يتزايد الاتجاه العالمي نحو الطاقة النظيفة والمنتجات الصديقة للبيئة بهدف الحد من التأثيرات السلبية على البيئة التي باتت تعاني من مشكلات تتعلق بالاحتباس الحراري وتآكل طبقة الأوزون وذوبان طبقة الجليد في القطب الشمالي وما إلى ذلك من مشكلات.

ويعتبر قطاع البناء في العالم مستهلكا مهما للطاقة ومنتجا كبير للنفايات والمخلفات، وبما أنه كذلك، فإن لتأثيراته وقعا شديدا على البيئة والمجتمع على حد سواء. وبحسب تقرير أميركي صدر، مؤخرا، حول بعض الجوانب الحيوية في هذا الميدان الواعد، فإن المباني ذات الطابع التجاري أو السكني في الولايات المتحدة تستهلك 2 .65% من إجمالي الطاقة الكهربائية المولدة في جميع أرجاء البلاد، و12% من موارد المياه الصالحة للشرب، و40% من كافة المواد الخام.

كما أن هذه المباني مسؤولة عن 36% تقريبا من إجمالي عمليات انبعاث الغازات المسؤولة عن ظاهرة الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة. وجميع هذه التأثيرات البيئية تعود إلى نشاطات متنوعة على ارتباط وثيق بهذا القطاع الحيوي، بدءا بعمليات التصميم والبناء ومرورا بعمليات الترميم والهدم وليس انتهاء باستخدام مواد البناء المستمدة من موارد طبيعية محدودة وشتى أنواع الوقود الخام التي تتصف بطابعها الاقتصادي.

القلق الناجم عن تضاؤل الموارد الطبيعية وضرورة حماية الطاقة يدفع في الوقت الحالي باتجاه نشوء وتبلور حركة تسعى إلى إيجاد أجواء خضراء وظروف مستدامة في محيطنا البيئي انطلاقا من تصاميم تأخذ بعين الاعتبار جانب الوعي البيئي ساعة تشييد المباني على مختلف أنواعها. وبوسع هذا الأبنية الخضراء توجيه استهلاك الطاقة والموارد وتوليد المخلفات والنفايات بصورة عامة وذلك عن طريق تطبيق مفاهيم وتقنيات تشكل بديلا ثوريا عن النماذج السائدة حتى الآن، بحيث يكون هذا البديل مفيدا من وجهة نظر بيئية وذا جدوى من الناحية الاقتصادية.

والخبراء يقولون إن الفرصة المتاحة أمام النمو في قطاع الأبنية الخضراء كبيرة جدا لأن هذا القطاع لا يزال في مرحلته البدائية. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، هناك أكثر من 300 من المباني المصنفة والمرخصة في إطار البرنامج الذي يطلق عليه «برنامج الريادة في مجال الطاقة والتصميم البيئي» ( ليد) التابع للمجلس الأميركي للمباني الخضراء.

ذلك هو السبب الذي يقف وراء حماس الكثير من الدوائر الرسمية وغير الرسمية لهذا النوع من البناء ويدفعها إلى القول إن المباني الخضراء ستشكل النقطة المركزية في الخطط المستقبلية، حيث يؤكد وليام كيندي وهو المدير التنفيذي للجنة التعاون البيئي الأميركية قائلا: «إننا مهتمون بتشجيع تبني سياسات خضراء في قطاع البناء لأننا نؤمن بأن هناك فرصة على جانب كبير من الأهمية أمام ظهور الفوائد البيئية في جميع أرجاء البلاد».

أحد التحديات أمام هذا التوجه «الأخضر» يتمثل في الخاصية الملازمة للمباني. فعلى خلاف السيارات التي تعتبر منتجات خاضعة لمعيار يتم على أساسه سحبها من التداول بعد مضي ثماني أو عشر سنوات على استعمالها، فإن كافة المباني الجديدة يتم تصميمها من حيث النموذج الأولي على أساس أنها ستبقى قيد الاستخدام طوال عقود من الزمن، إلا إذا كانت مصممة من منظور مرن وقابل للتكيف.

المباني الحالية لا يمكن أن تستفيد بسهولة من تقنيات الفعالية الأخيرة المتوافقة مع الأبنية الجديدة.

وذلك على الرغم من أن مبادئ الأبنية الخضراء يمكن أن تطبق كذلك على عمليان تحديث الأبنية. ذلك أنه إذا تم تصميم هذه الأبنية بطريقة واعية بيئيا، فإن فوائد هذه العملية تدخل في عملية تراكمية تستمر لأجيال عديدة، بينما ستغدو المباني المصممة بشكل سيئ والتي تستهلك من الطاقة والموارد وتولد من المخلفات والنفايات أكثر من اللازم- ستغدو مكلفة أكثر أثناء التشغيل.

