يختتم المؤلفان هذا الكتاب بدعوة واشنطن إلى طرح خطاب سياسي جديد بشأن علاقاتها مع إسرائيل يأخذ بعين الاعتبار المصالح الأميركية في الشرق الأوسط ويغلبها على المصالح الإسرائيلية، وهما يعددان في هذا الصدد ثلاث مصالح أميركية جوهرية ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها وهي: المصالح النفطية والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب الموجه ضد الولايات المتحدة.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يقترح المؤلفان العمل على إضعاف اللوبي الصهيوني ومواجهته بالحقائق وكشف مزاعمه، وضرورة تطبيق توصيات تقرير هاملتون - بيكر بشأن عملية السلام بين العرب وإسرائيل من أجل تحسين صورة أميركا في العالمين العربي والإسلامي. ويؤكدان في الوقت نفسه على أهمية أن تلعب واشنطن دور قطب التوازن الخارجي في المنطقة وأن لا تتورط في مستنقعات يصعب الخروج منها كما يحدث في العراق. في الطروحات الأخيرة من هذا الكتاب يعترف المؤلفان بأنهما ما كانا لينتقدا اللوبي الإسرائيلي في أميركا لو كانت سياسات هذه الجماعات اليهودية المؤيدة لإسرائيل والمتعصبة للحركة الصهيونية قد قصرت نشاطها على مجرد تأييد إسرائيل أو حتى على التعصب للصهيونية.
حتى على فرض أن تجاوز هذا النشاط من جانب يهود أميركا إلى العمل على مواصلة وتعزيز الدعم المقدم من واشنطن إلى الكيان الإسرائيلي في الشرق الأوسط. مؤلفا هذا الكتاب أستاذان بارزان في علم السياسة والسياسة في أبسط تعريفاتها هي فن الممكن. ولم تكن لديهما مشكلة إزاء تأييد أميركا لإسرائيل أو إزاء جهود اللوبي الصهيوني في إدامة وحتى زيادة هذا التأييد. لكن مشكلتهما كمفكرين ومواطنين أميركيين هي أن هذا اللوبي الإسرائيلي يتخذ إجراءاته ويمارس مهامه وضغوطه لتأييد إسرائيل ولكن على حساب المصالح القومية للولايات المتحدة وشعبها ومستقبل مواطنيها.
مصالح أميركا الجوهرية. تلك هي الفكرة المحورية التي تدور عليها معظم مقولات هذا الكتاب: إن الضغط لتأييد إسرائيل ودعمها عملية تخصم الكثير من رصيد أميركا في منطقة الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم العربي (وقد نُضيف، والعالم الإسلامي أيضا). في الباب الثاني والأخير من الكتاب يوضح المؤلفان أن أميركا لها 3 مصالح جوهرية على صعيد الشرق الأوسط في الوقت الراهن، وهذه المصالح هي: أولاً: ضمان استمرار تدفق نفط المنطقة بحيث يلبي احتياجات أميركا والعالم بشكل عام (وهي مصالح ترتبط باحتياجات الطاقة من جهة فيما يتصل بحجم الاستثمارات المالية الطائلة الموظَّفة في هذا المجال من جهة أخرى).
ثانياً: قطع الطريق على انتشار أسلحة الدمار الشامل على يد أطراف إقليمية في هذه البقعة أو تلك الزاوية في الشرق الأوسط (عند هذه النقطة يتجاهل المؤلفان ربما لأغراض الملائمة التي يتصورانها أن أكبر ترسانة لأسلحة الدمار النووي الشامل مكدسة في إسرائيل).
ثالثاً: تخفيف نزعة الإرهاب المضاد أو المعادي لأميركا وهي النزعة أو الاتجاهات التي ترى واشنطن أنها نشأت عن منطقة الشرق الأوسط (وقد نضيف أيضاً أهمية العمل على تخفيف نزعة أو نظرة العداء لأميركا لدى قطاعات شتى، وغفيرة أيضاً من شعوب الشرق الأوسط، عربية وغير عربية على ضوء خبرة أهل المنطقة السلبية القاسية لا مع جماهير الشعب الأميركي ولكن مع المواقف والقرارات المتخذة على صعيد صانع السياسة في أعلى مستوياتها التشريعية والتنفيذية في واشنطن، ومعظم هذه القرارات ذات الوقع السيئ ترتبط بموقف واشنطن من دعم إسرائيل على طول الخط بما يجعلها تمعن في سياساتها القائمة على ثالوث العنصرية والإرهاب والعدوان في الأراضي العربية).
