في مرحلة شديدة الخطورة وعالية الحساسية من حياة الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات، تمر الذكرى التسعون لوعد بلفور المشؤوم الذي شكّل نقطة البداية في بناء المداميك الأولى للمشروع التوسعي الاستيطاني الكولونيالي التهويدي الصهيوني للأرض الفلسطينية.
وبداية الرحلة المستمرة من تراجيديا العذاب الفلسطينية، التي توجت عام 1948 بإقامة الكيان الصهيوني على أنقاض المساحة الأكبر من أرض فلسطين التاريخية، وعلى دماء عشرات الآلاف من أبناء فلسطين الذين سقطوا منذ حملات التطهير العرقي الصهيوني سنتذاك وحتى الآن، مروراً بحروب العام 1956 والعام 1967 حين انقضت القوات الصهيونية على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة. كما تمر ذكرى وعد بلفور الذي أعطى الحق لما لا يستحق، والشعب الفلسطيني على أبواب مرحلة جديدة من الاستحقاقات الراهنة مع تزاحم المشاريع الإسرائيلية الصهيونية الجارية الآن لتهويد الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 وإحكام السيطرة الكاملة على مدينة القدس وتطويقها بالكتل الاستيطانية،
فضلاً عن تزاحم رزم المشاريع السياسية التي تتوحد تحت عنوان رئيسي تتمثل خلاصته بالضغط على الحلقة الفلسطينية لدفع الطرف الفلسطيني للقبول بما هو أدنى بكثير من سقف الشرعية الدولية، سقف القرارات التي أجمعت عليه شعوب الأرض والأمم المتحدة كشرط لازم من أجل إرساء سلام العدل والمساواة على أرض فلسطين التاريخية.
وفي الذكرى التسعين لوعد بلفور المشؤوم، وفي العقد العاشر لصدوره تتحدد أهمية إجراء القراءة التاريخية التي هيأت المناخات، ودفعت بوزير خارجية بريطاني اللورد جيمس أرثر بلفور لإطلاقه، والنتائج التي ترتبت عليه،
والقوى العالمية التي ساعدت وهيأت لصدوره عبر الضغوط إما على الدولة العثمانية ومحاولة إغرائها بالمال للقبول بهجرة اليهود إلى فلسطين، أو على العرب بعد الوعود التي وعدوهم بها لقيام دولة عربية مستقلة، ونكثهم بتلك الوعود، واتفاق قوة المال الصهيونية مع الحكام الألمان للضغط على اليهود من أجل دفعهم للهجرة إلى فلسطين.
الأهداف المباشرة وغير المباشرة
ففي العودة للوقائع التاريخية، تبنت كل من إنجلترا وفرنسا منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين المساعي التي أطلقها تيودور هرتزل لإنشاء كيان يهودي على أي بقعة أرض فوق المعمورة حتى لو كانت في أوغندا، وتعاظم الاهتمام الأنكلو فرنسي بمشروع هرتزل بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية،
فاتخذت كلاً منهما سياسة مضمرة عنوانها اقتسام التركة العثمانية أو ما كان يطلق عليه آنذاك تركة الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية ـ التركية). فالصراع احتدم في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين واستطاعت بعض هذه الدول أن تقضم هذا الجزء أو ذاك،
وتحديداً في الجزيرة العربية وبلاد الشام والرافدين، علماً أن يكون الصراع جديداً بين الدول الإمبريالية على ما كان يطلق عليه وبعد مفاوضات دبلوماسية وصفها البعض حينذاك ب«الحرب الباطنة «وهي المفاوضات التي دارت بين لندن وباريس وبتروغراد (بطرسبورغ حالياً) تم الاتفاق بين الدول الثلاث على تقسيم التركة العثمانية بحيث تستولي كل دولة على القسم الأهم مما كانت تتوق إليه.
