يركز المؤلفان في هذه الحلقة على كيفية تغلغل اللوبي الصهيوني في دوائر صنع القرار ووسائل الإعلام الأميركية من خلال استخدام سلاح المال بدهاء ومكر شديدين، حيث يقدم اليهود مبالغ طائلة إلى مؤسسات ومراكز البحوث المؤثرة في الرأي العام على شكل هبات وتبرعات، ولا يتورعون عن تخصيص مبالغ كبيرة لنشر إعلانات في كبريات الصحف الأميركية لتأييد موقف معين أو لمهاجمة شخص تجرأ على توجيه النقد لإسرائيل أو مراجعة الدعم اللامحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة للدولة العبرية.

وإلى جانب استخدام هذا الأسلوب، تلجأ دوائر اللوبي الإسرائيلي إلى استخدام عصا التهديد والترهيب بحق من تسول له نفسه معارضة إسرائيل أو مجرد إبداء موقف محايد ونزيه، ولو قليلاً، من الصراع العربي الإسرائيلي مستخدمة في ذلك شعار «معاداة السامية» الذي لا تمل من ترديده كلما شعرت أن هناك من ارتكب المحظور ودخل المنطقة المحرمة في النقاش السياسي على الساحة الأميركية. وجه 77 عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي رسالة جماعية إلى الرئيس بوش يعبرون فيها عن حرصهم على نجاح مؤتمر السلام المرتقب انعقاده في الخريف القادم لمعالجة قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومن ثم يطالبون في الرسالة الإدارة الأميركية بأن تمارس ضغوطها على العرب لإنهاء ما وصفه كل سيناتور منهم بظاهرة العداء للسامية (بمعنى كراهية اليهود).

هذا هو الخبر الذي نشرته وكالات الأنباء العالمية يوم الثالث من أكتوبر الحالي ليأتي دليلا جديدا على القدرات التي يتمتع بها اللوبي الإسرائيلي في أميركا وفي نطاق السلطة التشريعية بالذات (بمجلسي الكونغرس)، وهو ما حرص كتابنا على عرضه وتحليله، وهي بدورها قدرات بلغت حدا يمكن وصفه بالاستفزاز لأنها تلصق بالعرب وهم ساميّون أصلا من الناحية الاثنية، تهمة العداء للسامية أو بغض اليهود الإسرائيليين وكأن المطلوب ممن تُحتل أراضيهم في فلسطين وسوريا وممن تصادر إسرائيل مصالحهم وتمارس بحقهم صنوف التآمر في الوطن العربي أن يكافئوا المتآمر والعدواني والعنصري والمحتل وأن يلهجوا بشكره ويتمدحوا بمحبته.

مظاهرات أمام الإذاعة: هكذا شاءت إمكانات اللوبي الصهيوني التي أجادت عرضها وتحليلها صفحات هذا الكتاب حيث لم تتورع الدوائر الصهيونية على توجيه تهمة التحيز ـ هل نقول العداء للسامية أيضاً ـ لا بحق دوائر الإعلام العربي في أوروبا أو العالم الثالث بل بحق المنظومة الإذاعية الرسمية داخل الولايات المتحدة نفسها فاتهمت الإذاعة القومية الأميركية بأنها الإذاعة الفلسطينية لمجرد أنها تحاول أن تؤدي رسالتها الإعلامية متبعة في ذلك تقاليد الحيدة المهنية ومواثيق الشرف الإعلامي. ولم تتورع دوائر هذا اللوبي الصهيوني أيضاً عن شن حملات معادية ضد الراديو القومي الأميركي لحمل المتبرعين لهذه الإذاعة المحترمة مهنيا على حجب مشاركاتهم ووقف تبرعاتهم.

بلغ أمر حملة الترهيب هذه أن نظمت فعاليات اللوبي الإسرائيلي ـ كما يوضح كتابنا ـ مظاهرات في مايو عام 2003 تندد بالإذاعة القومية الأميركية في 33 مدينة في طول الولايات المتحدة وعرضها. وعندما أصدر الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر كتابه الأخير بعنوان «فلسطين: سلام لا فصل عنصرياً» شن اللوبي إياه حملات إعلامية مماثلة مارس فيها كل صنوف الضغط والتشهير إلى درجة الابتزاز منددا بكارتر مؤلف الكتاب كما نشر إعلانات مدفوعة لقاء مصاريف طائلة طبعا في أكبر صحف نيويورك جريدتا (صن والتايمز) تتصدرها أرقام هواتف ناشر الكتاب وتختمها دعوات واضحة الترهيب والترويع للاتصال بالناشر هاتفيا وترديد الشكوى والتنديد بحقه.

