يتناول المؤلفان في هذه الحلقة تسلسلاً زمنياً لتنامي العلاقات الأميركية مع إسرائيل، ويشيران إلى أنها كانت علاقات فاترة في السنوات الأولى من قيام إسرائيل على الرغم من اعتراف الإدارة الأميركية في عهد ترومان بدولة إسرائيل وذلك انطلاقاً من إدراك صناع القرار السياسي في أميركا بأن التقارب الأميركي من إسرائيل سيهدد علاقاتها مع العالم العربي وسيرمي به في حضن خصمها اللدود الاتحاد السوفييتي.
ويرى مؤلفا الكتاب أن حرب السويس أو ما يسمى بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 كانت نقطة مفصلية في العلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية، حيث بدأت العلاقات في التحسن بينهما وصولاً إلى اعتبار إسرائيل الحليف رقم واحد للولايات المتحدة في المنطقة، الوضع الذي أتاح لها الحصول على مساعدات سخية وبشروطها الخاصة، وجعل قواتها المسلحة تتحول إلى واحد من أحدث جيوش العالم من حيث التقدم التكنولوجي. والملاحظ في ضوء ما ينقله الكتاب على لسان مسؤولين أميركيين أن أميركا تصر على تأييد إسرائيل حتى عندما يبدو هذا التأييد وكأنه يتعارض مع المصالح القومية الأميركية.
وذلك انطلاقاً من القناعة بأن إسرائيل كانت تمثل شريكاً استراتيجياً لأميركا في الحرب الباردة وما زالت تلعب هذا الدور فيما يسمى بالحرب العالمية على الإرهاب وفقاً للمحافظين الجدد الذين يتربعون على قمة الهرم السياسي في الولايات المتحدة. رغم التأييد الفوري الذي أبداه الرئيس الأميركي الأسبق ترومان لقيام إسرائيل في مايو عام 1948 إلا أن السياسة الأميركية خلال عقد الخمسينات ظلت تفضل مسارا معتدلا إلى حد ملحوظ بالنسبة لعلاقاتها مع إسرائيل.
في هذا الخصوص يقول كتابنا: أدركت إدارة ترومان ومن بعده أيزنهاور أن اقترابها الشديد من إسرائيل كفيل بأن يهدد علاقاتها مع العالم العربي وأن يتيح للاتحاد السوفييتي فرصا سانحة لاكتساب النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، من هنا ظلت المعونة الأميركية المقدمة إلى إسرائيل ذات حجم متواضع، بل إن أميركا لم تقدم أي معونات عسكرية يؤبه بها إلى إسرائيل، التي كانت طلباتها لشراء أسلحة أميركية تواجه من جانب واشنطن برفض مهذب وهو نفس الرفض الذي كانت تلقاه طلبات إسرائيل بضمانات أمنية أميركية.
لا نملك من منظورنا العربي سوى أن نستخلص درسا مستفادا من هذه الحقائق التي تعرضها الفصول الأولى من هذا الكتاب، وموجز هذه العبرة هو: أن أميركا لم تحرص على اتخاذ هذا الموقف المتعقل في الشرق الأوسط إلا عندما شعرت أن العرب كان لهم قيمة كبيرة في تلك الفترة عند الخمسينات الذي شهد متصاعدة ورغبة مشهودة من جانب العرب لكي يؤكدوا ذاتهم القومية ويسعوا إلى توحيد كلمتهم كأمة لها قيمتها.
وتسعى إلى دور تؤديه في الشأن العالمي العام، فضلا عن محاولة العرب السير على طريق التنمية بعد انتهاء الحقبة الكولونيالية وبداية حقبة الاستقلال، إضافة إلى نجاح أطراف عربية شتى في التواصل مع الخصم السوفييتي وأيضا مع العنصر الصيني الذي كان يشق طريقه وقتها إلى عالم النصف الثاني من القرن العشرين.
في هذا الإطار بدأ العرب يجمعون في أيديهم أوراقا عديدة ومن ثم كان حرص الإدارة الأميركية ـ كما يقول كتابنا (ص24) ـ على حسن العلاقات معهم يصدق هذا على إدارة الديمقراطيين والجمهوريين على السواء.
