يتناول المؤلفان في هذه الحلقة تأثير اللوبي الإسرائيلي على وسائل الإعلام الأميركية وتغلغل عناصره في دوائر صنع القرار الأميركي كالرئاسة وحكومات الولايات والإدارات المحلية، ويشيران إلى أن اللوبي يتحكم في عمليات التعيين و«التفنيش» في المناصب الحساسة المقربة من الرؤساء، وأي شخص لا ينال رضاه أو يتجرأ على انتقاد سياسات إسرائيل يجد نفسه وقد أصبح خارج وظيفته.

وهكذا نجد الرؤساء الأميركيين محاطين بمستشارين إما يهود أو مناصرين لإسرائيل. أما التأثير اليهودي على وسائل الإعلام فيأتي من حقيقة أن معظم المحللين وكتاب الأعمدة البارزين في الصحف الأميركية الرئيسية هم من المؤيدين والمهللين للدعم الأميركي المقدم لإسرائيل، وهو ما يجعل الرأي العام الأميركي يقع تحت تأثير اللوبي الذي لا يقدم سوى الصورة الإسرائيلية ويتجاهل تماماً أي إشارة إلى موقف الجانب العربي أو معاناته. من القضايا المفصلية التي يقترب منها مؤلفا هذا الكتاب قضية تحمل العنوان المثير التالي: صناعة رؤساء (أميركيين) مؤيدين لإسرائيل. وفي هذا السياق بالذات سوف نحرص على الإحالة على نحو من التدقيق والتفصيل إلى سطور الكتاب التي تتناول هذا الموضوع المثير على امتداد 5 صفحات كاملة.

يبدأ المؤلفان بتوضيح أهمية الخط الثاني من خطوط تأثير اللوبي الإسرائيلي على مجريات السياسة القومية بالولايات المتحدة، سبق لهما ولنا أن أوضحنا في حلقة ماضية كيف حرصت مؤسسات هذا اللوبي على التأثير في السلطة التشريعية التي يجسدها مجلسا النواب والشيوخ، لكن ها هي نفس المؤسسات الصهيونية في أميركا تحرص بالقدر نفسه من توازي الجهود على ممارسة التأثير ذاته على مستوى السلطة التنفيذية ممثلة أساسا في أكبر مسئوليها وهو رئيس الولايات المتحدة شخصيا. ورغم أن معظم رؤساء أميركا اتخذوا مواقف لم تكن جميعا على هوى اللوبي الإسرائيلي في مناسبة أو أخرى، لكن هذا الاتجاه أصبح نادرا في أيامنا هذه برغم أن القيمة الاستراتيجية التي تشكلها إسرائيل بالنسبة لأميركا اضمحلت إلى حد بعيد، كما يؤكد المؤلفان، وبرغم أن هناك من الإجراءات التي تتخذها إسرائيل ما يتعارض مع السياسة المعلنة للولايات المتحدة (ومن ذلك إجراءات إسرائيل في الأراضي المحتلة).

التقرّب إلى السلطة التنفيذية

المهم أن اللوبي الإسرائيلي يحرص على أن يمارس تأثيراته على الفرع التنفيذي، بمعنى الإدارة الحاكمة ابتداء من الهيئة الرئاسية في البيت الأبيض وليس انتهاء بدوائر الحكومة على المستويات الاتحادية والجهوية في طول أميركا وعرضها.

بيد أن التأثير عند المستوى الأعلى (البيت الأبيض) يتم من خلال ما يبذله اللوبي الصهيوني من جهود وما ينفذه من مخططات للتأثير تحديدا على الانتخابات الرئاسية الأميركية. وبرغم أن عدد اليهود صغير (أقل من 3 في المئة من مجموع سكان الولايات المتحدة) إلا أنهم يحرصون على تقديم تبرعات وهبات لصالح مرشحي الحزبين الرئيسيين.

