لا يزال الاتحاد الأوروبي عالقا عند نقطة ميتة، على الرغم من أن الرئاسة البرتغالية له تحث الخطى في سبيل الخروج من هذا المأزق، ساعية إلى استكمال ما استهل من خطوات في ظل ولاية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والتوصل إلى توقيع ما يسمى المعاهدة الإصلاحية من قبل الأعضاء الـ 27 في الاتحاد. وسنرى إذا ما كانت ستتمكن من تحقيق هذا الهدف أم لا.
في غضون ذلك، فإن العلاقات المترابطة بين القوى السياسية آخذة بالتغير على قدم وساق في أوروبا وذلك في ظل حالة التراجع المؤثرة لليسار، كل اليسار. أما الاشتراكية الديمقراطية، فإنها تتقهقر بدورها على صعيد القيم والمبادئ في سائر دول أوروبا، بما فيها تلك الدول التي تقود حكوماتها أحزاب اشتراكية على غرار إيطاليا واسبانيا والبرتغال. ويبدو أن إيطاليا مستعدة، بعد تشكيل حزب ديمقراطي بزعامة والتر فلتروني، لأن تختفي الاشتراكية عن الخارطة السياسية الايطالية كما لو كانت كلمة بذيئة.
ولأسباب انتخابية جلية ، فإنه في اسبانيا والبرتغال هناك توجه نحو التقارب مع الوسط بغية التمكن من إلحاق الهزيمة باليمين بسهولة أكبر، ناهيك عن البلدان الاسكندينافية، حيث خسرت أحزاب الاشتراكية الديمقراطية جزءا لا بأس به من نفوذها القديم، أو عن بلدان أوروبا الشرقية. حيث لا تزال تحافظ الاشتراكية هناك، ولأسباب مفهومة، على ملابسات سلبية للغاية وموروثة من الماضي الشيوعي الذي لا يثير أي حنين إليه. أما في المملكة المتحدة، فإن ما يسمى «الطريق الثالث» الذي يقوده توني بلير وأنطونيو جيدنيس قد أصبح ذكرى من الماضي، في حين تحاول براغماتية غوردون براون، المناهضة للفكر الأيديولوجي، تثبيت نفسها أمام العجز الحقيقي للمحافظين.
في فرنسا، وبعد نصر نيكولا ساركوزي وانقضاء أيامه المئة الأولى في الإليزيه- المتقلبة سياسيا فيما يتعلق بالمواقف المتخذة على غرار الشخصية التي تعتبر مصدر الهامه- ، يبدو أن الحزب الاشتراكي غارق في بلبلة هائلة ـ يدور حديث حتى عن «إعادة تأسيس للاشتراكية» من دون التمكن من توضيح ما الذي يعنيه ذلك ـ، واليسار المتشدد، الشيوعي، التروتسكي، الأممي والأخضر فقد ثقله إلى حد كبير في الخارطة الانتخابية.
على ما يبدو أن غواية الوسطية هي الآخذة في النمو وهي التي تدق بوابة الاشتراكيين. وذلك يعتبر ظاهرة مثيرة للفضول لكنها على ارتباط وثيق، من دون أدنى شك، بالحملات الدعائية المنفذة خلال السنوات الأخيرة على يد الليبرالية الجديدة تحت شعار «غسق الأيديولوجيات» المزعوم.
كما لو أن الليبرالية الجديدة لم تكن بحد ذاتها أيديولوجية منتصرة إثر انهيار الشيوعية وغارقة الآن بوحل سمعتها السيئة- أو بالأحرى في مرحلة النضوب- في ظل فشل سياسات بوش، على الصعيد الداخلي (أنظروا إلى المدارس التي لا تزال معطلة بعد مرور عامين على إعصار كاترينا في نيوأورليانز، الأزمة المالية التي ظهرت كإشارة مقلقة للغاية.
ناهيك عن الفضائح المتعاقبة المرتبطة بالفساد وغيره) كما على صعيد السياسة الخارجية (في العراق، أفغانستان، لبنان، إيران، وتدهور الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، أو في ميادين أخرى جيوسياسية حيوية مثل روسيا والصين وأميركا اللاتينية).
خلال ولايتي بوش (2001-2009)، انتقلت الولايات المتحدة من كونها القوة العظمى المسيطرة وشرطي العالم المشبع بنوايا تجاهل نظام الأمم المتحدة خدمة للقوة العظمى العسكرية الباقية حتى الآن لتصبح منقسمة على نفسها داخليا ومعزولة في الخارج. أي أننا أمام كارثة حقيقة.
أما الإرهاب أو السوط المسلط على قرننا الزمني هذا، فإنه لا يزال بعيدا عن مواقع التراجع أو التقهقر، لا بل إن عوده قد اشتد من خلال حربي أفغانستان والعراق، البلدين اللذين أصبحا معسكري تدريب ممتازين للإرهابيين.
وهزيمة المحافظين الجدد باتت تمثل واقعا لا يمكن دحضه بعد انتهاكات السلطة والفضائح العديدة ، التي يبرز من بينها، على سبيل المثال، فضيحة وولفويتز وكارل روف ـ العقل المدبر للمحافظين الجدد ـ وأخيرا فضيحة ألبرتو غونزاليس. لكن أقرب ملهمي بوش والوحيد الذي تخلف عن تركه هو ديك تشيني، نائبه المثير للجدل والمتورط في كل السياسات التي أقدم عليها الرئيس.
بشكل يدعو إلى الفضول، فإن هذا الانحدار الواضح للهيبة الأميركية، الذي يتطلب تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة، والذي تراه الغالبية الساحقة من الأميركيين على هذا النحو، لا يبدو أن له الانعكاسات ذاتها في أوروبا. فالسياسيون الأوروبيون ـ وخصوصا الذين يندرجون منهم في إطار الاشتراكية الديمقراطية ـ المصابون بالعمى على المدى القصير وحمى الانتخابات السهلة، يبدون منيعين على التغييرات التي من الضروري معالجتها في عام 2008 المقبل.
وذلك على ضوء انزعاج الرأي العام الأوروبي وقلقه العميق بشأن نقص السياسات التي ترضي التطلعات المشروعة للسكان في إنقاذ الكرة الأرضية المهددة ومحاربة الفقر بشكل فعال ليس في أوروبا فحسب، وإنما في قارات أخرى أيضا، وتوطيد النموذج الاجتماعي الأوروبي وتأمين السلام عن طريق توطيد مكانة الأمم المتحدة وتحويل الاتحاد الأوروبي إلى لاعب رئيسي على الصعيد الكوني مع الاحتفاظ بقيمه عينها والمشهود لها على الساحة الدولية وإحياء الاشتراكية الديمقراطية بطريقة يمكن من خلالها تقديم إجابات متماسكة على هموم الناس ومشكلاتهم الملموسة.
كما يجب أن تشكل انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو 2009 فرصة طيبة للتأكيد على الاشتراكية الديمقراطية، خاصة وأن تلك الانتخابات ستعقد في ظل وضع دولي ينتظر أن يكون ملائما. لكن حتى مجيء تلك اللحظة.
فإنه من الضرورة بمكان العمل بشكل جدي باتجاه تقييم ومناقشة المشكلات الأيديولوجية والسياسية، على مستوى القواعد الشعبية، وطرح مشروع سياسي واجتماعي- اقتصادي على المدى الطويل. صحيح أن الانتخابات مهمة، لكنها ليست كل شيء، على ألا تصب في خانة السياسيين ذوي النظرات الضيقة، الذين لا يرون السياسة إلا من خلال المنظور الضيق لتطلعاتهم الشخصية.
عن «الباييس»