وبموجب الاتفاق تحددت حصة روسيا بعدد من الأميال إلى الداخل على ضفتي البوسفور وبقطعة كبيرة من شرق الأناضول، في حين فازت فرنسا بالقسم الأكبر من سوريا الطبيعية، وسيطرت بريطانيا على سوريا الجنوبية حتى العراق، إلا أن المكائد الأنكلو فرنسية تجاه الدولة السوفييتية دفعت بقادة الثورة البلشفية في الاتحاد السوفييتي لفضح صفقة تقاسم بلاد الشام والرافدين والمعروفة باسم اتفاق (سايكس بيكو) عندما سرب السوفييت وقائع الاتفاق الذي دعا لتقسيم بلاد الشام وتمزيقها إلى كيانات أربعة.
وما سرع من مفاعيل اتفاق (سايكس بيكو) اندلاع الحرب العالمية الأولى وتزايد حدة الأصوات التي انطلقت مفتعلة ما يسمى ب(المسألة اليهودية في أوروبا) فكان تحالف رأس المال اليهودي مع مراكز القرار الأوروبي والتلاقي مع إرادة المستعمر البريطاني،
كما تولدت المصالح المشتركة ذات البعد الاستراتيجي، ففي الأساس كانت بريطانيا قلقة من هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية باتجاه الغرب والولايات المتحدة فوجدت إنجلترا أن لها مصلحة في توظيف هذه العملية في برنامج توسعها في الشرق الأوسط،
فحولت قوافل المهاجرين إلى فلسطين بعد صدور الوعد، وقدمت كل التسهيلات اللوجستية والأمنية والعسكرية للمهاجرين اليهود وعملت على تحصين عمليات استيطانهم فوق الأرض الفلسطينية، من خلال توفير الحماية لهم والمساعدة اللازمة.
وعليه ولد الجنين السام تحت عنوان وعد بلفور اللئيم لإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين كقاعدة متقدمة للهيمنة الأوربية المستديمة على قلب منطقة الشرق الأوسط، وعلى مقربة من خزان ومنابع الطاقة،
فقد أرسل اللورد بلفور رسالته الشهيرة إلى الزعيم الصهيوني ورجل المال والممول اللورد روتشيلد التي أرسلها باسم «حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى «وفيها يشير بلفور إلى سعي» حكومة جلالة الملك لبناء كيان يهودي على أرض فلسطين». وانطلاقاً من المعطيات إياها من الممكن أن نلخص دوافع إصدار وعد بلفور فنقسمها إلى جوهري وثانوي،
فالجوهري كان رؤية ممكنات البرنامج الصهيوني في توطيد مواقع الإمبريالية في الشرق الأدنى (تسمية بريطانية قديمة لبلاد الشام وتركيا والمشرق العربي) وصد الحركة القومية العربية الناهضة آنذاك وإجهاضها إن أمكن. أما الثانوي الآني فهو تفويت الفرصة على الإمبريالية الألمانية لكسب الصهيونية، والاستفادة من تأييد من يمكن جذبهم من اليهود لقضية الحلفاء وخاصة في الولايات المتحدة.
وعليه، إن سياسة بريطانيا كانت قبيل الحرب الكونية الأولى وفي الفترة التي تلتها بالنسبة للمشرق العربي، تقوم على أساس إدامة السيطرة الغربية المطلقة لمدد طويلة جداً، فكان إيجاد كيان يهودي سياسي في فلسطين تعبيرا عن رؤية استراتيجية بعيدة، حيث اعتقد بلفور وونستون تشرشل بأنه سيظل خاضعاً لنفوذهم ودائراً في فلكهم وبحاجة لحمايتهم ورعايتهم وسيكون في المستقبل مصدر إنهاك وتمزيق للكيانات العربية،
وخط دفاعي عن الشريان البحري في العالم والمتمثل بقناة السويس، وبذا أضحت الحركة الصهيونية عاملاً ذا قيمة في الحسابات الأوربية تقر به دول العالم (الكبرى) فأعلنت حينها أربع دول غربية كبرى عن دعمها وإسنادها لفكرة الصهيونية و«أسطورة أرض الميعاد»،
والاعتراف باليهودية كقومية وليس كدين وهو ما يتناقض مع حقيقة الأشياء، في اعتقاد يناقض بكل الأحوال انتماءات اليهود وحقوق المواطنية التامة التي اكتسبوها في بلادهم الأصلية في أوربا وباقي بلاد العالم.
