يكتسب الحديث مع وزير الخارجية الأميركي السابق، كولن باول، أهمية خاصة نظراً لما يتمتع به هذا الشخص من خبرة واطلاع واسعين على السياسة الخارجية الأميركية بدهاليزها ومطباتها وإخفاقاتها ونجاحاتها، خاصة وأنه شغل مهام منصبه في فترة مميزة في التاريخ الأميركي شهدت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في 2001 وما تبعها من غزو أفغانستان والعراق.
وكان شاهداً على الأخطاء التي ارتكبتها وزارة الدفاع بقيادة رامسفيلد في العراق والتي ما زالت الولايات المتحدة تدفع ثمنها غالياً. وقد أجرت مجلة «جي. كيو» الأميركية حواراً مطولاً مع باول أعرب فيه عن اعتقاده بأن الصورة الأميركية على امتداد العالم بحاجة إلى تغيير فوري وأكد أن كل الزيادات التي يتم إدخالها على أعداد القوات الأميركية في العراق لن تغير ما يجري حالياً في بغداد، وشدد مجدداً على سلسلة الأخطاء التي واكبت غزو العراق، وفي مقدمتها اختلال التناسب بين القوة الأميركية المستخدمة في الغزو والمهام التي كلفت بها هذه القوة، وفيما يلي نص الحوار:
* يعتبر مبدأ باول أحد وجوه الميراث الذي ستتركه للتاريخ. فكيف تعرّف هذا المبدأ؟
ـ إنه في جوهره يقول: تجنب الحرب، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، وكان من الضروري استخدام الأسلحة لحسم مشكلة سياسية، فقم بذلك بطريقة حاسمة، وعليك بإزالة أكبر قدر ممكن من الشك فيما يتعلق بالنتيجة. وبالإضافة إلى ذلك فلابد لك من مهمة محددة بوضوح ولابد لك من بعض الفهم للكيفية التي ستنتهي بها.
* يبدو أن الحرب الحالية في العراق قد انتهكت كل هذه المفاهيم تقريباً.
ـ لقد تحدثنا عن هذا قبل الحرب. وقدم العسكريون خططهم، وقد كنت وزيراً للخارجية، وبالتالي لم يكن هذا دوري، لكنني قلت إنه لا يبدو لي أن الخطط تقتضي قدراً كافياً من القوة لفرض إرادتنا أو قدراً كافياً من القوات للتعامل مع المشكلات التي قد تنشأ.
وبعد أحد الاجتماعات غمرني شعور كان من القوة بحيث سمحت لنفسي بالاتصال بالجنرال تومي فرانكس مباشرة وقلت له إني لدي شكوكي فيما يتعلق بتوافر القوة الكافية لتنفيذ الخطط، فقال إنه يعتقد أن القوة متوافرة ثم اتصل على الفور بدونالد رامسفيلد الذي قال إنه شيء جيد أنني أعربت عن اعتقادي هذا وتمت مناقشة الأمر مع الرئيس الأميركي الذي استمع إلى تأكيد من وزير الدفاع ورئاسة الأركان والقادة العسكريين بأنهم يشعرون بأن لديهم ما يكفي من القوات.
* هل كانوا محقين؟
ـ كانوا محقين بالنسبة للجزء الأول، الاستيلاء على بغداد، وأنا لم يكن لدي تساؤل حول القوة التي يتم الاحتياج إليها لتحقيق ذلك، ولكن سؤالي كان: «هل فكرتم فيما سيأتي عقب ذلك؟»، وهذا ما لم يحدث. وكانت تلك هي الغلطة الكبرى.
* هل تعتقد أن زيادة القوات الأميركية في العراق خطوة لها معناها؟
ـ يمكن أن تزيد القوات الأميركية في العراق كما تشاء لكنها لن توقف ما يجري في بغداد. إن جنودنا رائعون، ولكن المهام التي يكلفون بها غير قابلة للتنفيذ. وزيادة القوات الأميركية يمكن أن تنجح فقط مع وجود زيادة سياسية وعسكرية على الجانب العراقي.