بل شهدت الفترة ذاتها خلافات في الرأي والرؤية بين تل أبيب وواشنطن، من ذلك مثلا أن تجاهلت إسرائيل طلبات الأمم المتحدة بوقف أعمال الحفر التي كانت تمارسها لإنشاء قناة يتم بها تحويل مياه نهر الأردن، كان ذلك في سبتمبر عام 1953 ويومها سارع وزير خارجية أميركا دالاس إلى إعلان أن واشنطن قررت وقف مساعداتها لإسرائيل التي سرعان ما رضخت لهذا التهديد وأوقفت أعمال الحفر فكان استئناف المساعدة الأميركية في شهر أكتوبر من العام المذكور.
موقف إيجابي
الضغوط الأميركية مورست أيضا لحمل إسرائيل على الانسحاب من سيناء التي كانت قد احتلتها في حرب السويس، عام 1956، في هذا السياق يقول مؤلفا الكتاب في توضيح لمخططات التوسع والأطماع الصهيونية في الوطن العربي: بن غوريون ـ رئيس وزراء إسرائيل في تلك الفترة ـ رأى في حرب السويس (معركة تأميم القناة) فرصة للتوسع الإقليمي.
وهكذا بدأ قبيل نشوب الحرب محادثات مع بريطانيا وفرنسا وهما المحرضان الأساسيان على مهاجمة مصر فاقترح تقسيم الأردن بين إسرائيل والعراق، واقترح أن تُعطي إسرائيل أجزاء من لبنان وأن تُمنح لها مقاليد السيطرة والتحكم في مضايق تيران على البحر الأحمر.
الابنة المدللة
يواصل الكتاب بعدها توضيح تحسّن ودفء العلاقات بين أميركا وإسرائيل خلال السنوات ـ العقود التي تلت أحداث عام 1956 ولدرجة أن تصبح إسرائيل حاليا الرقم واحد ليس في تلقي المعونات السخية من الخزانة الأميركية وحسب بل تتلقاها وفق شروط تدعو إلى التأمل بل الاستغراب.
يقول مؤلفا الكتاب: معظم متلقي المعونة الأميركية يتسلمونها على شكل أقساط ربع سنوية، ولكن منذ عام 1982 ظل قانون المعونة الخارجية يضم بندا خاصا يقضي بأن تتسلم إسرائيل دون غيرها كل ما تتلقى من اعتمادات المعونة الأميركية السنوية خلال الأيام الثلاثين الأولى من السنة المالية للولايات المتحدة، ذلك أمر أشبه ما يكون بأن تتسلم سيادتك مجموع مرتبك السنوي كله يوم الأول من يناير من السنة ومن ثم تستطيع أن تكسب فوائد على المبالغ غير المنفقة تباعا إلى أن تستنفدها.
ليس صدفة إذن أن يطلق المؤلفان على أميركا الوصف التالي: كبير المحسنين، أو المحسن الكبير. والإحسان هنا بمعنى الحدب والرعاية والكفالة وكله، كله لصالح إسرائيل. ومن الجانب المالي إلى الجانب العسكري، يواصل كتابنا قائلا: رغم أن المعونة الاقتصادية التي تقدمها أميركا إلى إسرائيل مازال لها أهميتها من أوجه متعددة إلا أن الدعم الأميركي ما برح ملتزما بالحفاظ على التفوق العسكري لإسرائيل في الشرق الأوسط.
فلا يقتصر الأمر على أن إسرائيل يتاح لها سبل الوصول إلى، والحصول على، أحدث ما تحويه ترسانات الأسلحة بالولايات المتحدة (المقاتلات من طراز إفـ 15 وإفـ 16 وطائرات الهليكوبتر من طراز بلاك هوك والذخائر العنقودية ـ القنابل الذكية وما في حكمها) بل أن إسرائيل أصبحت الآن موصولة بمؤسسات الدفاع والاستخبارات الأميركية من خلال مصفوفة متشعبة من الاتفاقات الرسمية والعلاقات غير الرسمية.
وفي هذا الصدد تقول دائرة البحوث في الكونجرس الأميركي بالحرف ما يلي: «ساعدت المعونات (العسكرية) الأميركية على تحويل القوات المسلحة الإسرائيلية لتصبح واحداً من أحدث جيوش العالم من حيث التقدم والتعقيد التكنولوجي«. رغم هذا التقدم الذي يمكن وصفه نسبيا بأنه مرموق وربما مذهل وهو بداهة كفيل برسم هالة من الترويع حول القدرات العسكرية الصهيونية، إلا أن حرب أكتوبر 1973، ثم حرب صيف 2006 في لبنان أثبتتا أن السلاح مهما كان فتاكا ومتقدما لن يحقق الهدف إذا افتقر إلى قضية عادلة وإذا ما واجهته قدرات الصمود على الأرض.