بينما كانت الولايات المتحدة في وضع آخر وحتى ذلك الوقت كان أنصار المنظمة الصهيونية داخلها عبارة عن مجموعات صغيرة ما لبثت أن تنامت تحت وطأة المتغيرات التي فرضتها الحرب الكونية الأولى.
ولذلك ما إن وقعت الحرب الأولى في عام 1914 بين كتلتين من الدول الإمبريالية: بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية من جهة، وألمانيا والنمسا وتركيا من ناحية أخرى حتى اشتدت حالات الاستقطاب والتمركز اليهودي تحت عنوان قومي في المنظمة الصهيونية،
وتم تشكيل نواة الفيلق اليهودي الذي استمر وشارك في الحرب الكونية الثانية إلى جانب قوات الحلفاء ولعب دوراً بارزاً في تشكيلات الهاغانا الصهيونية إبان سقوط فلسطين عام 1948، وفي الجانب الآخر من الموقف الصهيوني برز الاتجاه الأضعف الذي دعا إلى إبقاء الود العالي مع إنجلترا فترة الحرب العالمية الأولى وإلى تجميد عمل الصهيونيين والترقب دون التدخل في أي شيء والاكتفاء بنشاط بنك الاستعمار اليهودي.
أيديولوجيا الصهيونية
لقد استطاعت الحركة الصهيونية بلورة المشروع الاستيطاني في خطوات أوصلتها لانتزاع وعد بلفور المشؤوم وما ترتب عليه، فالحركة الصهيونية، كجسم سياسي منظم، هي من صنع تيودور هيرتزل (1860 ـ 1904)، اليهودي المجري، الذي نشر في سنة 1896 كتابه «دولة اليهود»، وعرض فيه مفهومه لجذور «المسألة اليهودية»،
وبالتالي وجهة نظره في حلها، عبر إنشاء «أمة يهودية «مستقلة، على ارض تمتلكها. والمنظمة التي أسسها في المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام 1897 كانت من اجل تحقيق ذلك الهدف، ومن خلالها تحرك هيرتزل بين التجمعات اليهودية في أوربا، كما على الساحة السياسية الدولية، داعياً إلى مشروعه.
ورأى في المحصلة المسألة اليهودية قضية دولية، وعليه، يجب حلها في هذا الإطار، ومن على منبر السياسة الدولية. وادعى أن مسألة اليهود في العالم تخص جميع شعوبه، وبالتالي فعلى الأمم المساهمة في حلها، وواجبه هو وضع المسألة في جدول أعمال السياسة الدولية، لبناء وطن قومي لليهود على أي بقعة أرض مناسبة،
ففلسفة هرتزل قامت على محاولاته لتشكيل واصطناع «أمة وقومية يهودية «تجمع اليهودي» الأوروبي الأبيض مع اليهودي العربي الحنطي اللون إلى جانب اليهود الفلاشا من الزنوج، وهو ما يتناقض مع فكرة الأمة والقومية، ومع حقائق المنطق والتاريخ.
ما إن وضعت الحرب تركة الإمبراطورية التركية على جدول الأعمال حتى تقدم اليهودي الشهير هربرت صموئيل الذي اشترك في الوزارة البريطانية في هذه الفترة وكان أول مندوب سام بريطاني في فلسطين فيما بعد بمشروع يقوم على ضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية وزرع ثلاثة أو أربعة ملايين يهودي فيها وبذلك يتحقق حلف بين الفريقين يخدم مصالح بريطانيا والغرب في نهاية المطاف.
من جهتها، وفي سياق تحالفاتها مع الغرب الأوروبي، بنت الحركة الصهيونية مداميك «أيديولوجيتها» على أساس من الرواية الميثولوجية المستندة للخرافة، وطورتها من القبول بأي بقعة جغرافية في العالم (في أوغندا أو غيرها) كوطن قادم «للشعب اليهودي» إلى المناداة باستعمار واستيطان أرض فلسطين باعتبارها ب«أرض الميعاد» لاستقطاب
وجذب أوسع القطاعات من يهود أوروبا وخصوصاً يهود أوروبا الشرقية في بولونيا والبلطيق وروسيا وأوكرانيا ودغدغة مشاعرهم الدينية وحدا بالحركة الصهيونية أن حاربت بقوة سخرية اليهود الأرثوذكس التي كانت الصهيونية بالنسبة إليهم محاولة كافرة لاستباق المسيح،
كما حارت قطاعات من المثقفين اليهود في الغرب الذين رأوا في الصهيونية محاولة خطرة لإشغال اليهود بشوفينية قد تجلب لهم الكوارث وتزعزع استقرارهم كمواطنين في دولهم وبلدانهم الأم، ودعوا اليهود للتحرر المدني والعمل للفوز بحقوق الأقليات الاثنية (وليس القومية) في التركز الإقليمي واللغة والثقافة.
