يعد هذا الكتاب من أهم الكتب التي صدرت، مؤخراً، نظراً لأهمية الموضوع الذي يتناوله وهو: تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية. وتكمن أهمية هذا الكتاب أيضاً في أنه صادر عن أستاذين أميركيين ضليعين في العلوم السياسية امتلكا الجرأة للخوض في هذا الموضوع المزروع بالألغام والذي يعد بحثه من المحرمات في تقاليد السياسة الأميركية.
صحيح أن القاصي والداني باتا يعرفان بتحيز وميل السياسة الخارجية الأميركية لصالح إسرائيل في الصراع الدائر في الشرق الأوسط منذ أكثر من ستين عاماً، فالإدارات الأميركية المتوالية لم تتوان عن تقديم الدعم بكافة أشكاله لربيبتها إسرائيل رغم إجماع الرأي العام العالمي تقريباً على إدانتها وشجب ممارساتها ضد الشعب الفلسطيني الأعزل الذي جردته من أرضه ووطنه وسلبته حقوقه الوطنية المشروعة. ولكن لا يعرف الجميع أن القوة التي تقف وراء دفع السياسة الأميركية إلى تأييد إسرائيل بشكل أعمى حتى ولو كان ذلك على حساب المصالح الأميركية الحقيقية هي في الواقع لوبي من المنظمات والجماعات المؤيدة لإسرائيل من اليهود ومناصريهم.
وهذا الكتاب يلقي الضوء على هذا اللوبي من حيث نشوئه وتركيبته ونفوذه على الساحة الأميركية والأساليب التي يتبعها في الوصول إلى أهدافه. في تصديرهما لهذا الكتاب يحرص المؤلفان على الإحالة إلى عبارة حكيمة صدرت عن الفيلسوف البريطاني المعاصر برتراند رسل (1872- 1970) يقول فيها: في كل أمورك، يصح أن تراجع بين حين وآخر علامة استفهام تناقش فيها الأشياء التي ظللت طويلا تأخذها مأخذ القبول والتسليم. وبديهي أن المعنى الذي يذهب إليه المفكر الإنجليزي هو: أن علينا أن نراجع أنفسنا بين حين وحين وأن نناقش، وقد ننقد أو نمحص أو نفنّد ما درجنا على رؤيته صحيحا أو سليما أو مشروعا.
في ضوء هذه النصيحة عمد صاحبا الكتاب، وكلاهما أكاديمي جامعي مرموق ـ فالأول ـ البروفيسور جون ميرشايمر أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، والثاني ستيفن والت أستاذ الشؤون الدولية بجامعة هارفارد ـ إلى الإطلالة على الموضوع الذي اختاراه لكتابهما الذي نبدأ معه هذه الملاحة الفكرية وسط محيط متلاطم، عاتي الأمواج بل هي العواصف التي أثارها وما برح يثيرها صدور هذا الكتاب. - مقال مرفوض: مع التصدير يحكي المؤلفان حكاية نشر أفكارهما وما لقيته هذه الأفكار والطروحات من ردود أفعال في غاية العنف وما جابهته من هجوم، أو بالأدق تهجّم من جانب الجماعات اليهودية المؤيدة لإسرائيل ومن التيارات الصهيونية في الولايات المتحدة.
أصل الحكاية بدأ منذ 5 سنوات ففي خريف عام 2002 وجهت مجلة «أتلانتك منثلي» الثقافية الشهرية الدعوة إلى الأستاذين الكبيرين لكتابة مقال ضاف ـ بحثي وعلمي طبعا عن موضوع مهم يحمل العنوان التالي: «اللوبي الإسرائيلي وتأثيراته على السياسة الخارجية للولايات المتحدة». يقول المؤلفان: قبلنا الدعوة مع بعض التحفظات، إذ كنا نعرف أن الموضوع مثير للخلاف وأن أي مقالة (أو دراسة) تتفحص أنشطة اللوبي المذكور وتعرض إلى تأييد أميركا لإسرائيل أو حتى إلى السياسة الإسرائيلية ذاتها كفيلة بأن تثير ردود فعل بالغة العنف، مع ذلك شعرنا أن تلك مسألة لا ينبغي الإمعان في تجاهلها وخاصة في ضوء أحداث الحادي عشر من سبتمبر وشبح الحرب الذي كان مخيما في العراق.