وفي هذا الخصوص كتب هاملتون جوردان وكان رئيس ديوان الرئيس الأسبق يمي كارتر يقول: حينما تنظَّم حملة جمع أموال أو تبرعات في هذا البلد، فلسوف تجد أن اليهود الأميركيين يلعبون على ساحتها دورا بارزا وملموسا.

وها هي جريدة واشنطن بوست بكل أهميتها تؤكد أن مرشحي الرئاسة من الحزب الديمقراطي يعتمدون على مؤيديهم من اليهود لتأمين نسبة كبيرة من التمويل تتراوح بين 20 و50 في المئة.

حرص على المشاركة

إضافة إلى التبرعات يستمد اللوبي الإسرائيلي نفوذه وتأثيره من واقع حرص اليهود على التواجد بكثافة للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات ولاسيما في مناطق تركيز تواجدهم بولايات مهمة مثل نيويورك ونيوجيرسي في الشرق وفلوريدا في الجنوب وكاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة وهو ما يزيد من وزنهم من حيث تقرير شخصية الرئيس القادم للبلاد.

والأهم من ذلك أن هذه التبرعات، وهذا الحرص الشديد والدقيق والمنظم أيضا على التصويت، هو الذي يجعل أصوات اليهود من العوامل الحاسمة وخاصة عندما تتقارب النسب بين مرشحي الرئاسة المتنافسين، وهو ما يفسر حرص هؤلاء المرشحين على التقرب باستمرار من تجمعات اليهود.

هذا الأمر يفسر كذلك ما صدر من بيانات تحمل المؤازرة الشديدة والتأييد العميق لسياسات إسرائيل من جانب مرشحي الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2008 يستوي في ذلك المرشح الديمقراطي ون ادواردز أو المرشح الجمهوري ون ماكين.

وغاية الأمر ـ كما يكشف المؤلفان ـ أن كلا من المرشحين وغيرهما كانا يهدفان إلى تجنب المصير الذي لاقاه هوارد دين المرشح الديمقراطي في عام 2004 عندما أقدم على مغامرة سياسية خطيرة فكان أن اقترح يومها على أميركا أن تضطلع بدور محايد ومنصف بغير محاباة أو تحيز» في الصراع العربي ـ الإسرائيلي،

وما كان من خصمه السناتور (اليهودي) ليبرمان إلا أن اتهم هوارد دين بأنه يبيع إسرائيل عند منعطف الطريق وأطلق على دعوة المرشح دين صفة «اللامسؤولة»، والغريب أن الأمر لم يقتصر على هذا الحد، بل رأينا كل القيادات العليا من نفس الحزب الديمقراطي بمجلس النواب توقّع رسالة بالغة الحدّة تنتقد فيها التعليقات التي صدرت عن زميلهم

ثم تابعت الأمر صحيفة «واشنطن جويش ستار» التي كتبت تقول إن مواقع البريد الالكتروني لقادة اليهود في أميركا اختنقت بفعل سيول من الرسائل التي تحذر ـ كما زعمت الجريدة اليهودية الأميركية أن المرشح هوارد دين لو قُيض له النجاح في انتخابات الرئاسة سوف يكون فألا سيئا على إسرائيل بصورة أو بأخرى.

كيف خسر هوارد دين؟

الغريب في القصة أيضا أن المرشح دين المذكور أعلاه يعد من غلاة مؤيدي إسرائيل وهو ما يؤكده الأستاذان مؤلفا هذا الكتاب (ص164) لقد كان يردد أن آراءه عن الشرق الأوسط لا تتعارض بل تتوافق باستمرار مع طروحات لجنة الإيباك باعتبارها رأس حربة اللوبي الصهيوني في أميركا، ثم أن زوجة السيد دين شخصيا يهودية الديانة