في كل حال يؤكد كتابنا أن الخزانة الأميركية، ويمولها بالطبع دافع الضرائب الأميركي، تتحمل تكاليف باهظة ـ إن لم تكن فادحة ـ من أجل دعم إسرائيل اقتصاديا وعسكريا (وبالطبع سياسيا ومعنويا وخاصة في دوائر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بشكل خاص)، لكن هذا الدعم بكل سخائه وتكاليفه وأعبائه يجد من يبرره في دوائر العاصمة واشنطن.
الشراكة الاستراتيجية
هذه الدوائر تقول إن هذا الدعم فعّال من حيث التكاليف، بمعنى أنه يضع إسرائيل سلاحا أو أداة في يد أميركا للتعامل مع البلدان أو العناصر التي تعدها أميركا عدوا لها أو خطرا على مصالحها. في هذا الإطار شهدت الثمانينيات من القرن الماضي طروحات وكتابات من قبيل ما أكده البروفيسور ستيفن شبيجل من أن إسرائيل أصبحت رصيدا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه خلال الحرب الباردة، وشهدت ما أكدته المنظمات الصهيونية من أن المساعدة المقدمة لإسرائيل تصب أيضا في خدمة مصالح أميركا الاستراتيجية.
ثم تطورت هذه المقولات إلى ما يشبه لحن الذروة ـ الكريشندو كما يقول أهل الموسيقى ـ على نحو ما تلوكه في كل مناسبة لجنة الإيباك الشهيرة وهي رأس الحربة كما قد نسميها لمنظمات اللوبي الإسرائيلي في أميركا التي تصف من جانبها علاقة واشنطن والكيان الصهيوني في العبارات التالية (ص49): أميركا وإسرائيل أصبحت تضمهما شراكة استراتيجية تهدف إلى مجابهة الأخطار المشتركة التي تهدد الطرفين، ولقد أثبت تعاون أميركا وإسرائيل في مجالات الدفاع والأمن الداخلي أهمية فائقة ومتزايدة يوما بعد يوم.
إسرائيل والمحافظون الجدد
لا عجب في ضوء هذا التوصيف أن تشكل إسرائيل (ومصالحها، ومخططاتها) واحدا من المحاور الأساسية لمشروع المحافظين الجدد المتحكمين حاليا في مقاليد السياسة الأميركية وهو المعروف باسم «مشروع القرن الأميركي الجديد» وهو الذي يصف إسرائيل بأنها أقرب وأوثق حلفاء أميركا ضد الإرهاب الدولي.
ولا عجب أيضا أن يرد الباحثون الصهاينة هذا الجميل فإذا بمعهد شاليم الإسرائيلي يقول: إن أميركا لا تدعم إسرائيل من منطلق شعور بالذنب بمحارق الهولوكوست ولا من منطلق القيم الديمقراطية المشتركة، بل لأن إسرائيل تمثل ركيزة السلام الأميركي «باكس أميركانا» في شرقي البحر المتوسط كما أنها تكفل (لأميركا) أسلوبا زهيد التكاليف لحفظ النظام والاستقرار في جزء مهم من الشرق الأوسط.
بعدها تأتي مقولة دور إسرائيل في الحرب الباردة، وفي هذا السياق تحرص الدوائر الصهيونية ـ اليهودية في أميركا على تذكير صانع القرار ودافع الضرائب الأميركي أيضا بأن إسرائيل ساعدت على ما يمكن وصفه بأنه احتواء المد السوفييتي الذي كان سائدا في المنطقة ما بين عقدي الخمسينات إلى السبعينات.
في هذه النقطة يشير مؤيدو إسرائيل إلى ما يسميه الكتاب بالهزائم المهينة التي ألحقتها إسرائيل بمصر وسورية في عام 1967 ومن ثم بسمعة موسكو ومكانتها في المنطقة وفي العالم فيما تعززت ـ في رأي الكتاب ـ صورة وسمعة أميركا ومكانتها في المنطقة وفي العالم.
أسباب ثلاثة
هذه التطورات التي شهدتها وقائع التاريخ القريب للصراع العربي ـ الإسرائيلي لا يأخذها كتابنا مأخذ التسليم، بل يعمد المؤلفان من منطلق منظورهما الأكاديمي التحليلي ـ إلى طرحها على طاولة الدرس والتحليل. يقول الأستاذان والت وميرشايمر إن هناك باحثين عديدين نظروا إلى تلك الشراكة المتنامية بين واشنطن وتل أبيب على أنها كانت وما برحت عبئا فادحا من الناحية الاقتصادية وأيضا على أنها حمّلت أميركا تكاليف فادحة وأعباء باهظة من ناحية السياسة والعلاقات الدولية خاصة مع شعوب وأقطار الشرق الأوسط.