الضغوط على نفس المؤسسة الإذاعية الأميركية ـ وهي كما نذكرّ ـ تابعة لحكومة واشنطن أساسا ـ زادت من جانب الكونغرس أيضا، وهكذا بعث عدد من أعضاء مجلس النواب برسالة إلى كيفين كلوز رئيس مجلس الإدارة الإذاعية يطلبون فيها إجراء مراجعات داخلية لعمليات التغطية الإذاعية لقضايا الشرق الأوسط (التي يرونها في غير صالح إسرائيل) وهنا يشير الكتاب إلى أن مثل هذه الضغوط بدأت تؤتي بعض الثمار حيث شرع رئيس الإذاعة القومية في محاولة التواصل مع الجماعات اليهودية في أميركا أو التفاهم معها.

حكاية مقال مستفز

في هذا السياق أيضاً يورد كتابنا مثلا مستفزا آخر بقدر ما أنه صارخ وسخيف أيضا، يتعلق هذا المثل بكاتب أميركي كبير هو «إيان بوروما» الذي نشر مقالا بعنوان «كيف تتكلم عن إسرائيل» موضحا أنه يصعب أحيانا التعرض لموضوع إسرائيل في أميركا بصورة انتقاديه أو بصورة موضوعية بعيدا عن العواطف أو الانفعال، وأنه حتى النقد المشروع لإسرائيل أو للصهيونية كثيرا ما يواجه فورا بتهمة العداء للسامية من جانب صقور الجماعات اليهودية (وصفهم الأستاذ بوروما حسب التعبير الأميركي بأنهم كلاب الحراسة).

ولم يكذّب كلاب الحراسة خبرا، فقد بادروا على الفور إلى تدبيج رسالة شديدة الاستفزاز نشرها كاتبهم «برت ستيفنز» في واشنطن بوست استهلتها عبارة موجزة موجهة إلى إيان بوروما تقول: هل أنت يهودي؟ وبعد فقرتين تضيف الرسالة قائلة: لابد أن يكون المرء يهوديا على الأقل لكي يقول للغوييم (غير اليهود) كيف يتكلمون وكيف لا يتكلمون عن إسرائيل.

وهنا يفسر مؤلفا كتابنا هذه العبارات على نحو يقول بدوره: معناها باختصار هو أن غير اليهود لا يجوز لهم أن يتعرضوا لموضوع إسرائيل إلا بالأسلوب الذي يراه اليهود مقبولا. وقد نفسرها نحن من منظورنا العروبي على أنها رسالة يقول فحواها بغير مواربة إن إسرائيل وتصرفاتها وإجراءاتها (احتلالها وإرهابها وسلوكها الإمبريالي ومؤامراتها) أصبحت في حكم قدس الأقداس وأن التعرض لها أصبح أقرب إلى «التابو» أو المحرّم المحظور الذي لا يجوز الاقتراب منه سوى بإذن من كهان السياسة والمشروع الصهيوني سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة.. فتأمل!

مستودعات الفكر

تعتبر مؤسسات الفكر السياسي والدراسات الاستراتيجية، أو فلنقل حسب التعبيرات الأميركية «الثنك تانكس»، التي تعني حرفيا المستودعات الفكرية هي كناية عن مراكز البحث العلمي وإجراء الدراسات السياسية والاستراتيجية - كما يصفها كتابنا بحق - في طليعة أدوات صياغة الخطاب العام في المجتمع الأميركي وخاصة عند مستوى النخبة من راسمي السياسات وصانعي القرارات.

في هذا السياق يواصل كتابنا الحديث قائلا (ص 175 وما بعدها): بدلا من الاعتماد على الموظفين أو الباحثين التابعين للحكومة أو المنخرطين في سلك خدماتها، للحصول على التحليلات والتعليقات المبداه حول السياسات الهامة، فإن وسائل الإعلام وصانعي القرارات يعتمدون على الخبراء المنتمين إلى مراكز البحوث السالفة الذكر التي تتمتع في معظمها بشبكات ناشطة في مجال العلاقات العامة.

كما أنها تعمل باستمرار على إصدار وتوزيع كراسات وموجزات وأدلة وكتيبات ومذكرات سائغة الأسلوب - شائقة العرض - مباشِرَة الاستهداف بما يلبي احتياجات أصحاب القرارات عند المستويات العليا في السلطتين التنفيذية والتشريعية، فضلا عما تقوم به تلك المراكز والمؤسسات البحثية من تنظيم ندوات وحلقات دراسية وموائد إفطار - عمل وجلسات إحاطة إعلامية يدعى إليها كبار مسؤولي الإدارة وكبار أعضاء الكونجرس.

