تعيش منطقة التماس بين دول المغرب العربي وجوارها من الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، حالة توتر واضطراب منذ قرابة عقدين من الزمن بسبب الأوضاع السيئة التي يعيشها سكان هذه المناطق من «الطوارق» والصدامات المتكررة بين حركات التمرد والثوران «الطارقية» والقوات الحكومية في كل من جمهوريتي مالي والنيجر بشكل خاص.
ورغم تعدد الاتفاقات الموقعة بين أطراف الصراع خلال السنوات الماضية، إلا أن عدم التزام الحكومتين المعنيتين بتطبيق ما تم الاتفاق عليه من ناحية وتنوع حركات التمرد وعدم اتفاقها على رؤية موحدة لحل النزاع من ناحية ثانية، كل ذلك جعل هذا الصراع يطول أمده ويتعمق، إضافة إلى العوامل الخارجية التي تزيد اتساع الهوة وتعزز أسباب المنافسة للحصول على أوراق إضافية تدعم هذا الطرف أو ذاك.
ولعل من أبرز تلك العوامل التنافس الغربي (بين أميركا وفرنسا خاصة) والتواجد العسكري الأميركي في المنطقة، والذي تعزز بشكل أكبر وأكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة في إطار ما يسمى «الحرب على الإرهاب»،
حيث تعمل الولايات المتحدة بالتعاون مع حكومات المنطقة على إيجاد مواقع ثابتة لها هناك، وربما إقامة قواعد عسكرية دائمة. ويجري الحديث في هذا النطاق عن إمكانية أن يكون مقرّ القيادة العسكرية الأميركية لإفريقيا (أفريكوم) المشكلة حديثا في إحدى هذه الدول أو غيرها من الدول الإفريقية الأخرى القريبة منها.
وتشرف الولايات المتحدة على تدريب القوات المسلحة الحكومية لبعض دول الساحل والصحراء، كما أنها أجرت بين أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر الماضيين مناورات «فلينتوك 2007» العسكرية بمشاركة 14 دولة من دول المنطقة.
النطاق الجغرافي
ينتشر الطوارق عبر مساحة واسعة على تخوم الصحراء الإفريقية الكبرى، تضم كافة دول المغرب العربي الخمس وأربع دول افريقية أخرى هي مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، إلا أن الغالبية منهم تتمركز أساسا في جمهوريتي مالي والنيجر وفي الجزائر وليبيا.
وعلى امتداد تاريخهم الطويل، كانت البداوة وحياة الرعي والترحال بحثا عن مواطن الكلأ، هي السمات الغالبة على مجتمع الطوارق، دون أن تحدهم حدود سياسية أو جغرافية في هذا النطاق الجغرافي الممتد من أعماق الصحراء إلى حدود نهر النيجر وبحيرة تشاد.
ولم يغير الاستعمار الفرنسي كثيرا من عادات الطوارق وحياتهم الاجتماعية ونمط عيشهم، حيث لم يستطع إخضاعهم لسيطرته الكاملة طوال ستين عاما منذ مطلع القرن العشرين. غير أن ما عجز الاستعمار عن تغييره طوال ستة عقود استطاع عاملان، سياسي وطبيعي، أن يغيراه في اقل من ربع هذه المدة.
فمع قيام الدول المستقلة في المنطقة، وجد الطوارق أنفسهم موزعين بين بلدان متعددة لكل منها نظامها الخاص وحدودها الجغرافية التي تمنع، نظريا على الأقل، اختراقها وتجاوزها إلا بضوابط وشروط سياسية وأمنية، لا اعتبار فيها لعوامل التواصل الإنساني والوحدة الاجتماعية بين أبناء شعب واحد مزقت السياسة أوصاله ولم تكن الجغرافيا أكثر إنصافا أو أحسن حالا بالنسبة إليه.
وفي أوائل السبعينات الماضية جاء العامل الطبيعي المتمثل في الجفاف الذي عم المنطقة ليضع عبئا إضافيا على الطوارق وعلى نسيجهم الاجتماعي وطبيعة حياتهم التي ألفوها طوال قرون وقرون.
