالأمس واليوم، ومن واجب الرئيس كالديرون الاهتمام بها، وذلك ما تنص عليه المادة 89 من الدستور السياسي للولايات المتحدة المكسيكية.

عن (الباييس)