ومن هذه المراكز أيضاً ما يقدم المشورة إلى رئيس الدولة ومساعديه في قضايا السياسة العليا، وفي مقدمة هذه المراكز مؤسسة بروكنغز التي تضم نخبة من أكثر العقول البحثية رصانة واجتهادا وإن كان منها حاليا معهد «أميركان انتربرايز» وهو المؤسسة البحثية الأم لمجموعة المحافظين الجدد التي تستأثر حاليا بمقاليد السياسة الخارجية في إدارة بوش وتضفي عليها أفكار المعهد المذكور بشأن الفوضى الخلاقة وشن الحروب الإقليمية وغزو البلدان بدعوى مجابهة الإرهاب فضلا عما توليه المؤسسة المحافظة المذكورة من تأييد لإسرائيل ولنهجها الصهيوني.

وكأنما لم يكن كل هذا كافيا لخدمة مآرب اللوبي الصهيوني، لقد التمس سدنته وكبار قادته منبرا جديدا خاصا بهم من أجل تبرير وتكييف ما يشتغلون به من دعايات لصالح الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط، فكان أن تنادوا في عام 1985 - كما يوضح الكتاب - إلى إنشاء مؤسسة صهيونية الهوى تحمل الاسم التالي: معهد سياسات الشرق الأدنى.

وبرغم أن مديري المعهد المذكور يحاولون التخفيف من حقيقة ارتباطهم بإسرائيل وسياساتها وقادتها تحت شعار أنهم يعملون على تهيئة منظور «متوازن وواقعي» بشأن قضايا الشرق الأوسط إلا أن الحقيقة على خلاف ذلك تماما، على نحو ما يؤكده كتابنا (ص176).

الحقيقة كما تقول السطور التي نحن بصددها هي: «أن المعهد يموله ويديره أفراد ملتزمون للغاية بطرح ودعم أجندة إسرائيل، وليس في مجلس إدارته أي فرد يمكن اعتباره مؤيدا أو متفهما لقضايا أو مصالح أي بلد آخر من بلدان منطقة الشرق الأدنى. وبرغم أن كثيرا من موظفيه وباحثيه مشهود لهم بالقدرة أو الخبرة في مجال البحوث، إلا أنه لا يمكن وصف أي منهم بالحيادية في تعاملهم مع قضايا الشرق الأوسط، ومن ثم فلا خلاف بينهم في هذا الخصوص.

مراكز الولاء الصهيوني

يصدق الأمر نفسه من حيث تأييد إسرائيل وتبرير تصرفاتها، مما يفضي في التحليل الأخير إلى التحامل على العرب وتشويه مواقفهم ومعاداة قضاياهم، يصدق كما أسلفنا على جمهرة من المراكز والمؤسسات البحثية المؤثرة على القرار الإستراتيجي وعلى المواقف السياسية التي تتخذها حكومات الولايات المتحدة ومسؤولوها إزاء القضايا والمواقف في الوطن العربي والشرق الأوسط بشكل عام.

في هذا الإطار يحصي كتابنا عددا من أكبر مراكز ومؤسسات البحوث الأميركية على الوجه التالي: مركز سياسات الأمن ومعهد بحوث العلاقات الخارجية ومؤسسة هيريتاج ومعهد هدسون ومعهد تحليل السياسة الخارجية والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، وجميعها - كما يؤكد المؤلفان ـ مؤيدة على طول الخط لإسرائيل ولا تكاد تضم أي فرد تسوّل له نفسه أن ينتقد دعم الولايات المتحدة المقدم للكيان الصهيوني.

عند هذا المنعطف من البحث يعبر المؤلفان عن الأسف الشديد.. لماذا؟ إنه الأسف لما اعترى مؤسسة بروكنغز من تغيرات في الفترة الأخيرة. ولقد تسامعنا - نحن أهل الشرق الأوسط والعالم العربي عن بحوث وباحثين ودراسات وطروحات وآراء صدرت عن بروكنغز منذ عقد السبعينيات واتسمت في معظمها بقدر لا يخفى من النزاهة العلمية والحيدة المهنية والموضوعية الجديرة بالبحث الأكاديمي.