وقد أنشأ الوالدان أولادهما نشأة يهودية وقصارى الأمر أن مرشح الرئاسة الديمقراطي لم يكن يجادل في دعم أميركا لإسرائيل بل كان يدعو (مجرد دعوة والله العظيم) إلى الجمع بين طرفيْ الصراع على صعيد ما

والى أن واشنطن يجدر بها أن تتصرف بوصفها الوسيط النزيه. ورغم أن هذه ليست فكرة راديكالية ولا هي متطرفة بطبيعة الحال، إلا أن جماعات اللوبي الإسرائيلي ـ كما يضيف كتابنا ـ لا ترحب بأي فكرة تدور حول الاستقامة أو عدم التحيز أو النزاهة عندما يكون المطروح هو الصراع العربي ـ الإسرائيلي. و هكذا خسر هوارد دين ـ فضلا عن أسباب أخرى ـ ترشيح حزبه الديمقراطي كي يخوض سباق الرئاسة الأميركية.

الصهاينة في رئاسة كلينتون

إلى جانب التأثيرات على السباق الرئاسي تتواصل جهود اللوبي الصهيوني في نشر وبث عناصره أو الموالين له ولإسرائيل وخاصة من اليهود داخل دوائر الحكم والإدارة في واشنطن، ولهذا كانت إدارة كلينتون السابقة في البيت الأبيض تضم مسئولين كبارا عمدوا إلى تشكيل علاقات أوثق مع إسرائيل بما يحقق مصالحها (على حساب الجانب العربي والفلسطيني بطبيعة الحال)

وأبرز نموذجين في هذا الصدد ـ على نحو ما يوضح الكتاب ـ هما مارتن أنديك الذي كان عضوا مؤثرا في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض ثم ابتعثوه سفيرا في إسرائيل وبعدها عينوه مساعدا لوزير الخارجية.

والثاني هو دنيس روس الذي اختاره كلينتون مبعوثا إلى الشرق الأوسط والمشكلة لم تكن في أنه رغم أن هذين المسئولين ـ ومن في حكمهما ـ كانوا يتصرفون بقدر معقول من الحرص كموظف عام لدى الحكومة الأميركية،

إلا أن الخطر ظل يتجلى في الحقيقة التالية:أن مشاعرهما التي كانت معروفة من التعاطف العلني مع إسرائيل كانت تبعث على التشكك في قدرة الإدارة في واشنطن على أن تسلك سبيل الفاعلية في التعامل مع القضية. والمشكلة أيضا أن هذه الظاهرة أدت إلى تفاقم الأوضاع مع مجيء إدارة الرئيس بوش إلى الحكم

حيث أتى في ركابها مسئولون من صقور المحافظين الجدد من ناحية وكانوا من غلاة مؤيدي الجانب الإسرائيلي من ناحية أخرى، ويكفي استعراض أسماء من قبيل: اليوت ابرامز، ون بولتون، بول وولفويتز، دوغلاس ؟يت، ريتشارد بيرل، وهؤلاء المسئولون هم الذين ظلوا يضغطون ـ

كما يؤكد الكتاب ـ باتجاه تنفيذ سياسات تؤيد إسرائيل وتؤازرها على طول الخط (والذي لم يضفه المؤلفان في هذا السياق بالذات) أن هذه الضغوط لم تقتصر على مساندة وتبرير كل تصرفات وإجراءات إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني بل انصرفت أيضا إلى التحريض على غزو العراق ومنذ فترة مبكرة سبقت حتى أحداث 11 سبتمبر عام 2001.

لم تقتصر نشاطات اللوبي الصهيوني على عنصر التعيين للمسئولين المؤيدين لإسرائيل في شتى مواقع وجزر السلطة بالإدارة الحاكمة في واشنطن بل امتد هذا النشاط ليشمل عنصر الاستبعاد و«التفنيش» والفصل والنبذ لأي عنصر يرتبط اسمه أو سيرته ولو من بعيد، ولو في غمار الشائعات بأنه لا يؤيد إسرائيل، أو لا يتعاطف معها.