يسوق الكتاب في هذا الخصوص عدة مبررات وأسباب على النحو التالي: أولا، أن أميركا رفضت مع عقد الخمسينات تزويد كل من مصر وسوريا بالأسلحة اللازمة لجيش كل منهما وكان هذا الرفض لحساب ولصالح إسرائيل، وهنا لم تجد القاهرة ودمشق بُدّا من اللجوء إلى السوفييت للحصول على السلاح.
تداعيات غارة غزة
ثمة تفصيلات يوردها المؤلفان عند هذا المنعطف من الحديث، تقول السطور: في فبراير 1955 شنت إسرائيل هجوما على القاعدة العسكرية المصرية في غزة وقتلت 37 من الجنود المصريين وجرحت 31 آخرين. يومها ظل الرئيس المصري عبد الناصر يردد أن حادثة غزة تشكل «نقطة تحول» (في مسار علاقات القاهرة بالدول العظمى) وبعدها قرر ناصر عقد أول صفقة أسلحة مع المعسكر السوفييتي.
وأصبحت موسكو واحدا من اللاعبين الأساسيين في شؤون الشرق الأوسط وجاءت غارة غزة ـ يضيف المؤلفان والعهدة عليهما (ص53) فحملت عبد الناصر على إغلاق قناة سرية للتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية وللتحول من جهود متواضعة للحد من تسلل الفدائيين إلى داخل إسرائيل إلى حيث ازداد تشجيعه لهذا التسلل المعادي لتل أبيب.
وهكذا، وبرغم كل شكوكهم في نوايا موسكو، فإن أكبر خصوم إسرائيل وألدّ أعدائها من العرب (مصر وسوريا) لم يكن أمامهما فرصة من الاختيار سوى أن تلتمسا العون من موسكو.
ثانيا: رغم أن مؤازرة أميركا لإسرائيل شكلت ضغطا على الاتحاد السوفييتي إلا أنها أذكت من وقود الصراع العربي ـ الإسرائيلي وأعاقت أي تقدم نحو إيجاد تسوية للصراع وتلك حالة مازالت تشكل كابوسا لكل من أميركا وإسرائيل على نحو ما يقول الكتاب الذي يضيف أيضا (ص53):
صحيح أن استراتيجية نيكسون ـ كيسنجر نجحت في نهاية المطاف في إخراج مصر من الإطار السوفييتي، ولكن استمرار النظرة إلى الموقف من زاوية الحرب الباردة بمعنى دعم وتأييد إسرائيل على طول الخط حالت بين أميركا وبين الإفادة من عدة فرص سنحت لتحقيق السلام وخاصة في ضوء الإشارات العديدة التي أبداها الرئيس المصري السادات لعقد صفقة في هذا المجال في الفترة 1971ـ 1972.
وفي حديث مع جماعة خاصة تكلم كيسنجر في عام 1975 فاستعاد الجهود التي سبق وأن بذلها سَلَفه في الخارجية الأميركية ويليام روجرز التي كان قد عمل على التوصل إلى اتفاق مرحلي في عام 1971 وكان هذا الاتفاق قد انهار بسبب عدم التراضي بشأن السماح لألف من الجنود المصريين بعبور القناة ويومها قال كيسنجر:كان من شأن ذلك الاتفاق أن يحول دون اندلاع حرب 1973، ولابد أن أقول إنني أشعر الآن بالأسف لأنني لم أقدم لجهود الوزير روجرز ما كانت تستحقه من تأييد.
ثالثا: إن تعمّق العلاقات بين أميركا وإسرائيل أفضى إلى مشاعر معادية لأميركا على مدار الستينات والسبعينات عبر العالمين العربي والإسلامي. لقد سبق أن كانت صورة أميركا خلال الحرب العالمية الأولى وفي عهد الإمبراطورية العثمانية إيجابية بشكل عام في العالم العربي على نحو ما يقول مؤلفا الكتاب لدى رجوعهما إلى دراسة البروفيسور أسامة مقدسي الأستاذ بجامعة رايس الأميركية.