يضيف كتابنا في هذا الخصوص مثلا: ـ في منتصف السبعينيات أصدرت بروكنغز في واقع الأمر تقريرا ضافيا عن الشرق الأوسط أكدت فيه على ضرورة تنفيذ إجراءات انسحاب إسرائيلية (من الأرض العربية المحتلة). وشددت فيه أيضاً على أهمية ممارسة الفلسطينيين حق تقرير المصير بما في ذلك إمكان إقامة دولة فلسطينية مستقلة) إضافة إلى تهيئة حرية الوصول إلى المواقع الدينية في القدس مع تقديم ضمانات أمنية لإسرائيل.

في تلك الأيام ذاع بين العاملين في بروكنغز صيت الأستاذ ويليام كواندت بوصفه أكاديميا مرموقا وباعتباره أيضاً كان مسؤولا بارزا في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض فضلا عن سمعته من حيث النزاهة والحيدة في التعامل مع قضايا الصراع العربي الإسرائيلي.

لماذا تدهورت بروكنغز؟

كل هذا - يوضح الكتاب - أصبح تاريخا مضى بعد أن تغيرت أحوال مؤسسة بروكنغز وأصبح الأمس بعيدا جداً عن أحوال اليوم. اليوم تتم الأعمال البحثية في بروكنغز من خلال مركز صابان لسياسات الشرق الأوسط وهو المركز الذي جرى إنشاؤه في عام 2002 بمنحة تبلغ 12 مليون دولار ممولة أساسا من حاييم صابان الصهيوني القح المتعصب كما يصفه الكتاب.

وقد وصفته نيويورك تايمز في عبارات تقول: ربما يكون صابان أكثر أباطرة هوليوود تشعبا في علاقاته بدوائر السلطة ومواقع التأثير والنفوذ. وقد ألقى بكل ثقله وأمواله في محيط واشنطن بل وعلى صعيد العالم محاولا التأثير لصالح كل شيء إسرائيلي.

لا عجب أن تنشر نيويورك تايمز تصريحا لهذا الصهيوني الذي تصفه بأنه أكبر مشجع لا يكل ولا يمل لإسرائيل يقول فيه: أنا رجل القضية الوحيدة، وقضيتي الوحيدة اسمها إسرائيل، لا عجب أيضاً أن يتلقى أوصاف الثناء والتقريظ من جانب الإرهابي شارون، أما الشخصية التي اختاروها لإدارة مركز صابان الذي عرضنا له فلم يكن سوى مارتن أنديك الذي كان مستشار كلينتون لشؤون الشرق الأوسط وقبلها كان من أركان لجنة الإيباك وهي المحور الأساسي الذي تدور عليه أنشطة اللوبي الإسرائيلي - الصهيوني في أميركا.

صحيح أن المركز يستضيف في مؤتمراته كبار القادة الأميركيين إلى جانب الإسرائيليين لكنه لا يكاد يدعو أحدا للتعبير عن الصوت أو الرأي العربي. وصحيح أن مديره أنديك يصرح أحيانا بتأييده فكرة الدولتين، إلا أن كل ما يصدر عن المركز لا يناقش من قريب أو بعيد حقيقة الدعم غير المحدود وغير المشروط الذي تقدمه أميركا لإسرائيل. ولو كان من صفوف باحثيه من يرفع الصوت أو يعلن الرأي يوما بأي انتقاد لهذا المسار، فمصيره إلى الشارع بغير جدال حيث يورد كتابنا أمثلة تشهد بهذا النمط من السلوك.

سلاح المال

نحسب أن العنصر الأساسي في هذا المضمار هو استخدام يهود أميركا سلاح المال من أجل الحصول على التأثير وممارسة الضغط المطلوب، ونرى أيضاً أنهم يمارسون هذه اللعبة بقدر لا يخفى من الدهاء والمهارة. فهم لا يدفعون أموالهم على شكل رشوة مباشرة يمكن كشفها والتشهير بها عند أول منعطف على الطريق، وإنما يقدمون الأموال على شكل تبرعات ظاهرها البراءة (ومن يرفض التبرع المقدم لهذه الجامعة أو تلك المؤسسة الأكاديمية؟) ولكن تحت عنوان بالغ التهذيب يحمل لافتة «برنامج للدراسات اليهودية».

إن كتابنا يوضح كيف تضم الجامعات في أميركا 130 من هذه البرامج، وكيف تتدفق تبرعات اليهود لإنشاء المزيد منها حيث يتمثل الهدف في «زيادة عدد الباحثين الموالين لإسرائيل أو المتعاطفين معها على مستوى حرم الجامعات».

