أجرت صحيفة «الموندو» الاسبانية مؤخرا حوارا مع الكاتب والباحث الباكستاني أحمد رشيد في مدينة برشلونة، حيث شارك في ندوة عالمية حول أفغانستان نظمتها جمعية «سيبوب» بالتعاون مع دار آسيا ووزارة الخارجية الاسبانية. ويعتبر كتاب أحمد رشيد الذي يحمل عنوان «طالبان.

الإسلام،النفط واللعبة الكبرى في آسيا الوسطى» مرجعا لا غنى عنه لكل من يرغب بفهم ما الذي يقف خلف التدخلات الأجنبية المتكررة في أفغانستان. كما يأتي كتابه «الجهاد والإسلام السياسي في آسيا الوسطى»، الصادر قبل هجمات 11 سبتمبر، ليلقي الضوء على واقع الحركات الإسلامية المتشددة، التي كان يلفها الغموض والتجاهل حتى ذلك الوقت. وفيما يلي نص الحوار الذي تناول العديد من القضايا: ـ أقر الرئيس برويز مشرف، في أغسطس الماضي، في كابول، بأن حركة طالبان تتلقى مساعدات انطلاقا من الأراضي الباكستانية. هل لهذا الاعتراف أن يغير الوضع القائم؟

ـ السؤال الذي ربما يجب توجيهه إلى مشرف هو: وما الذي تفعله باكستان للحيلولة دون تدهور ذلك الوضع؟

ذلك أن قادة طالبان يعيشون في مدينة كويتا الباكستانية، والملا محمد عمر موجود هناك أيضا، لكن لا يوجد، مع ذلك، أي تحرك عسكري ولا أحد يعتقله هناك. ولقد أقر مشرف في سهرة جمعته مع جورج بوش العام الماضي بأن طالبان تتلقى مساعدات من باكستان بينما لم يفعل شيئا بالمطلق للحيلولة دون ذلك. وفي واقع الأمر، فإن الأزمة التي تفاقمت في بلاده خلال العام الأخير كانت بسبب طالبان.

ـ هل الملا عمر موجود في كويتا حقا؟ إذا كنت متأكدا إلى هذا الحد، فربما بوسعك كسب المكافأة المعروضة من قبل الولايات المتحدة للقبض عليه؟

ـ حسنا.. صحيح أني لا أعرف في أي مدينة موجود على وجه الدقة، لكني على اقتناع بأن قادة طالبان يعيشون في منطقة بلوشستان.

ـ هل تساهم الأزمة الحالية في باكستان بتعزيز قوة طالبان؟

ـ نعم، بشكل كامل. فمقاتلو طالبان يسيطرون على مناطق واسعة في أفغانستان، لكنهم لا يستطيعون هناك الحصول على الدعم اللوجستي الذي يحتاجونه : طعام ومتفجرات واتصالات وقوات. لكنهم يحصلون على كل ذلك الآن من حزام البشتون في باكستان، الآخذ بالتحول إلى إقطاعية كبرى لطالبان.

ـ لكن من الذي يؤمن لهم المساعدة على وجه التحديد؟

ـ أحزاب دينية في باكستان وبلدان أخرى. وأنا لا أقول إن حكومة إسلام أباد تؤمن لهم المساعدة، لكنها تسمح لهم باستلامها وبالوجود في منطقة البشتون بكاملها.

ـ الجميع يتحدث عن تلك المناطق القبلية، لكن أحدا لا يدرك طبيعتها لأنه لا يستطيع الوصول إليها. هل سكانها المحليون هم الذين يدعمون طالبان؟

ـ لقد غدت تلك المنطقة أكثر انفتاحا عليهم في الآونة الأخيرة، لأن الكثير من كبار السن والقادة المحليين قتلوا هناك خلال السنوات الست الأخيرة، وبالتالي فلقد تمت تصفية الهياكل القبلية في تلك المناطق.أي أنه أصبح هناك الآن مناطق شاسعة على الحدود الباكستانية- الأفغانية لا يوجد فيها أي قوة تعارض طالبان، لأن هؤلاء قاموا بتصفية كل من يعارضهم في الرأي. إنه وضع مختلف إلى حد كبير عن الوضع القائم في أفغانستان، حيث تتعايش مجتمعات مختلفة وتساعد طالبان وأخرى تعارضهم وغيرها تبدو محايدة.

ـ الرئيس الأفغاني حامد قرضاي اقترح مؤخرا التفاوض مع طالبان. هل ذلك هو الحل؟

ـ أعتقد أنه لا ضير في التفاوض، لكن مع من يريد القيام بذلك؟ فهناك ضباط صغار من طالبان وقادة مناطق منفتحون على المحادثات، لكن هذا النوع من المفاوضات سيكون أقرب إلى المفاوضات التكتيكية منه للمفاوضات الإستراتيجية.