أجندة خاصة
خلاصة القول ان لدى اللوبي الإسرائيلي أجندة خاصة لا تتوخى مصالح أميركا التي يعيش ويعمل على أرضها بقدر ما تتوخى مصالح إسرائيل التي يصعب، إن لم يتعذر الدفاع عنها في كثير من الأحيان. والحاصل أن ظل اللوبي يواصل أجندته في الضغط على أميركا لصالح أهداف إسرائيل ومصالحها، سواء إزاء النظم الحاكمة في العراق وسوريا وإيران أو بالنسبة لقوى وجماعات سياسية مثل حزب الله، دع عنك الشعب الفلسطيني الذي ما برح يرسف في أغلال الاحتلال الصهيوني.
وقد أدى هذا كله إلى أن بادرت أميركا إلى إضفاء تسميات المارقة أو محور الشر على نظم حاكمة بالمنطقة، وأفضى ذلك في نهاية المطاف إلى التدخل العسكري الأميركي المباشر والصريح في تخوم المنطقة وساحاتها على نحو ما أصبح مشهوداً في أرض العراق. ومن المهم أن نلاحظ (ص200) أن مؤلفي كتابنا ينظران إلى هذا التدخل الأميركي العسكري في المنطقة، ومن ثم التداخل في تلافيف أوضاعها الإقليمية وشؤونها الداخلية باعتباره تهيئة أو مقدمة كفيلة بأن تفضي إلى تغيير الخارطة السياسية في الشرق الأوسط ولصالح إسرائيل (فيما يمكن أن نفهمه من طروحات مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الشرق الأوسط الكبير، والبقية تأتي).
رفض الانسحاب
لقد بلغ الأمر (ص201) أن يرقب مؤيدو إسرائيل في إطار اللوبي وربما خارجه مشهد العبْء الفادح الاقتصادي والعسكري والمعنوي الذي تتحمله أميركا لقاء وجودها العسكري الراهن في العراق، فإذا بأجندة اللوبي الإسرائيلي تطالب بعدم انسحاب أميركا من أرض العراق، بل وتدعو إلى إعادة توزيع قوات مسلحة أميركية في مناطق أخرى من المنطقة (المشرق العربي بالذات)، لأن وجود هذه القوات الأميركية في مناطق الجوار من إسرائيل يجعلها مستعدة تماماً - كما يوضح كتابنا - لتهديد أعداء إسرائيل.
هنا يتوقف مؤلفا الكتاب عند منعطفين أساسيين في مسار أحداث العالم في السنوات القليلة الأخيرة:
أولهما: انتهاء الحرب الباردة وزوال الخصم السوفييتي. وثانيهما: حادثة المركز التجاري في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001.
تقول سطور الكتاب: حقق اللوبي الإسرائيلي تقدماً ملموساً في تنفيذ الأجندة التي ظل يعتمدها خلال عقد التسعينات (حقبة كلينتون) ولكن جاء انتهاء الحرب الباردة ليجعل من الصعب استمرار اعتبار إسرائيل حليفاً استراتيجياً لأميركا (بعد زوال الخطر السوفييتي والمعسكر الشرقي). ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر لتجبر الأميركيين على تركيز اهتمامهم على العالميْن العربي والإسلامي وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وكانت تلك لحظة دقيقة فاصلة بالنسبة لإسرائيل وبالنسبة لأجندة اللوبي الصهيوني المؤيدة لمصالحها في أميركا.
قطب التوازن
على ضوء الأحداث التي توالت عبر السنوات السبع الماضية، يطرح الكتاب عدة فروض كان الأفضل أن توليها إدارة الرئيس بوش اهتمامها لتخفيف حدة التوتر ومن أجل معالجة أكثر رشدا أو تعقلا وجدوى لموقف أميركا ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط. كان على أميركا - في نظر مؤلفي هذا الكتاب ـ أن تعود للتمسك بدور «قطب التوازن الخارجي» في صراع الجانبين العربي والصهيوني. ومن قاعدة هذا الافتراض يمضي كتابنا ليقول إنه كان على إدارة بوش أن تدرك أن روابطها الأكثر من وثيقة مع إسرائيل كفيلة بإذكاء وقود النزعات (الإرهابية) المعادية لأميركا.