وهكذا بدأ الطوارق في مختلف مناطق تواجدهم يبحثون عن مناطق أخرى في محيطهم الجغرافي اقل وطأة وقسوة على ما تبقى من قطعان إبلهم ومواشيهم التي قضى الجفاف على معظمها، وعن وسائل عيش جديدة لم يكن الكثيرون منهم قد اعتادوها من قبل، مما دفعهم نحو المدن والحواضر الأقرب إليهم، وأحيانا إلى اجتياز الحدود بين الدول، والاحتكاك مع المجموعات العرقية الأخرى في دولهم أو في الدول المجاورة لها ومع سلطات هذه الدول أيضا.
وقابلت حكومات الدول المعنية الطوارق المحليين والنازحين بكثير من الخشونة والقمع، مع محدودية إمكانيات هذه الدول لمواجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتفاقمة، واضطر الطوارق في كثير من الحالات إلى حمل السلاح ضد حكومات الدول التي ينتمون إليها، لدفع الظلم والقهر أحيانا ولنيل بعض الحقوق المسلوبة أحيانا أخرى.
صراع متجدد
مثل الاتفاق الذي وقع في شهر يوليو 2006 بين حكومة مالي والثوار الطوارق برعاية جزائرية، بارقة أمل بإنهاء هذا النزاع الممتد بوتائر متصاعدة منذ خروج الاستعمار الفرنسي المباشر من مالي عام 1960، إلا أن الصراع سرعان ما تجدد على الجبهتين المالية والنيجرية،
بسبب عدم احترام الدولتين لتعهداتهما في الاتفاقات الموقعة كما يقول الطوارق، بينما ترد الدولتان على هذه الاتهامات بأن ثوار الطوارق «إرهابيون وقطاع طرق ومهربون تابعون لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي» حسب ادعاءات السلطات المعنية في البلدين.
وقد وجهت مالي «نداء استغاثة» إلى المجتمع الدولي باعتبارها «ضحية تمرد إرهابي»، وجاء التدخل الأميركي استجابة لهذا «النداء» ليصب مزيداً من الزيت على النار المشتعلة، مما اغضب ثوار الطوارق ودفعهم لإطلاق النار على طائرة شحن عسكرية أميركية كانت تقوم بإنزال إمدادات لفرقة من الجيش المالي يحاصرها مسلحون طوارق من جماعة إبراهيم آغ باهانغا في شمال البلاد قرب الحدود الجزائرية.
وتعتبر مجموعة باهانغا حاليا أنشط المجموعات المسلحة من ثوار الطوارق الماليين، وقد هاجمت في العشرين من سبتمبر الماضي بلدة تينزواتن المحاذية للحدود الجزائرية على بعد نحو ألفي كيلومتر شمال العاصمة المالية باماكو.
وتحتجز هذه المجموعة أكثر من أربعين من الجنود النظاميين والمدنيين الماليين منذ أغسطس الماضي قبل أن تفرج عن سبعة منهم بمناسبة شهر رمضان وبعد وساطة قام بها وفد من قيادات ووجهاء الطوارق في مالي، إلا أن جهود الوساطة ما زالت متعثرة ولم تحقق الكثير ويبدو تجاوب الحكومة المالية معها محدودا حتى الآن.
وفي تبريره لهذا التمرد الجديد، يؤكد باهانغا أن حركته، المولودة من رحم الحركة الطوارقية السابقة المعروفة باسم «التحالف الديمقراطي من اجل العدالة»، قامت بسبب تباطؤ الحكومة المالية في تنفيذ بنود اتفاق العام الماضي الذي رعته الجزائر،
والمتمثلة أساسا في تنمية مناطق الطوارق ومساواتها مع باقي المناطق الأخرى في البلاد، وفي ترك الحرية للطوارق في إدارة شؤون مناطقهم والحفاظ على خصوصيتهم، كما ينص على ذلك الاتفاق المذكور. ويضيف «إننا لا نسعى ولا نريد إلا السلام طوال الثلاثين عاما التي ثرنا فيها، ونرحب بأي وسيط يساعد على السلام والاستقرار لنا».
الجبهة الثانية
أما في النيجر فإن المتمردين يلتفون حول نواة من الجنود الطوارق كانوا قد انضموا إلى الجيش النظامي بموجب اتفاق موقع بين الجانبين عام 1995، إلا أنهم يتهمون الحكومة في النيجر بعدم الالتزام ببنود الاتفاق المتضمنة إعطاء الاهتمام لتنمية مناطقهم وإدماج أبنائها في الجيش.