يوضح الكتاب كيف وقع اختيار الرئيس الأسبق كارتر على ور بول ليكون أول وزير لخارجيته، ولكن تم استبعاد الرجل رغم كفاءته بعد أن قيل إنه ناقد لإسرائيل وأنه لن يكون محل قبول من جانب اللوبي الصهيوني.

وفي عام 1995 عينوا البروفيسور ريتشارد ماريوس الأستاذ بجامعة هار؟ارد ضمن هيئة المكتب التابعة لنائب رئيس الدولة آل جور ولكنهم فصلوه بعد فترة وجيزة بعد أن اتهموه بأنه نشر مقالا يحوي مراجعة، مجرد مراجعة لكتاب اشتموا منها رائحة معاداة السامية بمعنى كراهية اليهود.

وفي عام 2001 عينوا ألينا رومانوفسكي لتولي مسؤولية الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، لكن دوائر البنتاغون العسكرية رفضت هذا التعيين، وكان السبب هو: نقص التأييد لإسرائيل،

وعينوا بدلا من ذلك اليوت ابرامز الذي يصفه مؤلفانا بأنه لا يمكن أن يكون موضوعيا (منصفا أو محايدا) في أي شيء يتعلق بإسرائيل، ويومها هللت صحيفة هآرتس الصهيونية حين كتبت تقول: إن تعيين ابرامز جاء هبة من لدن السماء. هكذا استطاع اللوبي أن يتغلغل بين أطياف وتلافيف السلطتين التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة.

التأثير على الإعلام

لكن الولايات المتحدة هي رغم كل شيء بلد ديمقراطي، وبمعنى أن الرأي العام في ذلك البلد قوة لها قيمتها وينبغي أن يحسب لها حساب، وهذا الرأي العام تصوغه وتكاد توجهه وتحركه وسائل الإعلام بكل سطوتها وقدراتها في أميركا.

وهذه السطوة الإعلامية هي التي تشكل التأييد أو المعارضة لما يوصف بأنه الشأن العام، أو هو الخطاب السياسي السائد في البلاد. لذلك كان من مخططات اللوبي الإسرائيلي ليس مجرد النفاذ إلى أو حتى التأثير على هذا الخطاب العام في أميركا، لقد آل هذا اللوبي الصهيوني على نفسه أن يحقق أو يحاول أن يحقق الهيمنة على الخطاب العام.

هذا ما يؤكده المؤلفان، وهذا هو تحديدا العنوان الذي اختاراه للفصل السادس من فصول هذا الكتاب. في هذا الفصل يستعيد الأستاذان والت وميرشايمر مقولة المفكر الإعلامي الشهير مارشال ماكلوهان بأن «الوسيلة هي الرسالة» ولكنهما يحولانها إلى مقولة تتعلق طبعا باللوبي الإسرائيلي في أميركا لتصبح كما يلي: وسائل الإعلام هي الرسالة.

ويفسران هذا التحوير أو التجديد على النحو التالي (ص169): من محاور الحفاظ على الاتجاهات الإيجابية بين صفوف الرأي العام الأميركي المؤيدة لإسرائيل، العمل باستمرار على ضمان أن تظل التغطية الإعلامية في عموم وسائل الإعلام الأميركية بشأن إسرائيل والشرق الأوسط تسير باستمرار باتجاه التأييد لإسرائيل وعدم التطرق ولا حتى النقاش أو التساؤل عن دعم ومساندة أميركا لإسرائيل بأي حال من الأحوال.

وعندما يحدث أن تصل أي انتقادات جادة ضد إسرائيل إلى وسيلة إعلام أميركية هنا أو هناك يكون الرد الفوري متمثلا في أن تزداد انتشارا وقوة نغمات تأييد تل أبيب والتهليل لديمقراطيتها.