وكان عليها أن تدرك أن تحسين صورتها في العالميْن العربي والإسلامي مرهون بتباعدها عن نهج إسرائيل وسياساتها ولو كان تباعدا محدودا أو حتى طفيفا. وعلى وجه التحديد، كان على الرئيس بوش - كما يؤكد الكتاب (ص201) ـ أن يضغط على شارون وحكومته (السابقة) لإنهاء حقيقة استعمارهما الضفة الغربية، مع العمل بدلاً من ذلك على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار، ثم كان على أميركا أن تخفف وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط الكبير. ورغم أن تزايد هذا الوجود عبر التسعينات كان باستمرار لصالح إسرائيل إلا أنه أدى إلى ازدياد مشاعر العداء والتباغض ضد أميركا نفسها.
كانت تلك خطوطاً سياسية أجدر بالاتباع والتنفيذ وبما يحقق مصالح الولايات المتحدة ويصون أمنها. لكن الذي حدث جاء على العكس تماماً: لقد انتهزت دوائر اللوبي الصهيوني حادثة سبتمبر لكي تدعو ساسة أميركا إلى العمل على التخلص من كل من تراه إسرائيل عدوا لها أو مهددا لاحتلالها أو معارضا لسياساتها العنصرية في الشرق الأوسط، وكان الشعار المطروح - على نحو ما يشير الكتاب هو: أن أميركا وإسرائيل تضمهما جبهة واحدة اسمها محاربة الإرهاب.
تفاهم بوش وشارون
وهكذا مهد اللوبي الأرضية لكي يصور الأمور على أن الرئيس بوش الأميركي ورئيس الوزراء الصهيوني شارون (ومن بعده أولمرت) توحدهما نظرة مشتركة إلى عالم اليوم. وهكذا كانت المسألة أكثر من ميسورة بالنسبة لأركان اللوبي الصهيوني. يضيف المؤلفان القول بالنص (ص202): الرئيس بوش وكبار مستشاريه لم يكن ينقصهم التشجيع من جانب اللوبي الإسرائيلي لأنهم كانوا قد تقبلّوا أصلا آراء إسرائيل بشأن أساليب التعامل مع العالمين العربي والإسلامي منذ البداية، دع عنك بعد وقوع أحداث سبتمبر عام 2001.
هذا التوحد أو ما يشبه التوحد بين سياسات المحافظين الجدد في واشنطن وسياسات الاحتلال الصهيوني في قلب الشرق الأوسط، تمت ترجمته عبر جبهات متعددة شملت جبهة الصراع مع الفلسطينيين وساحة العراق والمخططات المطروحة مجددا لتغيير خارطة وأوضاع وكيانات وعلاقات الشرق الأوسط والتركيز بالذات على كل من سورية وإيران من المنظور الذي يحقق أساسا أهداف إسرائيل. وأخيرا موقف اللوبي الصهيوني الذي يتوقف عنده الكتاب من الصراع العسكري الذي شهده الصيف الماضي فيما وصفه الكتاب بأنه حرب لبنان الثانية.
دعوة لعدم التورط
في خلاصة موجزة يعرب المؤلفان عن اعتقادهما بوصفهما مواطنين أميركيين بأنه رغم قناعتهما بدعم وجود إسرائيل إلا أن أمن إسرائيل لا يشكل في نهاية المطاف مصلحة جوهرية بالنسبة لأميركا. ومن منظور كونهما من أساتذة علم السياسة فهما يريان بشكل موضوعي أنه في حالة تعرّض إسرائيل افتراضا للغزو من الخارج، فإن ذلك لن يشكل بحال أي تهديد يلحق بأمن أميركا ولا حدودها ولا منظومة قيمها ولا مصالحها الاستراتيجية، هذا مع استبعاد الافتراض الأول في ضوء حقيقة التفوق الإسرائيلي العسكري الذي عززته أميركا فضلا عن امتلاك إسرائيل رادعا نوويا بالغ الخطر والفعالية.
إن مؤازرة أميركا لإسرائيل ينبغي في رأي الكتاب أن تظل في حدود الأمر المقبول أخلاقيا أو أدبيا وليس لأنها أمر حيوي بالنسبة لمصالح أميركا القومية. من هنا يدعو الكتاب أميركا إلى أن تتولى الدور الذي يضفيان عليه وصف «قطب أو عامل التوازن الخارجي». ويريان أن هذا الدور مفيد لأميركا لأنه يجعلها «تتعاطى» مع أحوال الشرق الأوسط من منظور مصالحها النفطية والسياسية والاقتصادية فيها، ولكن دون أن «تتورط» بالغوص في مستنقع أحداث وتعقيدات الشرق الأوسط وبما يكلفها دماء أبنائها ومليارات خزائنها.