وإذا ما كان دعم أميركا لإسرائيل مصدرا لتلك النزعة المعادية لأميركا في الشرق الأوسط، ومصدرا للتوتر مع حلفاء واشنطن الرئيسيين، وإذا ما كان مؤيدو إسرائيل من جماعات وأفراد يتمتعون بنفوذ بالغ في مسار سياسة أميركا الخارجية إزاء تلك المنطقة الحيوية. يظل مهما بالتالي أن تثار هذه المسألة بصراحة، تشجيعا على حوار وخطاب علني مفتوح بشأن ما يتخذه اللوبي (الإسرائيلي في أميركا) من إجراءات وما ينجم عنه من تأثير، ثم يواصل المؤلفان الحديث:
في يناير عام 2005، وبعد عامين من العكوف على بحث الموضوع من كافة جوانبه، وكان ذلك في إطار من التعاون الوثيق مع محرري «أتلانتك منثلي» أنجزنا الدراسة وأرسلناها إلى المجلة، ولم تمض سوى أسابيع قليلة حتى فوجئنا برسالة من المجلة الشهرية (الأميركية) تبلغنا أن رئيس تحريرها لن ينشر الدراسة وأنه ليس معنيا أو مهتما بأي محاولات من جانبنا حتى لمراجعتها أو تنقيحها!.
ناشر شجاع
في سطور التصدير نفسها يوضح صاحبا هذا الكتاب كيف أنهما حاولا عرض الدراسة على العديد من الدوريات الأخرى في الولايات المتحدة بغير طائل!. وفي سياق هذه المساعي المحفوفة بالرفض ـ الفشل ـ الإحباط ـ هل نقول الصدمة من جانب أستاذين كبيرين، وفي بلد يرفع باستمرار شعارات اللبرالية وحرية الرأي المكفولة بموجب التعديل الثاني الشهير للدستور الأميركي ـ وسط هذا كله، استجد تطوران على المسألة: أنهما قررا تحويل المقالة العلمية التي أنجزاها إلى كتاب يشق طريقه إلى القارئ مباشرة بغير وسيط من جريدة أو مجلة.
أنهما وجدا للمقالة ناشرا، شجاعا كما قد نقول، وهكذا تم نشرها في ربيع العام الماضي في مجلة «لندن ري؟يو أوف بوكس» المعنية بعرض ونقد الكتب (عدد مايو 2006) وطبعا أثارت المقالة منذ ذلك الحين أعاصير من الغضب والاستياء بقدر ما حركت موجات من التقدير والتشجيع بل والعرفان - كما يقول ناشر كتابنا الذي يعزو هذا كله إلى سبب جوهري هو: إن المؤلفين تطرقا بالفحص والدراسة إلى واحد من أصعب المحرّمات (بمعنى التي لا يجوز المساس بها ـ ناهيك بدراستها وتفنيدها) في مضمار السياسة الأميركية.
المهم أن الموضوع أصبح ـ بعد رحلته المضنية ـ كتابا بين يدي القراء تكاد صفحاته تقارب الخمسمئة (484 صفحة بالضبط) ويتألف من بابين رئيسيين يضمان بدورهما 11 فصلا ثم خلاصة ختامية مهمة تحمل السؤال التالي: ما العمل؟ومن الفصول الاستهلالية لكتابنا ذلك الفصل التعريفي على الطريقة الأكاديمية الذي يحمل بدوره عنوانا يقول: اللوبي الإسرائيلي.. ما هو؟
في معرض الإجابة على السؤال يحيل المؤلفان إلى واحد من آباء الاستقلال الأميركي هو الرئيس الأسبق جيمس ماديسون (1751 ـ 1836) الذي كان أول من تكلم وكتب عن صراعات جماعات المصالح وكيف أن نفوذها وتأثيراتها وتحركاتها كانت تشكل الجوانب المختلفة للسياسة الخارجية الأميركية بما في ذلك قرارات شن الحرب بكل خطورتها وفداحة نتائجها. يقول المؤلفان: عندما تتمتع جماعة ما من جماعات المصالح بقوة ونفوذ عميق وبقدرة على إدارة الشأن السياسي، يصبح من شأنها التأثير على السياسة بأساليب لا تفيد البلد بشكل عام.