متابعة لا سيطرة

مع هذا كله فليس صحيحا في نظر مؤلفي هذا الكتاب المقولة الرائجة والمتواترة بأن اليهود «يسيطرون» على وسائل الإعلام الأميركية، بل الصحيح في رأيهما أن اللوبي الإسرائيلي يواصل بغير كلل أو ملل رصد ما تنشره وسائل الإعلام الأميركية عن إسرائيل ومن ثم يحرص باستمرار على التأثير في الرسالة الإعلامية.

ويرجع هذا التأثير أيضا إلى أن معظم المحللين والمعلقين في مضمار الإعلام الأميركي هم أصلا في صف إسرائيل أو هم معجبون بها. وفي هذا المضمار توصلت دراسة أجريت عام 1976 عن جماعات المصالح في أميركا ودورها في سياسة الشرق الأوسط إلى ما يلي: إن من العقبات الكأداء بوجه الجماعات المؤيدة للعرب في الولايات المتحدة

ما يتمثل في فشل هذه الجماعات في الحصول على تأييد أو تعاطف أو تفهّم من جانب مشاهير الكاتبين والمحللين السياسيين الذين تتناقل الصحف الأعمدة والتحليلات التي ينشرونها على المستوى القومي في أميركا، ويرجع ذلك أيضا إلى أن أنشطة اللوبي الإسرائيلي تتجه إلى كل مستوى إعلامي في أميركا ما بين المستوى القومي (الفيدرالي) إلى المستويات الإقليمية والمحلية،

وما بين وكالات الأنباء الدولية إلى مصادر الأخبار الجهوية تزويدا لها بأخبار وحكايات ومواضيع وصور فوتوغرافية، وهو ما عجز عنه الجانب العربي وكان لابد وأن يفضي بالضرورة إلى تعزيز صورة وآراء الطرف الإسرائيلي ـ الصهيوني في الصراع.

في هذا السياق أيضا يضرب المؤلفان مثلا من صحيفة مرموقة وهي نيويورك تايمز، فرغم سمعتها المهنية المحترمة كمصدر للأخبار والتحليلات، إلا أن كبار كتّابها ومحلليها ما برحوا يعزفون معا نغمة التأييد لإسرائيل بغير انقطاع.

هنا يوضح المؤلفان كيف كان ويليام سافير وزميله م. روزنتال من غلاة المدافعين عن إسرائيل (روزنتال نصب نفسه محاميا إعلاميا عن شارون بالذات) وكيف أن دي؟يد بروكس يترافع في مقالاته عن مواقف الكيان الصهيوني.

ورغم أن توماس فريدمان يوجه انتقادات أحيانا إلى مواقف لإسرائيل إلا أنه ـ كما يؤكد المؤلفان ـ لم يتخذ يوما موقفا مؤيدا للجانب الفلسطيني ولا كتب يوما ليدعو إلى أن تخفف أميركا من غلواء تأييدها لإسرائيل. ورغم أن نيكولاس كريستوف كتب في مارس 2007 مقالا

مثيرا للجدل يندد فيه بغياب الحوار الجاد بشأن علاقات واشنطن وتل أبيب إلا أن مقالاته تفتقر هي الأخرى إلى التطرق لقضايا الشرق الأوسط، ولم يؤثر عنه يوما أي تأييد للجانب الفلسطيني وهو نفس موقف كاتبة موهوبة ومقروءة هي مورين دود التي قلما تكتب شيئا تنتقد فيه الكيان الإسرائيلي.

بين التايمز والبوست

في الحديث عن نيويورك تايمز، وهي إحدى أكبر صحيفتين مؤثرتين على الرأي العام بالولايات المتحدة يوجز المؤلفان في عبارة تقول: وهكذا فنحن لا نجد من كاتبي الأعمدة الثابتة في «التايمز» محللا كتب مدافعا عن الفلسطينيين ولا حتى كتب مناديا باتباع جادة التوازن، الإنصاف، الحياد النزيه في التعامل مع جانبي الصراع في الشرق الأوسط، وذلك منذ أن تقاعد الكاتب أنتوني لويس في عام 2001.

