في السباق إلى زعامة حزبها، الحزب الديمقراطي الأميركي، راحت هيلاري كلينتون تكسب المواقع بشكل تدريجي على طريق وصولها إلى موقعها الحالي المتقدم على منافسها المباشر باراك أوباما. في هذا الحوار الذي أجرته معها صحيفة «الموندو» الاسبانية مؤخرا، تهاجم المرأة، التي قد تشغل المكتب البيضاوي، الصلاحيات والامتيازات الخارقة للعادة التي يحتكرها الرئيس جورج دبليو بوش لنفسه.

لكن هيلاري كلينتون ليست تلك الشخصية التي تظهر مشاعرها بسهولة في مثل هذه الحوارات، فهي مشهورة بعدم الرد بشكل مباشر على ما تسأل عنه وبالحرص دائما على إبقاء موضوعات الحوار ضمن إطار الأسئلة المتفق عليه مسبقا. كما أنها لا تتوانى عن إظهار كل تلك الصفات بين الفينة والأخرى أثناء الحوار.

ففي إجابتها عن السؤال: لماذا وقف الكونغرس الخاضع لسيطرة الحزب الديمقراطي عاجزا حيال تقليص الميزانية الحربية، فإنها لا تتردد في انتقاد الموقف الخاطئ الذي اتخذه مشرعو الحزب الجمهوري وفي إعلان القطيعة مع بوش، حيث تخلص قائلة إن «الواقع السياسي يكمن في أننا لا نملك الأصوات الكافية». على ضوء كل تلك التحفظات بات من الضرورة بمكان لعب الورقة الرابحة المتعلقة بصياغة بعض الأسئلة الأقل التزاما لكن الأكثر أصالة بدءا بتلك المتعلقة منها بالسياسة الخارجية.

بالمعنى العام، فإن إجاباتها تسمح بامتلاك رؤية مختلفة حول كلينتون في سياق أن المرشحة، التي أمضت سنواتها الأخيرة وهي تكون صورة سياسية قاسية نسبيا في هذه المسائل، لا تختار الإجابات الأكثر تشددا. ويمكن للمرء أن يسمح لنفسه بالإشارة لها إلى أنها ستتحمل، في حال نجاحها في الانتخابات، أعباء ومسؤوليات البيت الأبيض في ظل سلطات أكبر بشكل لا يقارن مع السلطات التي حظي بها زوجها وذلك نتيجة القرارات المتخذة من جانب بوش وديك تشيني من أجل منح السلطة التنفيذية مستوى معينا من السلطة أحادية الجانب التي يراها البعض خطيرة.

وهي تقول بهذا الصدد: «حسنا، أعتقد أنه من الواضح أن احتكار السلطة الذي تمارسه حكومة بوش- تشيني قد ذهب إلى ما هو أبعد بكثير مما ذهبت إليه حكومة أي رئيس آخر، ذلك الاحتكار الذي مارسته الإدارة الأميركية الحالية لفترة زمنية أطول بكثير من أي إدارة أخرى.

ذلك أن رؤساء آخرين مثل لينكولن، على سبيل المثال، اضطروا لتولي سلطات خارقة للعادة، لكنهم مثلوا أمام الكونغرس لاحقا حتى يقرها ويصححها». وتضيف المرشحة الرئاسية أنه «من بين القرارات الكثيرة التي اتخذتها الإدارة الأميركية الحالية، كان هناك قدر كبير منها قد ذهب بشكل ظاهر إلى ما هو أبعد من أي سلطات كان الكونغرس قد منحها إياها أو التي كانت تستجيب للدستور، من وجهة نظري. فضلا عن أنه كانت هناك قرارات أخرى كان بوسعهم إقرارها في الكونغرس، لكنهم عمدوا إلى عدم طلب ذلك بسبب قضية تتعلق بالمبادئ».

ولدى سؤالها حول إذا ما كانت قادرة حقا، كرئيسة، على التخلي عن تلك السلطات أو على الأقل عن بعض منها باسم المبادئ الدستورية، ترد قائلة: «من دون أدنى شك. فأنا على قناعة بأن ذلك يشكل جزءا من المراجعة التي سأقوم بها عندما أصل إلى البيت الأبيض».

الحوار ينعطف نحو موضوع العراق، وتحديدا حول ما إذا كانت الحرب الدائرة رحاها هناك تدخل في إطار التقليد الليبرالي لمرحلة الحرب الباردة التي ترتبط ارتباطا وثيقا باسم الرئيس هاري ترومان. ذلك أنه من بين الذين يساندون الحرب، هناك الكثير من الليبراليين الذين برهنوا على أن الحرب ضد الإرهاب مماثلة للمواجهة مع الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة.

السيدة كلينتون ترفض هذه الطريقة بالنظر إلى الأمور وتقول: «لا يمكن الخلط بين ما تمثله فلسفة معينة لجهة استغلالها وردع قوة معينة أثناء الحرب الباردة التي باتت تشكل لحظة من التاريخ. لكن الجانب الأكثر حسما في كلام كلينتون يأتي ردا على سؤال حول ما إذا كان الإرهابيون لا يستطيعون رؤية الغرب كما هو لأنهم يحسدونه على حرياته؟ أم لأن لديهم بعض الأهداف الجيوسياسية المحددة؟.