الاستراتيجية من بلفور حتى الآن
وفي إطار برامجها وخططها، اشتقت الحركة الصهيونية سياسة براغماتية عالية المرونة، وآمن أبرز دعاتها ومنظريها بسياسة المراحل والخطوة خطوة، فدعا بن غوريون للاستيلاء على فلسطين دونماً بعد دونم وشجرة بعد شجرة،
وكان قد دعا من قبله أحد أبرز عتاة الصهيونية فلاديمير جابتونسكي (ابراهام ترمبلدور) لحلول مرحلة مع الفلسطينيين والتشارك معهم في دولة وكيان واحد كحل مرحلي يمكّن اليهود من الإجهاز اللاحق على الفلسطينيين.
إلا أن التطورات التي عصفت بالأوضاع الدولية وانتصار الحلفاء في الحرب الكونية الثانية، وتفكك الحالة العربية وعجزها عن مواجهة سياسة الأمر الواقع الاستيطانية التي صنعتها بريطانيا وسلطات الانتداب على أرض فلسطين، دفعت غلاة الصهاينة للتشدد أكثر فأكثر وإعادة، والإيغال في عمليات التطهير العراقي. وفي الوقت الحاضر نلحظ السمات ذاتها للسياسة التي زرعها وكرسها رسل الحركة الصهيونية، فحكومات إسرائيل المتعاقبة مازالت تواصل نهجها القائم على المراحل في تمويت مسيرة تسوية أوسلو مع الفلسطينيين.
لقد تجلت نتائج وعد بلفور اللئيم في ضياع الأرض وتشتيت الشعب صاحب الحق التاريخي، عبر عمليات التهجير والطرد القسري فقامت على أنقاضه «دولة إسرائيل» التي تعتبر الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بالقوة وباستيراد البشر من كل مكان واستيطانهم بعد إجلاء وسلب الأرض من أصحابها الشرعيين.
ورغم أن الأمم المتحدة قد أقرت تقسيم فلسطين وفق القرار 181 لعام 1947 (في ظل ظروف ومعادلات دولية معروفة) الذي خصص للدولة العبرية اليهودية بحدود 5893 ميلاً مربعاً بنسبة 47. 56% من مساحة أرض فلسطين التاريخية مرتبطاً ببقاء كل الفلسطينيين، حيث هم على أرض وطنهم داخل وخارج حدود التقسيم، فضلاً عن إقامة الدولة العربية الفلسطينية على الأجزاء الباقية من أرض فلسطين البالغة بواقع 4476 ميلاً مربعاً بنسبة 88. 42% من أرض فلسطين التاريخية، مع جيب دولي صغير في منطقة القدس مساحته 68 ميلاً مربعاً بنسبة 65. 0%.
إلا أن الدولة الصهيونية لم تحترم حتى حدود هذا القرار، حيث تعد إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي أقيمت بقرار دولي، فتجاوزته بالاستيلاء على أغلبية أرض فلسطين التاريخية واستتبعت ذلك بالاحتلال الكامل لها عام 1967.
مأساة التطهر العرقي
في السياق ذاته كان إسحاق رابين قد كشف في كتابه (ملف خدمة) وقائع طرد أبناء الشعب الفلسطيني من على أرضهم، حيث كان رابين ضابط عمليات قوات البالماخ الصهيونية (الصاعقة) التي احتلت وسط فلسطين في منطقة اللد والرملة،
وأشرف رابين شخصياً على طرد أكثر من 80 ألف فلسطيني بالمذابح وقوة النار. في الوقت الذي قاد فيه «إيغال ألون» حملته على لواء غزة وبئر السبع ولاحقاً لواء الجليل ومدينة صفد، بعمليات الترانسفير التي تواصلت على امتداد الأرض الفلسطينية عشية نكبة 1948.