ثم يسوقان مثلا بارزا على أخطر جماعات المصالح وهو: رابطة البندقية القومية، وهي لوبي إباحة حمل وحيازة وتداول السلاح بين صفوف المواطنين الأميركيين. ومن شأن نجاحها في إحباط أي محاولة لسن تشريعات للحظر في هذا المجال البالغ الخطورة أن يصب ولا شك في مصلحة صناعة الأسلحة والمتاجرين بها، ومع ذلك فهو يترك المجتمع بأسره معرضا ومكشوفا أمام تيارات العنف المسلح على نحو ما تشهد به عشرات الحوادث والفواجع التي يروح ضحيتها العشرات من المدنيين.
كراهية أميركا
وفق المقياس نفسه يصدر الكتاب أحكامه على جماعات المصالح التي تشكل اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل كواليس السياسة الخارجية وعلى مسرحها السافر المكشوف أيضا. يقول المؤلفان (ص111): اننا نعتقد أن أنشطة الجماعات والشخصيات التي يتألف منها اللوبي الإسرائيلي هي السبب الرئيسي الذي يجعل أميركا تتبع في الشرق الأوسط سياسات لا تجدي ولا تفيد لا من الناحية الاستراتيجية ولا أيضا من الناحية الأخلاقية.
إننا نختلف تماما مع القائلين بأن سياسات دعم إسرائيل تتفق مع مصالح أميركا، وليس معنى هذا ـ يضيف المؤلفان من باب سد الذرائع ـ أننا نجادل في حق إسرائيل في الوجود، فهناك أكثر من 160 دولة في العالم باتت تؤيد هذا الحق (الإشارة هنا إلى عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة والى حجم عضوية جمعيتها العامة)، ولكننا نجادل بشأن هذا الدعم الأميركي الضخم وغير المشروط والموجه باستمرار لما فيه مصلحة إسرائيل.
ويمضي المؤلفان إلى توضيح المقصود تحديدا بمصطلح اللوبي الإسرائيلي في أميركا بالقول إنه ليس منظمة مركزية، ذات تسلسل هرمي محدد العضوية لا من حيث العدد ولا من حيث الخصائص أو الشروط أو المواصفات. فليس هناك ـ كما ينبه الكتاب ـ بطاقات عضوية ولا إجراءات انضمام إلى ذلك، «الكائن» الذي يحمل صفة اللوبي أو تجمّع المصالح المؤيدة لإسرائيل. مع ذلك يستطيع الباحث أن يشير تحديدا ـ مع الكاتبين ـ إلى عدد من المؤسسات ذات النشاط البارز ـ المستفز أحيانا على مسرح السياسة الأميركية. ومن هذه المنظمات ما يلي:
ـ لجنة الشؤون العامة (ايباك).
معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط (ونييب).
ـ عصبة مناهضة التشهير (آي. دي. إل).
ـ المسيحيون المتحدون لتأييد إسرائيل (كيوفي).
إلى جانب هذه الكيانات المؤسسية المحددة المعالم واللافتات، تحرص القوى المؤيدة لإسرائيل (وسياساتها الاحتلالية ـ العدوانية) على نيل وحشد تأييد الآلاف من الأفراد الناشطين أو المتعاطفين ممن يمكن أن يضمهم اللوبي الإسرائيلي ضمن الأطر العريضة التي تتجاوز تلك المنظمات.
يقول كتابنا في هذا الخصوص: لكي يكون الفرد جزءاً من هذا اللوبي الإسرائيلي، عليه أن يحرك دفة السياسة الخارجية لأميركا في الاتجاه المؤيد لإسرائيل وبما يحقق مصالحها. ولكي تكون المؤسسة جزءاً من اللوبي فلابد أن يكون هذا التحريك من محاور مهمتها بحيث يستأثر بنسبة كبيرة من مواردها وبنود أجندة العمل داخلها.
في حالة الفرد لابد وأن يكرس جزءاً لا يستهان به من حياته المهنية والشخصية (وربما من موارده المالية) من أجل التأثير على سياسة أميركا في الشرق الأوسط (بما يخدم مصالح إسرائيل) ومع ذلك فالأكاديمي أو الصحافي الذي يغطي أحيانا قضايا الشرق الأوسط، وقد يكتب أحيانا مؤيدا لإسرائيل لا يمكن اعتباره جزءاً من ذلك اللوبي، ولكن صحافيا مثل تشارلز كروثامر في الواشنطن بوست أو أكاديميا مثل برنارد لويس يعدان جزءاً لا يتجزأ من اللوبي الإسرائيلي في ضوء التأييد المتواصل الذي يبديانه على طول الخط لإسرائيل.