الصحيفة الكبرى الثانية هي بداهة واشنطن بوست، ومعظم كتابها الكبار مؤيدون للجانب الإسرائيلي (هوغلاند، كاغان، ور ويل مثلا) بل أن البوست دأبت على النشر لاثنين من صقور المحافظين الجدد (كيللي وويليام كريستول) ولم يقتصرا على الدفاع عن توجهات إسرائيل بل تعدى أمرهما إلى تبني سياسات جماعات الليكود الصهيونية بكل عدوانيتها وعنصريتها (وإنكارها لأي حق للعرب ـ الفلسطينيين).

مرة أخرى يوجز الكاتبان رأيهما بالنسبة لكبريات وسائل الإعلام ومنابر الرأي في أميركا، حيث يقولان على صفحة (177): لا يوجد في أميركا أي كاتب أو معلق أو محلل سياسي من طراز الكاتبين (الانجليزيين) روبرت فيسك أو باتريك سيل اللذين كثيرا ما يوجهان انتقاداتهما الحادة الثاقبة إلى إسرائيل، بل ولا يوجد في أميركا من يضاهي ما ينشره داخل إسرائيل ذاتها من انتقادات معلقون من طراز أميرة هاس أو عكيفا الدار أو جدعون لي؟

أو برادلي بيرستون، والمسألة لا تتمثل فيما إذا كان من ينقد أو يهاجم أو من يؤيد ويهلل مخطئا أو مصيبا على طول الخط. المسألة ـ كما يؤكد المؤلفان - هي «أن أصواتا على شاكلة هؤلاء المنتقدين غائبة تماما عن كبريات الصحف الأميركية».

ولا عجب إذن أن يعلن بغير مواربة نورمان بودروتز وكان يرأس تحرير مجلة «كومنتري» الصهيوينة الهوى والنشاط قائلا في اجتماع صحفي ـ صهيوني طبعا - بالقدس المحتلة: دور اليهود الذين يكتبون في الصحف اليهودية أو الصحف العمومية هو الدفاع عن إسرائيل وليس الانضمام إلى صفوف من يهاجمونها.

أما مارتن بيرتز رئيس تحرير مجلة «ذي نيورببلك» الأميركية فلم يستح بدوره أن يعلن قائلا: أيها السادة، أنا واقع في غرام إسرائيل. وللتعبير عن هذا الغرام فإن مجلتي تتبع نهجا أقرب إلى الالتزام الحزبي.

اتهامات للإذاعة

هكذا استطاع اللوبي الصهيوني التغلغل لدرجة السيطرة أحيانا في كبريات الصحف والمطبوعات الأميركية، لكن المؤسسة التي استعصت على مؤامراته ـ فيما يبدو ـ كانت الإذاعة القومية بالولايات المتحدة الممولة حكوميا والمستقلة مهنيا.

ولأن هذا الراديو القومي ينأى بنفسه عن أهواء التحيز وأجندات جماعات المصالح (ومنها اللوبي) فقد استحق لوم اللوبي لمجرد أن الإذاعة القومية الأميركية حاولت أن تنطلق من شرف مهنة الإعلام فكانت تقدم صورة محايدة أو منصفة تعكس فيها رأي (ومعاناة) الجانب الفلسطيني في صراع الشرق الأوسط.

من هنا استحقت هذه الموضوعية الإعلامية غضبة اللوبي الإسرائيلي الذي أعمته بصيرة التعصب سوى عن رؤية إسرائيل. وهكذا أطلق اللوبي الصهيوني على الإذاعة القومية الأميركية وصفا مغايرا وطريفا هو: الإذاعة القومية الفلسطينية!!.

عرض ومناقشة: محمد الخولي