وفي الحديث المباشر عن الأرض الفلسطينية، وعن عمليات التهجير والإجلاء القسري للفلسطينيين عن أرض وطنهم عام 1948، والاستيلاء الكامل على أملاكهم فضلاً عن إعلان قيام الدولة العبرية على أجزاء واسعة من أرض فلسطين،
من المهم الإشارة إلى أن أطرافاً إسرائيلية كشفت يوم (1997/ 12/ 22) بعض الخفايا عن عمليات التهجير القسرية وحملات التطهير العرقي الصهيوني التوسعية ضد الشعب الفلسطيني أخيرها وليس آخرها ماحدث في بلدة الطنطورة جنوب مدينة حيفا
حين كشف الباحث (تيدي كاتس)وقبله بسنوات طويلة أهالي البلدة عن وقائع المجزرة التي ذهب ضحيتها أكثر من 120 مواطناً فلسطينياً فضلاً عن تشريد مواطني البلدة بين مخيم طولكرم في الضفة الفلسطينية ومخيم اليرموك في دمشق.
كما كشفت المصادر ذاتها بعض التقديرات التي كان قد أعدها وزير الخارجية الإسرائيلي (موشيه شاريت) عام 1951 في جلسة الحكومة في الرابع من نوفمبر العام نفسه. حين أشار شاريت إلى أن تقديرات قيمة الممتلكات الثابتة فقط وغير المتحركة للاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم آنذاك 69. 805 ألف لاجئ آنذاك تفوق مليار دولار وفق السوق المالية للعام المذكور، وبأرقام اليوم فإن الحديث يدور عن ستة مليارات من الدولارات قيمة الممتلكات المتحركة فقط دون احتساب الفوائد.
ويعلل شاريت تقريره المذكور لعام 1951، استناداً لما قدمته لجنة التوثيق التابعة للأمم المتحدة والمشكلة من دبلوماسيين من فرنسا وتركيا والولايات المتحدة، وهي اللجنة التي أقيمت وفق قرار الأمم المتحدة في (1948/ 10/ 11) وعقدت اجتماعاتها في لوزان ولندن وباريس.
وكان على اللجنة أن تعمل على تنفيذ قرار الأمم المتحدة وحل قضية اللاجئين بعودتهم إلى وطنهم فلسطين. واستناداً إلى موقف اللجنة أنشأت الأمم المتحدة وكالة الإغاثة الدولية، لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى حين عودتهم وتنفيذ القرار اللاحق الذي حمل الرقم 194.
ويمكن العودة إلى الملف الدولي رقم 245 للاجئين الفلسطينيين الصادر في لندن عام 1993، حيث نلحظ بوضوح الحجم الكبير من الخسائر المادية والمعنوية التي أصابت الشعب الفلسطيني جراء نكبة 1948، واستناداً إلى المصدر ذاته فإن مجموع ما امتلكه اليهود من أرض فلسطين عام 1921 مثلاً لم يتجاوز 660 ألف دونم من الأرض، وهم يمثلون 7. 10% من السكان (9. 90 ألف نسمة)،
بينما امتلك المواطنون الفلسطينيون 94. 26 مليون دونم من الأرض، وهم يمثلون 3. 89% من السكان (758 ألف نسمة). وبلغ عدد سكان فلسطين في مايو 1948» 11500. 2 مواطن، منهم 38000. 1 مواطن عربي و000. 700 يهودي وفق إحصاءات سلطات الانتداب البريطاني.
قبل وبعد تقسيم فلسطين
ووفق الوثائق البريطانية والملف الدولي للاجئين رقم 245 الصادر في لندن عام 1993، ففي عام 1947، وقبل تقسيم فلسطين كان عدد سكان فلسطين مليونا و450 ألف نسمة من المواطنين العرب الفلسطينيين، وبملكية عربية للأرض الزراعية والعقارية تتجاوز مساحتها 5. 26 مليون دونم، ونحو450 ألفاً من اليهود بملكية لا تتجاوز 95 ألف دونم من الأرض، ومنهم 152 ألف يهودي عاشوا مع الشعب الفلسطيني وحملوا الجنسية الفلسطينية والعدد الباقي 498 ألفا دخلوا إلى فلسطين خلال مرحلة الانتداب البريطاني.