ويتوعد هؤلاء الثوار حكومتهم بتعطيل أعمال الشركات الأجنبية العاملة في مناطقهم الغنية بالمعادن وخاصة اليورانيوم، ما لم تستجب هذه الحكومة لمطالبهم. وتعتبر جمهورية النيجر ثالث أكبر منتج لليورانيوم في العالم، رغم أنها تأتي في ذيل أفقر الدول النامية.
ويرى المخرج الفرنسي فرانسوا بيرجران، الذي سبق أن صور فيلما عن حياة الطوارق في شمال النيجر عام 2005، أن السباق بين الشركات الأجنبية على اليورانيوم في هذا البلد «يهدد بدو الصحراء»، مضيفا أن «الصينيين والفرنسيين والأميركان والشركات الكبرى، جميعهم باتوا هنا» حيث إصدار رخص التنقيب على أشده.
وتتهم سلطات النيجر شركة «أريفا» الفرنسية بتمويل المتمردين الطوارق في الشمال، وعلى اثر هذا الاتهام سحبت في أغسطس الماضي «حق احتكار» التنقيب عن اليورانيوم واستثماره الذي كانت تحظى به هذه الشركة منذ أربعين عاما.
ورغم نفي الثوار في الجانبين المالي والنيجري لوجود تنسيق مشترك بينهم لتحريك الأوضاع وتسخينها في البلدين، إلا أن المراقبين يتوقفون أمام التزامن المتكرر لحركات التمرد في كل من النيجر ومالي خلال العقود الماضية، وهذا ما دفع البعض للدعوة إلى جمع الثوار في البلدين مع حكومتيهما على طاولة واحدة، وتدويل قضية الطوارق ما دامت دول المحيط الإقليمي عاجزة عن حلها.
الغياب العربي
مع تزايد التنافس بين القوى الأجنبية في المنطقة واتساع نطاق الصراع وطول أمده دون إيجاد حلول جدية وجذرية تعيد للطوارق حقوقهم الطبيعية في حياة حرة كريمة وآمنة وتمنح الاستقرار للمنطقة وشعوبها، بالإضافة إلى غياب دور عربي فاعل ومؤثر يساهم في حل هذا الصراع،
بل واتهام بعض الدول العربية بأنها كانت على الدوام ضد الطوارق ومطالبهم المشروعة، بدأت تبرز أفكار واتجاهات لدى بعض عناصر الطوارق تدعو لتجاهل البعد العربي وعدم الأخذ بعين الاعتبار مصالح العرب الذين وقفوا ضدهم طوال العقود الماضية، مؤكدين أن الحكومات العربية «ارتكبت أخطاء فادحة في سياساتها حيال الطوارق»، رغم الاعتراف بأن الكثير من الطوارق «يعتبرون أنفسهم عربا أو من أصل عربي».
لكن مواقف الحكومات العربية المؤيدة لمالي أو النيجر، في رأي هؤلاء، «قد تدفع الطوارق للبحث عن حلفاء آخرين في الغرب، كحلف شمال الأطلسي واللوبي الإسرائيلي، والتحالف مع قوميات أخرى تتعرض لذات الوضعية ويهملها العرب مثل الأكراد...»!!
ويرى هذا التوجه الأكثر تطرفا بين الحركات الطوارقية، أن واشنطن مهتمة بان يكون الطوارق حلفاء لها في شمال مالي مثل حلفها مع الأكراد، وان «شهر عسل الأميركيين مع رئيس مالي لن يدوم طويلا».
ويقولون إن الإدارة الأميركية الحالية تسعى لإدماج الطوارق في مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، وان يكونوا مساندين لعملية السلام بين العرب وإسرائيل ويدعموا العلاقة الموريتانية الإسرائيلية ويجعلوا منها نموذجا لعلاقتهم مستقبلا، كي يكسبوا دعما لقضيتهم.
وقد بدأت منذ مدة محاولات تستهدف إنشاء «تحالف بين الأمازيغ واليهود» من مؤشراتها «جمعية الصداقة بين الأمازيغ في إسرائيل والأمازيغ في المغرب»، ويعتبر بعض العناصر الطارقية أن من شأن ذلك الترويج لقضية الطوارق داخل أميركا عبر هذا الحلف.