* هل تشعر بأنك مسؤول عن إعطاء الأمم المتحدة معلومات خاطئة حول الوضع في العراق؟
ـ لم أكن أعلم أنها معلومات خاطئة فقد كان الجميع يستخدمها وكانت السي آي إيه تقوم بالشيء نفسه على امتداد عامين، وربما أكون قد قدمت أدق معلومات متوافرة لدى المخابرات الأميركية في ذلك الحين عن الوضع في العراق. ولكن تبين فيما بعد أن الجانب الأعظم من هذه المعلومات لم يكن صحيحاً وأنا آسف لذلك.
* هل تم التلاعب بهذه المعلومات؟
ـ لم أقم أنا بذلك. حيث أنني استخدمت معلومات من المخابرات كانت متاحة للجميع كذلك في الإدارة والكونغرس الأميركيين وبعض أعضاء الكونغرس الذين هم الآن مرشحون للانتخابات الرئاسية يقولون إنهم لم يقرأوا تقرير المخابرات الذي كانوا قد طلبوه، ولكن من الإنصاف القول إن بعض أعضاء الإدارة الأميركية قد ارتفعوا بهذه المعلومات إلى مستوى لم تكن تستحقه.
* هل يحتمل أن تعود إلى الخدمة من جديد في منصب وزير التعليم على سبيل المثال؟
ـ إنني لا أتطلع إلى عمل فإنني أعيش حياة رائعة، ولكن بمقدوري تصور عودتي إلى الحكومة مرة أخرى، حيث يمكنني القيام بأمور مثل رئاسة اللجان ولكن من دون الدخول إلى الحياة السياسية الانتخابية.
* هل تعتقد أن على الولايات المتحدة أن تلزم الحذر في مواجهة الغطرسة كما يطالبها البعض وأن تتبع أجندة ديمقراطية؟
ـ إن لدينا ميلاً إلى إلقاء المحاضرات على الآخرين ولكن قد يكون لدينا ميل إلى عدم التأمل عميقاً في الأمور ويتعين علينا أن نلزم الحذر حيال ما نتمناه، وهناك بعض الأماكن التي ليست مؤهلة لنوعية الديمقراطية التي نعتبرها جذابة للغاية، وربما كان هناك من هم ليسوا مؤهلين ثقافياً لها وليسوا على استعداد تاريخياً لها وليست لديهم المؤسسات التي يحتاجونها لهذا الغرض.
* كيف لنا أن نستعيد صورة أميركا؟
ـ علينا أن نتذكر ما الذي كانت عليه تلك الصورة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. لقد كانت صورة بلد كريم لا يسعى لفرض إرادته على بلاد أخرى. بل لا يسعى إلى فرض قيمه عليها لكنه كان بلداً رائعاً وقد ساعد بلاداً أخرى وفتح أبوابه أمام الناس زائرين ولاجئين ومهاجرين. إن أميركا لا يمكنها الصمود من دون الهجرة، فحتى المهاجرين غير الشرعيين يساهمون في الاقتصاد الأميركي، وتلك هي البلاد التي جاء أبواي إليها.
وتلك هي الصورة التي يتعين علينا أن نقدمها لبقية العالم، أي صورة أمة طيبة وكريمة تفتح ذراعيها لأمة أخرى وتؤثر فيها كل الأمم كما أنها تؤثر في كل الأمم في المقابل، وذلك هو ما يريده الناس وما يحلق بنا، فالناس لا يزالون يريدون المجيء إلى أميركا، ونحن فقدنا جزءاً من تلك الصورة، ولكننا لم نفقد الواقع بعد، ويمكننا أن نصلح صورتنا بتبني موقف قائم على الترحيب بالآخرين وليس على الاستجابة لمخاوفنا من أن كل من يجيء إلينا سينسف شيئاً، فهذا ليس صحيحاً على الإطلاق.
عن «جي. كيو»