وبعد قرار التقسيم وبفعل الهجرة اليهودية المتواصلة أصبح اليهود يشكلون 23% من السكان لكونهم مواطنين فلسطينيين، والعرب 67%، بملكية عربية تبلغ 25 مليون دونم، أما الأرض التي تم استملاكها من قبل اليهود بعد تقديمها من قبل سلطات الانتداب البريطاني للوكالة اليهودية،
وهذا ما يشير إليه ملف المفوضية البريطانية في القدس والملف الدولي للاجئين رقم 245 الصادر في لندن، حيث بلغت مساحة هذه الأرض 581 ألف دونم من إحدى عشرة مدينة. ومع نكبة فلسطين عام 1948 فقد تم تهجير واقتلاع وتدمير 532 قرية وبلدة ومدينة فلسطينية، وتم مسح عدد كبير منها من الوجود وأقيم مكانها المستعمرات والمدن الاستعمارية اليهودية.
وتركزت عمليات التدمير والإجلاء والاستيلاء بشكل رئيس تجاه قرى مناطق شمال فلسطين في الجليل وطبرية والساحل، كما في منطقة اللد والرملة فضلاً عن منطقة القدس وشمال قطاع غزة. وبلغ عدد القرى المدمرة بشكل كامل 418 قرية وبلدة عدا أحياء كاملة في المدن المختلفة.
وكانت فلسطين تتشكل قبل النكبة من ستة ألوية تضم 15 قضاء: لواء الجليل: ويضم أقضية عكا، صفد، طبريا، الناصرة، بيسان. لواء حيفا: ويضم قضاء حيفا. لواء نابلس: ويضم أقضية جنين، نابلس، طولكرم. لواء القدس: ويضم أقضية القدس، رام الله، الخليل. لواء غزة: ويضم أقضية غزة، بئر السبع. لواء يافا: ويضم أقضية يافا، الرملة، اللد.
كما بلغ عدد القرى المدمرة وفق كتاب القرى المدمرة للدكتور وليد الخالدي 418 قرية وبلدة موزعة كما يلي: بئر السبع (3) قرى، بيسان (29) قرية، جنين (6) قرى، حيفا (51) قرية، الخليل (16) قرية، الرملة (57) قرية، صفد (77) قرية، طبريا (25) قرية، طولكرم (17) قرية، عكا (23) قرية، غزة (45) قرية، القدس (38) قرية، الناصرة (4) قرى، يافا (23) قرية.
وفق الوثائق الدولية للأمم المتحدة 1948 ـ 1954، ومجمل تقارير لجان الأمم المتحدة 1949 ـ 1995، وسجل وثائق الجامعة العربية، إضافة إلى الملف الدولي للاجئين الصادر في لندن عام 1993 تحت الرقم 245، فقد تم طرد 6461 ألف مواطن فلسطيني يشكلون 232 ألف عائلة متوسطة، عدد أفرادها 4 أشخاص، وذلك من أصل 5. 1 مليون نسمة سكان فلسطين العرب عام 1948، واستقرت عائلات اللاجئين في كل من الأردن وسوريا ولبنان وما بقي من فلسطين.
فضلاً عن ذلك، هناك اللاجئون فوق أرضهم وعددهم يفوق 159 ألفاً عام 1948، وهم الفلسطينيون الذين ألقت بهم الأقدار في مناطق فلسطينية أصبحت لاحقاً في إطار الدولة العبرية، خاصة في منطقة وادي اللجون، حيث تم لجوء أغلبية القرويين الفلسطينيين من قرى الوادي إلى مدينة أم الفحم.