كما أن يهود شمال إفريقيا الموجودين في إسرائيل يروجون لما يحدث للطوارق على انه «معاداة للسامية»، وقد زارت المنطقة بعثات يهودية تضم يهودا كانوا يعيشون هناك قبل قيام إسرائيل، ويقولون إن قبائل ما زالت تقيم في المنطقة، مثل «دوسهه» و«اشهضنهارن»، هم من أصول يهودية وان ما تعرضوا له مماثل لمحارق النازية.
.. وماذا بعد؟
في ظل هذه الأبعاد والمخاطر المتزايدة التي تهدد مصير الطوارق كما تهدد مصالح الدول التي ينتمون إليها وكامل محيطها الجغرافي، يبقى أفق الحل قاتما في غياب جهد عربي إفريقي مشترك لإيجاد حلول ملائمة تضمن للطوارق حقوقهم ومصالحهم الوطنية في بلدانهم من ناحية، وتوقف، من ناحية ثانية، الاستنزاف المستمر لقدرات وإمكانيات هذه الدول المحدودة أصلا، بل والمعدومة في جوانب عديدة.
وهنا أستسمح القراء في أن استعيد بضعة أسطر من مقال سبق أن كتبته قبل خمسة عشر عاما (صحيفة «الخليج» ـ 21/ 10/ 1992) حول قضية الطوارق ومحنتهم، ويبدو أن المخاوف ودواعي القلق التي كانت قائمة آنذاك قد ازدادت وتعمقت،
بدلا من أن تجد هذه المشكلة من يعطيها من الاهتمام ما كان منتظرا أو مرجوا، لنزع فتيلها وحلها بشكل مُرضٍ كان يبدو في متناول اليد أو قريب المنال في تلك المرحلة، لو وجدت الإرادة الواعية والفاعلة لتحقيق ذلك!
فقد ورد في ذلك المقال أن «الاضطرابات والوضعية الهشة في منطقة لم تعرف الثراء في شيء أكثر مما عرفته في أسباب الخلاف وعوامل النزاع، تنذر بوضع دول المغرب العربي وشمال إفريقيا، وليس الطوارق وحدهم، في مهب عاصفة من الصراع العرقي يصعب التنبؤ بمداها، كما أنها تضفي ظلالاً من القلق والتوتر على العلاقات العربية الإفريقية بشكل عام».
وذهب المقال حينها إلى انه «لتفادي هذه المخاطر يتحتم على الدول العربية والإفريقية المعنية، في ما بينها وفي الإطار العربي الإفريقي الأشمل، أن تعمل على إيجاد حل سريع وجذري لهذه القضية قبل أن تتحول إلى «حالة كردية» جديدة تؤرق المنطقة وتعصف بمغرب الوطن العربي كما عصفت الحالة الأولى بمشرقه...».
فما أشبه الليلة بالبارحة، بل ما أجمل الأمس إذا قورن بما نشهده ونعانيه اليوم، وما أصدق المتنبي حين قال: «قد أسمعت لو ناديت حيا، ولكن...»، والبيت معروف والاختيار متروك لمن يرغب في استكماله!
من هم الطوارق؟
استوطنت قبائل الطوارق أو الملثمين منطقة الصحراء الإفريقية منذ مئات السنين، حيث اكتسبوا صفة «سادة الصحراء» لما أثبتوه من قدرة على مواجهة وتحدي ظروفها الجغرافية والمناخية القاسية، وهم في أسلوب عيشهم ونمط حياتهم البدوية أقرب الناس إلى البدو العرب.
ويطلق عليهم في الكتابات الأوروبية «الرجال الزرق» لكثرة استعمالهم القماش الأزرق لباسا. ويفضل الطوارق أن يطلق عليهم اسم «إيماجغن» أو «تماشق»، وهما مرادفان لأمازيغ ومعناها الرجال الأحرار.
ويتحلى الطوارق بالاستقلالية والاعتزاز بأنفسهم، وهم محاربون أشداء وقد اشتهر فرسانهم في الفتوحات الإسلامية، وفي عهد المرابطين خاصة، وكانوا القوة الرئيسية للجهد الإسلامي في معركة الزلاقة بالأندلس، وجميعهم مسلمون مالكيون، لكنهم ليسوا على مستوى واحد من التدين.
وللطوارق لغة حافظوا عليها منذ أزيد من 3500 عام، وتكتب بالحروف (الفينيقية) وتعرف عندهم ب(التيفيناق)، وحروفها ما زالت في الجبال والكهوف والمغارات، شاهدة على وجود الإنسان الأمازيغي بهذه الصحارى منذ القِدم. وحسب بعض المصادر فان اللهجة البربرية التي يتحدثونها هي أصلاً إحدى اللهجات العربية القديمة.
ويذكر بعض الباحثين وجود إشارات لسانية تدل على وجود الشعب الأمازيغي في بلاد كنعان (بين فلسطين وسوريا) في عهد النبي صالح المبعوث إلى قوم ثمود. وتذهب بعض التقديرات إلى أن العدد الإجمالي للطوارق يناهز 5. 3 ملايين، 85% منهم في مالي والنيجر والبقية بين الجزائر وليبيا، ولهم امتدادات وفروع في بوركينافاسو وكذلك في المغرب وموريتانيا.
ويضع الطوارق كلمة (كل) وتعني (بنو أو أهل) للتعريف بفروعهم، وهم عبارة عن كونفدراليات قبلية كبيرة تنقسم جغرافياً إلى مجموعتين رئيسيتين، هما:
ـ طوارق الصحراء في الجنوب الجزائري ومنطقة فزان في ليبيا، وأهم قبائلهم كل هغار وكل آجر في صحراء الجزائر، ثم إيمنغاسن وأوراغن وكل آجر في فزان ومدينة غدامس الليبية عند التقاء الحدود مع كل من تونس والجزائر.
ـ طوارق الساحل ومنهم قبائل كل آيير وكل يلمدن في النيجر، وكل إيترام وكل آدرار وكل تدمكت وكل أنصار (الأنصار) وكل السوق (التجار) وغيرها في جمهورية مالي.
وكل هذه القبائل تشترك في نفس الثقافة، ومعظمهم عند سؤالهم عن أصلهم يقولون إنهم من أصول حِمْيَرية يمنية. وملامحهم عربية جنوبية واضحة، وإن وجد منهم من يميل إلى السمرة الشديدة فبحكم الاختلاط بالعناصر الإفريقية المسلمة في الجنوب كقبائل الهوسا بالنيجر، والماندينغ والفولاني في مالي.
ويقول عنهم ابن خلدون: «الطبقة الآنية من العرب صنهاجة وهم الملثمون القاطنون بالقفار والرمال الصحراوية في المجابات والتنايف والمجاهل هناك منذ دهور قبل الإسلام لا يعرف أولها»، ويضيف أنهم ابتعدوا عن العمران «استئناساً بالانفراد وتوحشاً بالعز عن الغلبة والقهر، فنزلوا من ريف الحبشة جوارا وسكنوا ما بين بلاد البربر وبلاد السودان حجزا، واتخذوا اللثام خطاما تميزا بشعاره بين الأمم..».
سر اللثام
درج المؤرخون والرحالة العرب القدامى على تسمية الطوارق بالملثمين، لمحافظتهم الشديدة على هذه العادة منذ فجر التاريخ، حيث يغلب على الطارقي وضع لثام في الحل والترحال ويلفه بإحكام على وجهه حتى لا يظهر سوى العينين، على عكس النساء اللائي يكن سافرات الوجوه في الغالب. ويشاركهم في وضع اللثام بعض المجموعات الصحراوية كقبائل صنهاجة الذين عرفوا بالملثمين.
وتعددت تفسيرات تمسكهم باللثام، فمنها الحياء الغالب على تلك الشعوب. وقد ذكر ذلك الشاعر الأندلسي أبو حامد الكاتب حين مدح دولة المرابطين وكان أمراؤها صنهاجيين بقوله:
قوم لهم درك العلا من حِمْيَر
وإن انتموا صنهاجة فهمُ همُ
لما حووا إحراز كل فضيلة
غلب الحياء عليهمُ فتلثموا
ويفسر الطوارق عادة «حجاب الرجال» عندهم بأسطورة مفادها أن أكبر قبائلهم ذهب رجالها مرة غزاة يريدون العدو، فجاء العدو من بعدهم إلى خيامهم ولم يكن بالخيام إلا النساء والأطفال ورجل مقعد هرم لكنه حكيم، فأمر ذلك الحكيم النساء أن يلبسن ملابس الرجال ويتلثمن بالعمائم إخفاء لأنوثتهن.