فالعرب الذين عرفوا أميركا في ذلك الحين لم يعرفوا أنها كانت دولة إمبريالية على نحو ما كانت انجلترا أو فرنسا أو حتى روسيا، وحتى بعد قيام إسرائيل كان العرب يحاولون كبح سخطهم على أميركا وهم يتابعون محاولاتها عدم الإغراق في تأييد إسرائيل، خاصة وقد كانت فرنسا هي الموّرد الأكبر للسلاح للكيان الصهيوني حتى عام 1967، لكن مؤازرة أميركا لإسرائيل بعد ذلك.
فضلا عن مساندتها لقوى سياسية كانت تسير عكس التيار السائد في تلك الفترة عادت عليها بسخط قطاعات شتى في العالم العربي، وزاد هذا السخط تفاقما بعد احتلال إسرائيل كلا من الضفة الغربية وغزة والجولان فضلا عن أساليب القمع التي مارستها بحق السكان العرب من سكان ما أصبح يوصف بأنه الأراضي ـ المناطق المحتلة.
تحذير أميركي
تلك هي البيئة التي يتصور المؤلفان أنها كانت معمل تفريخ لقوى وتيارات ودعوات التطرف في منطقة الشرق الأوسط وبدورهما يحيلان (ص54) إلى ما كتبه في الفترة 1985 ـ 1986 هاري شو مدير مكتب الإدارة والميزانية في فرع المعونات العسكرية محذرا يقول: إن سياسة الاستيطان التي تتبعها إسرائيل في الضفة الغربية تتعارض تماما مع مصالح الولايات المتحدة وتتناقض مع سياسة الولايات المتحدة.
ومن شأن عدم التوصل إلى تسوية، وهي مسؤولية مشتركة بين إسرائيل وجيرانها العرب، أن يقطع الطريق على عناصر من العرب المستعدين للعيش في سلام وأن يؤدي إلى تعزيز نفوذ الأصوليين الإسلاميين وغيرهم من العناصر العربية التي ليس في مصلحها أن تعيش في شرق أوسط مستقر بما يتفق مع مصالح أميركا ومع أمن إسرائيل.
في هذا الصدد كان يقال إن إسرائيل تقدم إلى أميركا هدايا ثمينة اسمها معلومات الاستخبارات عن الخصم السوفييتي وحلفائه وكانت تلك المقولات جزء من جهود «بيع» التحالف الإسرائيلي ـ الأميركي إلى جماهير دافعي الضرائب في الولايات المتحدة لكن ها هو كتابنا يتعرض لهذه النقطة من منطلق مغاير تماما، يقول الكتاب:
الواقع أن «مساعدة إسرائيل لأميركا في المجال الاستخباراتي كانت أمرا يحفّه الشكوك في بعض الأحيان، ويحيل الكاتبان إلى مسؤول رسمي سابق في المخابرات المركزية الأميركية يقول بأنه ذهل إزاء تدني نوعية المعلومات (الاستخبارات) السياسية الإسرائيلي عن العالم العربي، كانت معلوماتهم العسكرية التكتيكية ذات نوعية رفيعة حقا لكنهم لا يعرفون عدوهم (العرب) كما ينبغي: «معلوماتهم السياسية كانت غاية في السوء بل كانت سيئة لدرجة تثير الضحك، معظمها جاء أقرب إلى ثرثرة الصالونات».
خديعة أسلحة الدمار
وفي هذه النقطة بالذات يحيل مؤلفا هذا الكتاب إلى المعلومات المغلوطة (وقد تكون متعمدة في تصورنا) التي عمدت الاستخبارات والمصادر الإسرائيلية إلى تقديمها إلى إدارة الرئيس بوش ومعاونيه، وجاءت جميعها في سطور تقارير صهيونية تنذر بالويل والدمار إزاء ما رددته من حيازة نظام العراق السابق من أسلحة الدمار الشامل وهو ما أسهم كما يضيف المؤلفان بالحرف ـ في «أخطاء الحسابات التي انطلقت منها الولايات المتحدة بشأن الخطر الفعلي الذي كان يشكله نظام صدام حسين».
وفي ضوء ما تكبدته أميركا، ومازالت تتكبده من مغارم تكاليف فادحة في حمأة الورطة الراهنة في العراق أصبح يحق لمؤلفي كتابنا أن يتساءلا على نحو ما يقول أحد عناوين هذا الكتاب: هل إسرائيل إضافة مفيدة إلى رصيد أميركا، أم أنها خصم باهظ التكاليف من بنود هذا الرصيد؟
عرض ومناقشة: محمد الخولي



