منذ 60 عاما خلت، وفي أوج الحرب العالمية الثانية، كتب القاضي روبرت جاكسون: «إذا كان هناك نجمة ما بين مجموع نجومنا الدستورية، فتلك النجمة تكمن في أنه لا يوجد أي مسؤول، كبير أو صغير، قادر على تحديد ما هو تقليدي في السياسة أو القومية أو الدين أو موضوعات الرأي الأخرى». هذه الكلمات ما زالت تنطبق على يومنا هذا.

أي محاولة لأي حكومة رسمية في الولايات المتحدة للتعدي على الحق الإلهي ما هي إلا نوع من التجديف. وفي المشروع الأميركي برمته، تفتقر الحكومة للحقوق الإلهية. وسلطتها الأخلاقية تتأتى من نزاهة عملياتها التشاورية والتداولية ومن مشاركتنا في تلك العمليات نفسها. والسلطة التي يمنحها إياها المحكومون تأتي على مقاس القانون تماما. وكما كتب جون آدمز، فإننا نعتبر «حكومة قوانين وليس حكومة رجال».

أما فصل الدين عن الدولة فلم يقم على أفكار الآباء المؤسسين حول الخوف والإيمان والعقل فحسب، بل على معرفتهم بطبيعة السلطة أيضا.

لقد كان نظام المناعة الخاص بالديمقراطية الأميركية يتمتع بفعالية أكبر عندما كان لمواطني الأمة فرصا أكبر للتمحيص في «كل عمل وكل وجهة نظر» أمام محكمة العقل. وعلى الرغم من أنه لم توجد قط أي مرحلة يعمل فيها النظام على أكل وجه،إلا أننا حققنا كأمة انتصارات أكبر وأهم بكثير حين كان بإمكاننا أن نناقش بحرية أكبر الخيارات المتاحة أمامنا.

بيد أن استعدادنا ومنافستنا كمواطنين للعب دور أساسي أصبحا موضع شك، وقدرتنا على القيام بتحليل عقلاني لم تعد كما كانت عليه، والحقيقة هي أن القراءة والكتابة لم تعودا تتمتعان بأهمية كبرى ساعة التفاعل مع العالم كما في الماضي.

لقد أثار اكتشاف حقيقة أن حكومتنا مارست التعذيب بصورة روتينية ووحشية على السجناء (واستمرت في ممارسته امتثالا لسياسة رسمية) القليل من الاحتجاجات، على الرغم من أن ذلك يهدد القيم والسلطة الأخلاقية للولايات المتحدة في العالم.

وبطريقة مماثلة، فإن كشف النقاب عن أن السلطة التنفيذية كانت قد تجسست على نطاق واسع على المواطنين الأميركيين من دون احترام الصيغة الدستورية التي تطلب الحصول على تفويضات قضائية (واستمرت في ممارسة ذلك) قد أثار القليل جدا من الجدل إلى حد أن الكونغرس أقر التشريع الخاص بذلك ووطد تلك الممارسة. بيد أن هذا العمل يهدد نزاهة إعلان الحقوق، الذي يمثل جوهر هبة الولايات المتحدة لتاريخ الإنسانية.

وفي الوقت نفسه تم دفع معظم المواطنين إلى إقرار ومساندة غزو بلد آخر لم يكن قد هاجمنا ولم يكن يفترض أي تهديد لنا، حيث لم تشهد البلاد سوى معارضة ضئيلة لنشر القوات الأميركية وموارد حربية أخرى لملاحقة إرهابيين هاجمونا فعلا وافترضوا خطرا داهما فعلا.

كيف وصل بنا الحال إلى هذا المستوى من التشويش والخلط بين التهديدات الحقيقية والتهديدات الوهمية؟ وهل نمارس نوعا من ردة فعل غير مسؤولة وملتبسة أمام الأخطار التي تحيق بالجمهورية، وتجعلنا عاجزين عن دعم آلية عمل جيدة للحكومة الدستورية في الولايات المتحدة؟ وعلى الرغم من أنهم لا يوافقونني الرأي حول استنتاجاتي المتعلقة بالقرارات المتخذة من جانب الإدارة الأميركية، أما كان من الأفضل أن ننخرط في نقاش واضح ومفتوح حول هذا الموضوع؟

بتقديمه غزو العراق على أنه جبهة مركزية في صراع ملحمي بين الخير والشر، حاول الرئيس بوش التمويه على سياسته بإعلان حرب من دون استفزازات مسبقة للعقيدة الدينية. بينما وقفت الولايات المتحدة مذهولة جراء ضراوة وحجم الاعتداءات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001. ولقد أثار الخوف من مزيد من الاعتداءات وحالة الغضب الشديد الرغبة في بلادنا باستمرار رئيسنا على رأس الهرم السياسي ومهاجمة أهداف يختارها هو بالذات.