والأمر ذاته ينطبق على الكثير من سكان منطقة الناصرة وشفا عمرو اللتين ضمتا عدداً واسعاً من لاجئي قرى منطقة حيفا وبيسان والناصرة والمثلث والجليل الأوسط، وقريتي أقرت وكفر برعم، وبهذا يصبح عدد اللاجئين الفلسطينيين حين وقوع النكبة يزيد على 069. 805 ألف لاجئ،
وباحتساب رقمي بالمعالجة الرياضية لمتوسط معدلات الخصوبة لدى الشعب الفلسطيني والبالغة 8. 3 وفق تقارير المفوض العام لوكالة الأونروا والمقدمة للسكرتير العام للأمم المتحدة في أغسطس من كل عام، فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين أصبح الآن يفوق 6. 4 ملايين نسمة، وهذا الأمر تشير إليه تقارير المفوض العام للوكالة الدولية بعد احتساب أعداد اللاجئين فوق أرضهم في مناطق 1948 (المسقطين أصلاً من كشوف اللاجئين ووكالة الأونروا).
وعند العودة إلى ملفات الوثائق الدولية التالية:
ـ ملف وثائق الملكية العقارية في فلسطين، وملف الخبراء الدوليين، وملف وثائق فلسطين في الجامعة العربية، وملف الدراسات التي قدمت للأمم المتحدة، والملف الدولي للاجئين الفلسطينيين 245 الصادر في لندن عام 1993، نجد أن القرويين الفلسطينيين قد خسروا مليوناً و400 ألف دونم من الأرض الزراعية المروية،
وثلاثة ملايين دونم من الأرض البعلية، و260 ألف دونم من بيارات الحمضيات، و78 ألف دونم من كروم الزيتون و52 ألف دونم من كروم العنب بمبالغ تقديرية آنذاك تفوق 445. 3 مليارات دولار، كما نهبت المواشي في الأرياف بتعداد 160 ألف رأس من البقر، و200 ألف رأس من الغنم والماعز، و42 ألف رأس من الخيول.
وبالنسبة للمتاجر فقد تم نهب 8500 متجر، وأكثر من 2600 حانوت، فضلاً عن 36 معصرة زيتون، ومعامل الدباغة والصابون والنسيج، وتم الاستيلاء الكامل على البيوت العائدة للاجئين وعلى أثاثها، ووضع اليد على أكثر من 117 ألف منزل في القرى و33170 منزلاً في المدن، وأكثر من 32200 دونم من الأرض العقارية المعدة للبناء في المدن، وفضلاً عن ذلك السيطرة بشكل رئيسي على المساحات الواسعة من أراضي الملكية العامة في فلسطين.
وكانت الدولة العبرية بعد أسبوعين من إعلانها قد شكلت لجنة الترانسفير لمنع العرب الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم، وتدمير القرى التي هجروها بشكل كامل، وإنشاء مستوطنات يهودية مكانها، وسن تشريع منع عودة أي لاجئ، واستتبع تشكيل لجنة الترانسفير بلجنة وزارية إسرائيلية للأملاك المتروكة والمنهوبة دعيت (دائرة أملاك الغائبين)، وبعد ذلك شكل ابن غوريون في 29 أغسطس 1948 لجنة ثالثة لمنع العودة نهائياً لأي لاجئ، حيث أوصت بتوطين اللاجئين في البلدان المضيفة، وفضلت العراق لأنه لا يملك حدوداً مع الدولة العبرية.
وخلاصة القول، إن وعد بلفور لم يكن سوى جريمة بكل ما للكلمة من معنى، وتتحمل بريطانيا خاصة والغرب عامة وزره ووزر ما اقترف بحق الشعب الفلسطيني، وهي الجريمة التي أدت بنتائجها إلى كارثة كبرى مازالت فصولها الدامية تتواصل كل يوم على أرض فلسطين من أقصاها إلى أقصاها مع سيل الدماء التي تتدفق كل يوم،
ومع سيل الكوارث التي لم تنقطع في صراع مستميت أضحى صراع العصر منذ أكثر من ستين عاماً مضى، ومازالت صفحاته مفتوحة، وستبقى مفتوحة إلى حين إنصاف الشعب الفلسطيني ورد الاعتبار لحقوقه الوطنية والتاريخية، وتقديم الاعتذار الأممي عن الجريمة والجرائم التي اقترفت بحقه.
علي بدوان
ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق

