يدخل الرئيس فلاديمير بوتين القاعة ويتقدمه، كالعادة، كوني، كلبه اللبرادور الأسود اللامع، وحشد من مساعديه والمصورين. يلقي التحية شخصياً على كل عضو من أعضاء وفد من مراقبي روسيا الأجانب، وهو يصافحهم بقبضة يد قوية وينظر إليهم مباشرة إلى أعينهم.

إن الرئيس الروسي يتقن هذه اللعبة. فهو قوي ويتمتع بالشعبية وهو زعيم بلد استطاع قيادته من الإفلاس واليأس إلى الغنى والقوة في أقل من ثماني سنوات. مؤخراً، قام بإحلال رئيس وزراء غامض محل آخر، وأطلق مراقبين للكرملين في روسيا وفي الخارج في سباق للوصول إلى مفاتيح لفهم ما قد يعنيه هذا الأمر للانتخابات الرئاسية، التي تفصلنا عنها ستة أشهر فقط، ولمستقبله الخاص.

يبقى بوتين وحكومته على الأسطورة القائلة إن هناك سباقاً حقيقياً جارياً، حيث أن هناك خمسة مرشحين بالفعل، بما في ذلك فيكتور زوبكوف، رئيس الوزراء الجديد. ولكن أحداً لا يشك في أن الرئيس المقبل سيتم اختياره من قبل بوتين نفسه.

كما أن بوتين لا يدع مجالاً للشك بأنه سيبقى في الصورة، وهو يقول مدركاً للتناقض بين أقواله على ما يبدو: «بطبيعة الحال، هذا عامل سيتعين على الرئيس المقبل أن يتعامل معه، سأبذل قصارى جهدي لضمان استقلاليته وفعاليته. لقد عملت طوال هذه السنوات لأجعل روسيا دولة قوية. ولا يمكن لروسيا أن تصبح قوية في ظل رئيس ضعيف».

ولكن كيف سيحتفظ بوتين بالسلطة في نظام جمع في إطاره جميع مستويات السلطة في الرئاسة؟ هل هو واثق من شعبيته بحيث أن بإمكانه الاستمرار في حكمه خلف الكواليس، على غرار ما قام به دينغ شياوبينغ في الصين، أم أنه قلق من أن خلفه قد يحول روسيا إلى اتجاه آخر؟ هل يعتبر زوبكوف، (66 عاماً)، وهو كادر إداري متقدم كان محققاً في الجرائم المالية، مرشحاً حقيقياً؟

بينما تضطرب موسكو بهذه الأسئلة، يتجه بوتين لقضاء يوم وسط الناس في منطقة بيلغورود الريفية، سائلاً إياهم عن حياتهم ومربتاً على أبقارهم، ويتم نقل كل ذلك بصورة مناسبة على امتداد روسيا من قبل شبكات التلفزيون الموالية. فالرئيس القوي فوق المنازعات السياسية.

والآن، نعود إلى منزل الرئيس المطل على البحر الأسود، أحد المجمعات الكثيرة التي ورثها القادة الروس من النخبة السوفييتية، يجلس بوتين في قاعة رحبة مع مجموعة المراقبين الأجانب، الذين نظمت زيارتهم نوفوستي، وكالة الأنباء الروسية الرسمية. ويقضي الساعات الثلاث التالية يذكر حقائق، وأرقاماً ودروساً.

إنه بارع للغاية في ذلك، كما كان بيل كلينتون، ومن الواضح إنه يستمتع بقيامه بذلك، حتى في إلقاء آخر نكتة. ولدى سؤاله عن محاباة الأقارب، يتذكر نادرة من نوادر عهد السوفييت: تقول «هل يمكن لنجل الجنرال أن يصبح جنرالاً؟ نعم. هل يمكن أن يصبح مارشالاً؟ لا، فالمارشال لديه أبناؤه».

إن المعنى الضمني واضح، فتلك الأيام الغريبة ولت وانقضت. وهو لا يتبرأ من الاتحاد السوفييتي، الذي عمل في ظله عميلاً للكي جي بي، ولكن روسيا التي يشير إليها مراراً وتكراراً هي دولة عظيمة وقوية وذات رسالة سامية تمتد جذورها إلى ألوف الأعوام الماضية. إنه هنا ليعيد مجدها، ونفوذها، وإيمانها وفوق ذلك كله، مكانها المناسب في العالم.

وذلك هو السياق الموحد لرئاسته، فروسيا ستصبح عظيمة وقوية. ويفسر ذلك التناقضات المتكررة في رؤية العالم التي يدافع عنها، فيتعين على روسيا أن تكون لها ديمقراطية قائمة على أحزاب متعددة، ولكن لا يمكن لها أن توجد من دون رئيس قوي. إن الاقتصاد حر، ولكن الدولة يجب أن تسيطر على ثروتها. إنه مستعد للتعاون مع الغرب، ولكنه يتحول إلى المواجهة بسرعة.

وهو يتخذ موقفاً عدوانياً من انتقاد الديمقراطية الروسية، والتي يراها خدعة غربية: «إذا كنت بحاجة إلى شيء من روسيا، فيتعين عليك التحدث عن الجوهر، وليس الاقتراب منها من زاوية أخرى. وإذا أردت حل قضية كوسوفو، فإنه يتعين عليك التحدث عن كوسوفو.أما إذا أردت التحدث عن القضية الإيرانية مع إيران، فتحدث عن إيران. وليس عن الديمقراطية في روسيا».

هناك أصداء واضحة للاتحاد السوفييتي في مزيج التهديد وعدم الاستقرار والكبرياء هذا. ولكن روسيا تحت رئاسة بوتين تعد بالقطع كياناً هجيناً جديداً. ليس هناك تهديد بحرب باردة جديدة، ولا أيديولوجية سيطرة على العالم. يستمتع الرئيس بمستوى من الشعبية والشرعية لم يتمتع به القادة السوفييت.

ويذهب غريغوري يافلينسكي، وهو سياسي معارض ينتقد الرئيس بشدة، إلى القول إنه مهما كان حكمه سلطوياً فإن بروزه يعد نتيجةً منطقية لخيبة الأمل القاسية للروس بعد انهيار الشيوعية ـ التضخم المفرط، و الحروب السياسية والمحسوبية والأزمة المالية في التسعينات، وعمليات الإذلال على يد الغرب.

والآن، للروس توليفة من الحريات الشخصية والرخاء الذي لم يمتعوا به من قبل. حيث يمكنهم السفر إلى الخارج والإبحار عبر الانترنت، وثقافتهم تزدهر، وبإمكانهم كسب الأموال. ماذا عن السياسة؟ هناك مشكلة في هذا الجانب، ولكن في روسيا الجديدة، مع متاجرها المتألقة وخطواتها السريعة، من الذي يهتم لذلك؟

هذه هي روسيا تحت رئاسة بوتين. بغض النظر عن كون ازدهار النفط مسؤولاً عن جانب كبير من نجاحاته، فقد جلب درجة من الاستقرار والفخر حيث فشل سلفه بوريس يلتسين، والديمقراطيون والغرب جميعهم. ولن يملي عليه أحد آراءه. ولن يتم دفعه باتجاه أو بآخر فيما يتعلق بإيران أو كوسوفو. وسيتم التعامل معه باحترام. لذا تطلعوا إلى المزيد من بوتين. وسنعلم قريباً في أي مظهر سيكون ذلك. وبأي هدف وأسلوب، ليس هناك أي شك في هذا الأمر.

ترجمة: كوثر علي - عن «نيويورك تايمز»