قطاع البناء في أميركا الشمالية متنوع إلى حد كبير أيضا ويتعين عليه تلبية احتياجات خاصة واستثمارية وعامة متعددة ومتنوعة. كما يواجه طيفا واسعا من الأوضاع البيئية، بدءا من البرد الشديد والمناخ القاسي في القطب الشمالي حتى المناطق شبه الاستوائية، حيث تتباين بدورها مواد البناء وكذلك تقنياته.

كما أن هناك تحد مهم آخر أمام شتى الحكومات ويتمثل في تقليص تأثير قطاع البناء على البيئة وذلك في الوقت نفسه الذي يجب أن يتم فيه ضمان أن يواصل هذا القطاع دعمه للنشاط الاقتصادي الصحي. لكن تحقيق تقدم أفضل في قطاع البناء الأخضر يتطلب تثبيت الظروف السياسية الملائمة لتشجيع وتحفيز التحسينات البيئية والاجتماعية الدائمة والثابتة في قطاع البناء.

إن اختيار سياسات مناسبة للأبنية الخضراء يوفر ميزة إضافية للتأثير في تصاميم منتجات كثيرة أخرى، ذلك أن هناك مئات من العناصر والمكونات التي تتدخل في عملية البناء. كما أن السياسات التقدمية الخاصة بالأبنية الخضراء تتكامل مع سياسات مساعدة أيضا، على غرار الشراء الأخضر وتقليص حجم المخلفات والنفايات إلى الحد الأدنى الممكن واستعادة الحقول السمراء (براونفيلد) والحفاظ على الطاقة والتخطيط الحضري السليم والحفاظ على البيئة وحمايتها عموما.

لكن بسبب السلسلة الواسعة من المنتجات والمصنعين المشاركين في عملية البناء، فإن تحديد الأولويات التي يجب تناولها وخليط السياسات المناسبة ومستوى تدخلها يغدو أمرا جوهريا لضمان فعاليتها.

وعادة ما تدعو لجنة التعاون البيئي في الولايات المتحدة إلى عقد الكثير من المؤتمرات وحلقات البحث لمعالجة هذه المسائل ونقاشها ووضع السياسات المناسبة للمضي قدما على صعيد تطبيق هذا التوجه «الأخضر»، حيث تدعو اللجنة خبراء من القطاع الخاص وممثلين عن حكومات الولايات والأقاليم والمجالس البلدية.

فضلا عن منظمات غير حكومية ومجموعات أخرى مهتمة بميدان البناء الأخضر وعلى دراية فيه، بحيث تشمل قائمة القطاع الخاص، من بين جهات أخرى، سماسرة العقارات والمهندسين المعماريين المتخصصين في المباني الخضراء والاتحادات التجارية المرتبطة بالأبنية الخضراء والمؤسسات المالية المهتمة والمشاركة في عملية البناء الأخضر والمقاولين العقاريين وموردي مواد البناء وقطاعي الطاقة ومعالجة النفايات.

هذه الفعاليات تعد تقارير تساعد على الإحاطة بآخر التطورات على هذا الصعيد وتضع المهتمين في صورة الفرص المتاحة أمام توسيع سوق أميركا الشمالية في ميدان البناء الأخضر وتشجيع التعليم والتوعية حول البناء الأخضر، وتطوير سياسات دعم الأبنية الخضراء وزيادة الاستثمار الحكومي في اقتنائها.

كما تركز تقارير لجنة التعاون البيئي على دراسة هندسة الأبنية الخضراء بحيث تشمل مساهمات الجماعات الوطنية والعالمية البارزة في القطاع الخاص، وكذلك مساهمات مواطنين مهتمين وجهات أخرى تعمل جميعها على جعل المدن تظهر بحلة خضراء نظيفة.

يذكر أنه لا يوجد في عالم اليوم سوى 15 بلدا تعتمد مشاريع أبنية خضراء، من بينها خمسة بلدان فقط مصنفة في هذا الإطار هي الولايات المتحدة والمكسيك والهند وكندا والصين وتليها كل من أستراليا واسبانيا وإيطاليا وساحل العاج وغواتيمالا وكرواتيا والأسكا وبويرتو ريكو وبنما وجمهورية الدومينيكان، التي لديها مشاريع مسجلة.

لكن على الرغم من وجود هذه المشاريع المسجلة إلى أن الخبراء يؤكدون أن التركيز يجب أن ينصب على تعليم وتثقيف الناس بأن البناء الأخضر هو بناء عادي مع بعض الاعتبارات التي تدخل في تصميمه وتجعله يتكامل مع الطبيعة، ليس في محيطه فقط وإنما بالنسبة لاستخدامه أيضا.

ترجمة: باسل أبو حمدة ــ عن «ليستيندياريو»