بيد أن النواة الصلبة التي تقود طالبان في باكستان ليست مستعدة لأي نوع من التفاوض وبالتالي فإنه من الصعوبة بمكان أن ترى تلك المفاوضات النور ، لأن الطالبان مركزيون جدا في النواحي الأيديولوجية. فالقادة من الصف الأول هم الذين يسيطرون على المال والسلاح، والأدهى من ذلك هو أن القيادة أصبحت في الآونة الأخيرة بين أيدي أشخاص أكثر تشددا.

ـ في جميع الأحوال، ما الذي بوسع قرضاي أن يقدمه لهم إذا تمت المفاوضات معهم؟

ـ أعتقد أنه بوسع الرئيس الأفغاني تقديم الكثير. إذ يستطيع،على سبيل المثال، تقديم إمكانية تقاسم السلطة في المناطق الواقعة تحت سيطرة طالبان على غرار إقليمي هلمند وقندهار الواقعين في جنوب البلاد.

كما بوسعه قبول تعيين بعض عناصر طالبان كحكام إقليميين أو قادة في سلك الشرطة، على أن يتعاونوا مع ممثلي الحكومة المركزية. لكن الأمر يتعلق حتى الآن بوضع افتراضي ، ذلك أن طالبان ليس لديها أي نية في التفاوض ودليل ذلك يتمثل في أنها وضعت شرطا للشروع في التفاوض عصي على التنفيذ وهو سحب القوات الدولية واستبدال قرضاي ، في حين لو كان لديها نية حقيقية في التفاوض لما وضعت شروطا تعجيزية من هذا القبيل.

ـ يبدو أنه من غير الملائم إلى حد كبير الآن تقاسم السلطة مع طالبان وذلك بعد مهاجمتهم بغية انتزاعها منهم؟

ـ المشكلة التي نواجهها في أفغانستان جاءت نتيجة السياسة الخاطئة لإدارة جورج بوش . فالرئيس الأميركي يحاول تقديم أفغانستان والعراق والصومال كما لو كانت جميعها تشكل جزءا من الحرب نفسها، لكن حرب أفغانستان لها طبيعة محددة، حيث هوجمت البلاد من أجل إسقاط نظام طالبان ومن ثم إعادة بناء البلاد، لكن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة ليس لديها أي خطة في هذا السياق.

ـ ما الذي تعنيه بالضبط؟

ـ لم يكن هناك أي إستراتيجية لإعادة البناء وجذب مساعدات المجتمع الدولي. فلقد منعت حكومة الولايات المتحدة، على سبيل المثال، خروج قوات «ايساف» الدولية من كابل من حيث المبدأ. وعندما خرجت هذه القوات في نهاية المطاف من العاصمة الأفغانية، ربما كان الوقت قد تأخر كثيرا، لأن طالبان كانت قد أعادت تنظيم نفسها.

وبالطريقة ذاتها، فإن بعض جوانب عملية إعادة البناء قد بدأت في وقت متأخر، مثل عملية بناء الطرق. كما يجب أن يضاف إلى كل ذلك مسألة أن حامد قرضاي قد اختار لحكومته الأشخاص الخاطئين . أما النتيجة، فلقد فتمثلت في الأزمة التي نشهدها الآن والتي يتعين علينا مواجهتها. لا معنى للنظر باتجاه آخر والتمني بأن يختفي تنظيم القاعدة لوحده وبأن جميع هذه المشكلات غير موجودة.

ـ ما الدور الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي في هذا السياق؟

ـ لقد قام الاتحاد الأوروبي بدور مخجل في أفغانستان بسبب عدم امتلاك حضور سياسي قوي وجدي هناك. واعتقد أن خافيير سولانا (الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الإتحاد الأوروبي) كان شخصا بائسا، لأنه رفض أخذ ذلك الموضوع على محمل الجد. فهو لم يذهب إلى أفغانستان تقريبا، ولم يطلق تصريحات حول هذا الموضوع ولم يحاول تقديم رؤية سياسية تشكل بديلا لوجهة النظر الأميركية والباكستانية. أعتقد أن سولانا قد أخفق بصورة كلية.

وهناك حاجة لاتحاد أوروبي أقوى لمعالجة كل هذا، لكن المشكلة هي أن هناك انقساماً كبيراً في أوروبا نفسها حول السياسة الخاصة بأفغانستان. فهناك انقسام بين الموقفين الاسباني والبريطاني، على سبيل المثال، وهو ما قد لا يحمل سولانا المسؤولية كلها، لكني أعتقد أنه كان بإمكانه لعب دور أكثر أهمية ومحاولة توحيد البلدان باتجاه أن يكون لها سياسة مشتركة.

ترجمة: باسل أبو حمدة