بل أن هذه المعادلة بين التعاطي والتباعد، وهي معادلة «قطب التوازن الخارجي» كفيلة بأن تعطي أطرافا من دول المنطقة شعورا بالأمان إزاء غياب الوجود الأميركي المسلح في ساحات المنطقة وهو ما قد يجعلها غير محتاجة أو غير متحمسة لتطوير واقتناء قدرات نووية أو ما في حكمها من أسلحة الدمار الشامل مما يؤدي إلى اختلال التوازن على صعيد المنطقة.
ماذا عن إيران؟
هذه النقطة تستدعي إلى الخاطر قضية إيران ويقول عنها مؤلفا كتابنا (ص340): بدلا من تهديد إيران بشّن حرب وقائية (أو استباقية) من جانب أميركا وذلك نهج يؤدي إلى إذكاء رغبات إيران في الحصول على أسلحة الدمار الشامل ويتيح لزعمائها استخدام المشاعر القومية لامتصاص مشاعر الاستياء الداخلي، تُحسن الولايات المتحدة صنعا إذا ما سعت إلى إبرام صفقة مع طهران بشأن مطامحها النووية مما يضعها في موقف الدفاع.
صحيح - يضيف كتابنا (ص341) - أن هذا النهج المقترح لن يزيل كل المشاكل التي تواجهها أميركا حاليا في المنطقة، لكنه سيكون نهجاً من الأفضل اتباعه بالنسبة لأميركا ولإسرائيل أيضاً - أفضل من تلك السياسات التي ظلت تؤيدها وتغذيها معظم جماعات اللوبي الصهيوني في أميركا: «لقد اتبعنا نهجهم فكان أن أفضى بنا إلى الفشل الذي أصبح واضحا للعيان».
«ولهذا نحن ندعو إلى نهج جديد وشامل بالنسبة لمجمل علاقات أميركا مع إسرائيل». هكذا يعلن مؤلفا الكتاب على أديم الصفحات الختامية. وتحمل هذه الدعوة عنوانا يحض على إنشاء علاقة جديدة، وعلى معاملة إسرائيل من جانب أميركا لا باعتبارها علاقة استثنائية - هكذا يريدها اللوبي الصهيوني بحيث تنال إسرائيل من الدعم والمعونات ومن المؤازرة والتعزيز بما قد يتجاوز في بعض الأحيان ما تناله ولايات أميركية بل.
وبما يمس أو يلحق الخطر بالمصالح الحيوية العليا للولايات المتحدة ذاتها ـ وإنما بوصفها كيانا عاديا أسوة بسائر الكيانات السياسية التي تنتظمها علاقة أميركا مع سائر دول العالم، وبحيث لا تواصل واشنطن إطلاق حبل الاحتلال والعنف المسلح والقهر الجماعي على الغارب فتمارسه إسرائيل على هوى زعمائها (ومنهم من يستند إلى تاريخ مسجل ومدان من الإرهاب المنظم) بحق شعب فلسطين العربي.
تقرير هاملتون ـ بيكر
في هذا الإطار الختامي يرسم المؤلفان ما يمكن أن نسميه «خارطة طريق» بالنسبة لعلاقة أميركا بإسرائيل وربما بالنسبة لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بشكل عام. هذه الخارطة تتألف من عدة خطوط سياسية تقتضي اتخاذ إجراءات فعالة وناجزة نرصد في مقدمتها تلك الدعوة التي تتصدر صفحة 342 من الكتاب ويوجهها الأستاذان المؤلفان على النحو التالي: إنهاء الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.
وفي هذا الصدد يحيل الكتاب إلى تقرير «هاملتون - بيكر» الشهير بشأن موقف أميركا من أزمة العراق حيث يؤكد التقرير ما يلي: ينبغي للولايات المتحدة أن تنطلق من التزام متجدد ومتواصل إزاء التوصل إلى سلام عربي - إسرائيلي شامل على جميع الجبهات: لبنان وسوريا فضلا عن (تفعيل) الالتزام الذي تعهّد به الرئيس بوش في يونيو من عام 2002 إزاء حل الدولتين لكل من إسرائيل وفلسطين. التقرير نفسه يمضي في هذه النقطة ليقول أيضا: إن الولايات المتحدة لن تفيد حليفتها إسرائيل من قريب أو بعيد إذا لم تشارك على نحو مباشر في حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
يأتي بعد ذلك إجراءات داخلية يرى المؤلفان أهميتها في التعامل مع ما بلغه اللوبي الإسرائيلي من سطوة ونفوذ وعلى حساب المصالح القومية العليا لأميركا ذاتها، وهنا يدعو الكتاب إلى ما يسميه العمل على إضعاف هذا النفوذ وبالذات من خلال تقليل حجم الموارد التي يستند إليها اللوبي. أو بإيجاد وتشكيل جماعات أخرى تعتمد أجندات مختلفة بما يكفل معادلة أو موازنة التأثير الذي يمارسه اللوبي الصهيوني على كبار المسؤولين وصانعي السياسات في الحكومة الأميركية.
وهناك أيضاً دعوة أو حث أو تشجيع الأكاديميين من علماء وأساتذة وباحثين على مجابهة اللوبي ومقارعته الحجة بالحجة والفكر بالفكر دون أن تُترك الساحة خالية للعناصر التي تمارس الابتزاز الفكري أو الإرهاب المعنوي تحت شعارات التخويف من تهمة العداء للسامية.
ويشمل هذا الجانب أيضاً العمل على تصحيح ما يصفه الكتاب بأنه في حكم الأوهام والأساطير بمعنى الأكاذيب والافتراءات التي لا يتورع اللوبي الصهيوني عن نشرها بشأن مختلف القضايا وبما يصب في نهاية المطاف في صالح إسرائيل، وبهذه الطريقة بالذات يمكن تحويل هذا اللوبي من موقع الهجوم المتواصل إلى مواقف أقرب إلى الدفاع أو التبرير.
خطاب سياسي جديد
يتمثل الهدف المنشود إذن في التوصل إلى ما يطلق عليه كتابنا الوصف التالي: طرح خطاب سياسي مغاير (بمعنى موضوعي أو منصف أو حتى راشد أو معقول) على مستوى الساحة السياسية الأميركية. والمعنى المقصود هو تبني خطاب سياسي يأخذ ويعطي، يطرح ويناقش ولا يعتمد منطق تشويه الحقيقة أو استغلال الجهل بالحقيقة أو الدوران من حول الحقيقة أو طرح الحقيقة ملتبسة بالخرافة أو مستندة إلى منطق الترويع أو التهديد.
في سطور الختام ينبه المؤلفان إلى أنه قد حان الوقت حقا للتفكير في مضامين هذا الخطاب السياسي الجديد. صحيح أن أميركا بكل ضخامتها وإمكاناتها تستطيع أن تتحمل عبء السياسات المعيبة المطبقة حاليا «لكن ليس من سبيل إلى تجاهل الحقيقة إلى الأبد، خاصة بعد إن ثبت في هذه المرحلة بالذات مدى الدمار الناجم عن تلك السياسات الخاطئة التي دفع إليها اللوبي الصهيوني بكل إمكاناته وضغوطه وأنشطته الدعائية».
المطلوب إذن (ص355) هو «حوار صريح ومتحضر بشأن نفوذ اللوبي الإسرائيلي، وحوار أكثر صراحة بشأن مصالح أميركا في منطقة حيوية اسمها الشرق الأوسط، ومثل هذا الحوار من شأنه أن يقود إلى إدراك أمرين:
الأول: أن استمرار وجود إسرائيل في الأراضي (الفلسطينية) المحتلة ليس في صالح أميركا. الثاني: أن ما يوصف بأنه «العلاقة الخاصة» بين أميركا وإسرائيل أمر تحفّه مشاكل عديدة ومن شأن تدبر هذه المشاكل أن يدفع أميركا إلى اتباع سياسات تتفق مع المصالح القومية للولايات المتحدة ذاتها.
يجدر بنا أخيرا أن نودّع سطور هذا الكتاب بالإشارة إلى الحرص الشديد من جانب اللوبي الصهيوني على إصدار كتاب مضاد يهاجم صاحبي كتاب اللوبي بحيث يتزامن صدور الكتاب الضد مع كتاب اللوبي. والكتاب المضاد من تأليف أبراهام فوكسمان المسؤول الأول عن أكبر لجان اللوبي الصهيوني وكان طبيعياً أن يحمل العنوان التالي: «أشد الأكاذيب فتكاً» مما يشهد على مدى تأثير كتاب اللوبي في الخطاب السياسي الأميركي.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