وعندما فعلن ذلك ووقفن وجهاً لوجه مع العدو وبأيديهن السيوف والفؤوس ظهر رجالهن فجأة عائدين لأنهم لم يجدوا العدو وهاجموا الأعداء من الخلف في حين هاجمتهم النساء أيضاً، فانهزم العدو وانتصر الطوارق، ومنذ ذلك اليوم «يوم الملحمة المجيدة» إلى رجالهم على أنفسهم ألا يضعوا اللثام عن رؤوسهم أبداً تخليداً لهذه الذكرى.
لكن التفسير الأقرب إلى العلمية والمنطق، هو أن الظروف المناخية القاسية هي السبب الأساسي للثام الطوارق، حيث العواصف الرملية والأتربة تملأ جو الصحراء معظم السنة، ما استلزم من الطوارق وغيرهم من سكان المنطقة أن يتعمموا اتقاء للغبار والزوابع الرملية.
وهذا ما فرض على الضباط الفرنسيين في فرق الهجانة الصحراوية أن يكونوا هم أيضاً ملثمين، حيث أصبح اللثام يأتيهم من مخازن وزارة الدفاع في باريس كجزء من البزة الرسمية الفرنسية المعتمدة.
المجتمع الطارقي
ينقسم المجتمع الطارقي كغيره من المجتمعات البدوية التقليدية انقساما طبقيا وظيفيا، حيث تحدد مكانة الشخص حسب انتمائه إلى طبقة اجتماعية محددة. وفي أعلى الهرم الاجتماعي الطارقي نجد: «إيماجغن»:
وهم السادة، ويليهم «إينسلمن»: وهم الطبقة المهتمة بالتعليم والتعلم والدين، ثم «إيمغاد»: الطبقة الوسطى، «إينادن»: طبقة الصناع التقليديين، «بلاس» أو «بزوس»: الأرقاء المحررون. «إيكلان»: طبقة العبيد. ويتبع الأفراد العاديون زعيم القبيلة، ويسمى «أمنوكل»، بشكل عفوي وراسخ.
وتحظى المرأة بمكانة خاصة، وتتمتع بحرية كبيرة في أمور مثل اختيار شريك الحياة ورعاية شؤون المنزل، وتعدد الزوجات ممنوع عندهم. وتفتخر المرأة الطارقية بالطلاق، وتسمى بعده (أحسيس) أي الحرة من أي التزام!
ومن عادات الزواج عندهم أن العريس في ليلة الدخلة يعتبر عروسه بمثابة والدته، وفي الليلة الثانية بمثابة أخته، وفي الثالثة تكون زوجته.. ويبررون ذلك بضرورة طمأنتها ونيل ودها لرحلة العمر كله!
وتعد الخلاخيل وأساور الفضة وعقود الخرز والعقيق الزينة الأساسية للمرأة. وتختلف زينة الفتاة قبل الزواج فإذا تزوجت، وغالبا من أحد الأقارب، يحق لها أن تلبس الخلاخيل وبقية الزينة المعروفة للمرأة بشكل عام.
أما الرجل فيلبس دراعة فضفاضة مطرزة الجيب، ويتحلى في الأغلب بخنجر أو سيف. ويتفننون في تزيين مقابض سيوفهم وأغشيتها، وقد يرصع مقبض السيف بالفضة والذهب والأحجار الكريمة وتنحت عليه أسماء مالكيه.
وأكثر اعتبارهم لإبل المهارى الي لا تكاد توجد عند غيرهم، وهي بيضاء شديدة البياض وشديدة الجمال أيضاً. ويعتقد أهل الصحراء الكبرى أن كلمة الجمال في اللغة العربية مشتقة من الجمل، والأناقة مشتقة من الناقة.
وفي الفنون تعتبر أشهر آلة موسيقية عند الطوارق آلة تشبه العود تسمى «التيدينيت» وأخرى وترية أيضاً تشبه الربابة تسمى «الزركة»، ثم الطبل الذي يتميز بمكانة خاصة عندهم، ويوضع عند خيمة زعيم القبيلة.
ويقرع الطبل بإيقاعات ذات مدلولات مختلفة حسب كل حالة. وتشارك المرأة الرجل المستعرض بسيفه في التصفيق وقرع الطبول والرقص الذي يتخذ شكل حلقات تتسع وتنقبض حسب اللحن، وهو شكل معروف بأنماط مختلفة على امتداد الصحراء الكبرى من المحيط حتى تخوم نهر النيل.
إعداد: عبدالله إسحاق