حيث تؤكد اعتقادها بأن «الإرهاب هو وسيلة قد تم استخدامها على مدار التاريخ بغية تحقيق بعض الأهداف المحددة. بعض تلك الأهداف ذو طبيعة أيديولوجية والبعض الآخر ذو طبيعة إرهابية» وتضيف قائلة: «وجهة نظري تقوم على أنه يتعين علينا القيام بعمل أفضل بكثير من أجل تقييم ماهية الدوافع التي تحرك الإرهابيين». وتتابع: «من وجهة نظري، فإن أخطاءنا تمثلت في رسم ظاهرة الإرهاب بخطوط عريضة بشكل مفرط، الأمر الذي لم يساعد على فهم طبيعة ما نواجهه عندما يأتي دورنا في القيام بذلك مع أولئك الذين اختاروا الإرهاب بغض النظر عن طبيعة الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها».

ما فعلته هيلاري كلينتون حتى هذه اللحظة يعتبر لامعا على صعيد الحملة الانتخابية، الأمر الذي يتفق معها حوله الجميع عمليا. والدليل على ذلك يكمن في تلك الميزة التي راحت تراكمها بوتيرة ثابتة ومتواصلة في استطلاعات الرأي التي تمت بين المرشحين الديمقراطيين على المستوى الوطني.

أحد الانشغالات الكبرى التي تؤرق الليبراليين بخصوص المرشحة يكمن في نوع ومدى الحكمة التي تظهرها من موقعها كسيناتور، واستعدادها الضعيف لتعريض رقبتها للخطر واللعب برأسمالها السياسي دفاعا عن أي هدف سياسي تقدمي في حال تعرض ذلك الموقف بدوره ولو للحد الأدنى من الخطر، حيث يطلب إليها أن تشير إلى موضوع واحد حول ما تصرفت حياله بشجاعة خلال سنوات وجودها في مجلس الشيوخ: «على سبيل المثال، إذا قمت بالتصويت ضد توسيع الميزانية العسكرية، فما هو عدد الأصوات التي سنحصل عليها، هل سنحصل على 12، 13، 14 صوتا إجمالا؟

وهنا تشير إلى موقفها الذي اتخذته في مايو الماضي أثناء عملية التصويت التي تمت حينها حول تخصيص ميزانية إضافية طارئة لمواصلة حرب العراق. الإجراء الذي تم إقراره بـ 80 صوتا مقابل 14 فقط. لكن كلينتون وباراك أوباما منافسها في الانتخابات الرئاسية من الحزب الديمقراطي نفسه قد صوتا ب«لا» على حد سواء. والاثنان أعلنا على الملأ نيتهما في التصويت في اللحظة الأخيرة تقريبا.

لكن في اللحظة التي تمت فيها عملية التصويت، كانت السيناتورة متورطة حتى العظم في الحملة الرئاسية ولقد تعزز موقفها على ضوء اتضاح أن صلتها بالقاعدة المناهضة للعمل العسكري في كنف الحزب كانت جيدة ، بحيث إن الخطر السياسي الذي كان من الممكن أن ينطوي عليه ذلك التصويت كان ضعيفا.

إثر توجيه السؤال لها، راحت كلينتون تدافع عن السياق التقدمي الواسع الخاص بتاريخ عمليات التصويت التي شاركت فيها في كنف مجلس الشيوخ، على الرغم من أن ما طلب منها كان ذكر بعض الأمثلة على القيادة. وكانت الإجابة هي أنه لا يوجد في واقع الأمر ولو مرة واحدة فقط تتذكرها وكانت قد تعرضت خلالها لأدنى قدر من الخطر في الدفاع عن هدف سياسي تقدمي ما.

بالنسبة للكثير من المقترعين من الحزب الديمقراطي، هناك بالضبط يكمن مفتاح الأحجية التي لا حل لها التي تمثلها حالة كلينتون. ذلك أن السيناتورة تقدم نفسها في سياق برنامج تقدمي بصورة عقلانية، ولاسيما فيما يتعلق بالرعاية الصحية وحتى في موضوعات مثل العمل والتجارة، تفردت في كل واحد منها بمواقف تجعلها تقف إلى حد ما على يسار مواقف زوجها.

في نهاية المطاف، فإنها تلتزم جانب التحفظ حول مدى الطاقة التي يمكن أن توظفها كرئيسة في سبيل تحقيق بعض أهدافها الجديرة بالثناء أكثر من غيرها. وإقرار نظام صحي شامل وإنهاء حرب العراق وهما موضوعان سيتعين عليها إنجازهما في أقصر وقت ممكن خلال اللحظات الأولى لولايتها الرئاسية. وكلا الموضوعين سيتطلبان المجازفة بجانب كبير من رأسمالها السياسي ويحتاجان إلى قيادة شجاعة، خصوصا إذا أخذت بعين الاعتبار مدى مواجهة معارضيها السياسيين لها.

ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «الموندو»