ورغم أن مديري الجامعات لا ينفكون يؤكدون القيمة الأكاديمية والتربوية لمثل هذه البرامج إلا أن الغرض الأساسي هو تعزيز صورة إسرائيل في الحرم الجامعي. أكثر من هذا: لا يتورع «فريد لافر» مدير مركز الدراسات اليهودية في جامعة نيويورك عن القول (ص181) بأن مؤسسته تم إنشاؤها للمساعدة على مجابهة (موازنة أو معادلة) وجهة النظر العربية! السائدة في رأيه على مستوى جامعة نيويورك!

يوجز كتابنا هذه الأنشطة التي لا يتورع اللوبي الإسرائيلي عن ممارستها على مستوى الجامعات ومؤسسات البحث العلمي تبرعا واستمالة وإغراء وتخويفا في عبارة واحدة هي: ممارسة دور الشرطي في المجال الأكاديمي.

ثم يوجز الوسيلة الأمثل التي يستخدمها هذا الشرطي - الصهيوني في العبارة الثنائية التي تكاد تبلى من فرط الاستخدام، بل من تكرار الاستعمال والتلويح إلى حد الابتذال: معاداة السامية. بل يطلق عليها المؤلفان في بلاغة مشهودة وصفا طريفا هو: كاتم الصوت.بمعنى أن التلويح بها يرمي إلى كتم أو إخراس الأصوات المفكرة أو الناقدة التي يتجاسر أصحابها على توجيه اللوم إلى إسرائيل.

ترى ما هي عوامل فعالية هذا السلاح الكاتم لأصوات المنتقدين؟

أول هذه العوامل يتمثل فيما يثيره تكتيك العداء للسامية من ذكريات كلها بغيضة في الوجدان الغربي - الأميركي والأوروبي - وكلها تدور حول تاريخ عزلة اليهود التي فرضت عليهم باستمرار، أو فرضوها على أنفسهم داخل معازل الجيتو - حارات أو أحياء اليهود في أقطار أوروبا.

وثاني العوامل أن إلصاق هذه التهمة أو فلنقل الفرية بأي شخص مشتغل بالشأن العام في أميركا يؤدي إلى تشويه صورته أمام الناس وبهذا لا تؤخذ آراؤه ولا طروحاته على محمل الجد ومن ثم يأتي الحرص الشديد من جانب أهل السياسة ومرشحي الكونجرس بل مرشحي المستويات الأدنى من مجالس الولايات والمقاطعات والأحياء من أن تلحقهم هذه التهمة التي تجيد الدوائر اليهودية صياغتها وتوجيه سهامها، وبالتالي فالساسة والإعلاميون وأهل الرأي والأساتذة الأكاديميون يتقون هذه التهم وكأنهم يطبقون مبدأ «الباب الذي تأتي منه الريح..».

وثالث العوامل التي يوضحها كتابنا (ص191) يتمثل ببساطة في صعوبة أن توجه إليك تهمة العداء للسامية أو بغض اليهود، فإذا بك لا تستطيع إثبات العكس، المسألة هنا سوف تتعلق بالمشاعر والآراء والأفكار المسّتكنة في أعماق الضمير، وتتعلق أيضاً بتكرار المعزوفة التي تهدد بالتشهير والابتزاز الفكري إلى حد يمكن أن يلحق السوء بسمعة هذا المفكر أو ذلك السياسي.

ومن عجب أن كثرة من يهود أميركا، وبرغم نجاحاتهم في ميادين مهنية ومالية وإدارية لا تنكر، إلا أنهم لا يزالون يشعرون في أعماقهم بما يمكن أن يوصف بأنه عقدة اضطهاد متأصلة ومن ثم فهم يعّوضون عن هذه العقدة بذلك السلوك الغريب والمتمادي إلى حد الاستفزاز الذي يتجسد في إحاطة تجمعّاتهم بأسوار دفاعية وحمائية. كما يتمثل في الدفاع عن إسرائيل والتعامي عن سلوكياتها العدوانية واحتلالها القائم وإرهاب الدولة المنظم منهجيا الذي تمارسه بحق الشعب العربي الفلسطيني.

بعد هذه الجولة الواسعة التي قطعها مؤلفا الكتاب، في محاولة من جانبهما، لسبر أغوار اللوبي الإسرائيلي الصهيوني بالولايات المتحدة وتحليل عوامل قوته وعناصر تأثيره، كان منطقيا أن يسلمنا هذا التحليل إلى السؤالين الجوهريين اللذين يطرحهما الجزء الثاني والأخير من هذا الكتاب وهما: ما هو تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية الأميركية؟ وهل يصب هذا التأثير في صالح أميركا أو في غير صالحها؟

عرض ومناقشة: محمد الخولي