بادئ ذي بدء، أرسل قوات إلى أفغانستان لمهاجمة الإرهابيين وتدمير قواعدهم هناك. لكن بعد وقت قصير، شرع بوش بحرف الرغبة في الانتقام من أسامة بن لادن ووجهها نحو صدام حسين، وقدم للأميركيين طريقة للمباعدة بين تعقيدات السياسة الخارجية، على قاعدة تقسيم سائر أمم العالم إلى فئتين: ز إما معنا أو ضدناس.

وضم العراق إلى ز محور الشرس وعرض لأدلة زائفة على أن صدام حسين حاول تصنيع أسلحة ذرية. ومن غرابة الأقدار أن العضوين الآخرين في محور الشر( إيران وكوريا الشمالية) كرسا السنوات الست الأخيرة لتطوير برامج أسلحة نووية.

وقبل أن يشرع في التحضير للحرب ضد العراق بوقت طويل، كان بوش قد أعلن أن عدوه شريرا. كما صرح في اليوم التالي الذي أعقب 11 سبتمبر أنه سيشن «معركة كبرى بين الخير والشر، لكن الخير سينتصر فيها». وبعد يومين من ذلك التاريخ، كنت جالسا بين جمهور الكاثدرائية الوطنية عندما ادعى بوش أن مسؤوليته أمام التاريخ تكمن في «تخليص العالم من الشر».

ولقد اعتقدت يومها أن الجزء الأكبر من خطاب الرئيس كان ناجحا وهذا ما أخبرته به. لكني أذكر أني وقفت مذهولا أمام عظمة وشطط تأكيده الغريب والمقلق على أنه بوسعه «تخليص العالم من الشر».

في الأسبوع التالي، قال بوش في جلسة مشتركة للكونغرس إن الله كان قد توقع نتيجة النزاع الذي كنا على وشك الانخراط فيه لأن «الحرية والخوف، والعدل والقسوة، كانت دائما تخوض حربا ونحن نعلم أن الله ليس محايدا في ذلك النزاع».

مثلما لاحظ آخرون، فإن رؤية بوش حول سياسته في سياق نزاع غيبي روحي بين الخير والشر لا تتفق مع العقيدة المسيحية وهي تشبه أكثر الهرطقة المسيحية القديمة المسماة بالمانوية (المرفوضة مسيحيا منذ أكثر من ألف عام) والتي كانت ترمي إلى تقسيم الواقع برمته إلى فئتين بسيطتين «الخير المطلق والشر المطلق».

التبسيط عادة ما يكون أكثر جاذبية من التعقيد واليقين دائما ما يحظى بأهمية أكبر من الشك. في حين يصبح للإيمان الديني والتفسيرات الاستثنائية للعالم قيمة أكبر بكثير في فترات الخوف الشديد. كما يحدث في فترات الريبة الكبرى والضيق العام أن أي قائد يخلط سياسة مبسطة مع تأكيدات بأنه يتبع أوامر الله سيتمكن من الهرب بسهولة أكبر من أسئلة صعبة قائمة على العيوب المنطقية لمحاجاته.

هناك الكثير من الأشخاص في كلا الحزبين السياسيين الذين تشغلهم إلى حد كبير علاقة الرئيس بوش المقلقة بالعقل واحتقاره للمعطيات والبيانات الواقعية وما لديه من نقص في الفضول حيال أي معلومات جديدة قادرة على أن تقود إلى فهم أعمق للمشكلات القائمة والتكتيكات التي لا بد من التصدي لها باسم شعبنا.

بيد أني لا أذكر صحيفة واحدة أو معلق أو وزعيم سياسي طرح على بساط البحث تأكيد الرئيس بأن هدف أمتنا هو «تخليص العالم من الشر»، فضلا عن أن أحدا لم يناقش المنطق المثير للسخرية الذي استخدمه الرئيس ونائبه لربط أسامة بن لادن مع صدام حسين.

إن إدارة بوش تظهر مرة تلو الأخرى قلة احترامها لكل تلك العملية الأساسية وتدعي أنها تحظى بالرعاية الإلهية وتتبع إرشاداتها وتعتقد أنها تعرف الحقيقة ولا يراودها أدنى درجة من الفضول لمعرفة معطيات يمكن أن تتناقض مع تذهب إليه.

فلقد وصف بوش، على سبيل المثال، حرب العراق بأنها حرب «صليبية» وهذا احتقار لمسألة واضحة لا لبس فيها تفيد بأن المضامين الدينية في ذلك الوصف قد تعني بالنسبة لقواتنا المزيد من الصعوبات في كنف أمة إسلامية عبرت عن اشمئزازها مرارا وتكرارا من الحملات الصليبية المسيحية خلال العصور الوسطى.

إضاءة

إن رؤية بوش حول سياسته في سياق نزاع غيبي روحي بين الخير والشر لا تتفق مع العقيدة المسيحية وهي تشبه أكثر الهرطقة المسيحية القديمة المسماة بالمانوية (المرفوضة مسيحيا منذ أكثر من ألف عام) والتي كانت ترمي إلى تقسيم الواقع برمته إلى فئتين بسيطتين «الخير المطلق والشر المطلق».

ترجمة: باسل أبو حمدة ــ عن «الباييس»