مصالح إسرائيل
ما هو إذن دور يهود أميركا في هذا الإطار؟ يضم اللوبي الإسرائيلي في إطاره يهود أميركا الذين ينطلقون من التزام عميق بضمان تحريك دفة السياسة الخارجية لأميركا في الاتجاه والمسار الذي يحقق أساسا مصالح إسرائيل. يقول المؤرخ الأميركي مل؟ن أوروفسكي: لم يسبق لأي جماعة عرقية في التاريخ الأميركي أن توحدت على هذا النطاق الواسع مع (مصالح) دولة أجنبية (إسرائيل).
ويتفق الكاتب ستيفن روزنتال مع هذا الرأي ثم يضيف قائلا: منذ عام 1967، لم نشهد أي بلد (بخلاف أميركا) كان مواطنوه ملتزمين بمثل هذا العمق إزاء نجاح بلد آخر على نحو ما كان عليه حال اليهود الأميركيين بالنسبة لإسرائيل. في عام 1981 كتب روبرت ترايس أستاذ العلوم السياسية يصف اللوبي الإسرائيلي بأنه يتألف من 75 منظمة على الأقل ومعظمها منظمات يهودية يتركز همّها في تأييد معظم المواقف والإجراءات السياسية التي تتخذها حكومات إسرائيل.
ومن عجب ـ كما يوضح كتابنا ـ أن هذا النفوذ الخطير الذي بات يتمتع به اللوبي الإسرائيلي لم يتشكل بين عشية وضحاها، بل بدأت الأمور هينة بطيئة ومستترة إلى حد بعيد. خلال السنوات الأولى من الدعوة والدعاية الصهيونية مع العقود الأولى من القرن العشرين، وحتى بعد إنشاء إسرائيل في عام 1948، ظل الترويج لمصالح الكيان الصهيوني يتم في أغلبه بين الكواليس، ويعتمد في معظم أنشطته على الاتصالات الشخصية وخاصة بين صفوف المسؤولين الحكوميين من ذوي النفوذ في التأثير على مجريات الأمور.
وكان ذلك يتم على مستوى رئيس الجمهورية وعدد محدود من قادة اليهود والمستشارين المتعاطفين مع الصهيونية ـ أصدقاء اليهود كما كانوا يسمونهم في ذلك الحين. تلك حقيقة يفسرها مؤلفانا حين يقولان: يرجع تأييد الرئيس الأميركي وودرو ويلسون لوعد بلفور في عام 1917 إلى تأثير مستشاريه اليهود وكان من بينهم لويس برانديسي قاضي المحكمة العليا والحاخام ستيفن وايز. ويرجع تأييد الرئيس ترومان لإقامة إسرائيل ذاتها إلى ما كان يمارسه من تأثير ونفوذ عدد من الأصدقاء والمستشارين اليهود.
إذن لماذا التزم مؤيدو إسرائيل في تلك المرحلة بهذا القدر من التستر أو العمل من وراء ستار؟
تجيب سطور الكتاب على هذا السؤال قائلة: كانت مشاعر معاداة السامية، بمعنى كراهية اليهود مازالت ماثلة في الحياة الأميركية. وكان هناك أيضا خشية تلك العناصر (اليهودية الأميركية) من أن يؤدي تأييدها المكشوف لإسرائيل إلى اتهامها بالولاء المزدوج.
ولذلك كانوا يتبعون ما عرفوه يومها بأنه «قواعد كينن» وهو رئيس المجلس الصهيوني الأميركي في عام 1951 وهو المؤسسة - الأم التي أفضت إلى لجنة الشؤون العامة (إيباك) بوصفها واحدة من أكثر المنظمات الصهيونية شراسة في أميركا. أما القاعدة رقم 1 من «قواعد كينن» فتقول: الزم مكانك باستمرار خلف التشريعات التي يصدرها الكونغرس، ولا تكشف نفسك بالظهور أمامها (وبمعنى أن الاستتار أفضل من الانكشاف) مادام الهدف في طريقه إلى التحقيق.
الخروج إلى العلن
ثم تمضي الأيام وتزداد أهمية اليهود في المجتمع الأميركي عبر عقدي الخمسينات والستينات. ومع هذا الازدياد يتعمق نفوذ الجماعات الصهيونية في أميركا خلال عهدي الرئيسين كنيدي وجونسون، فضلا عن أن الرجلين كانا يضمان عناصر يهودية ضمن دائرة المستشارين الأصدقاء المقربّين، فما بالك وقد كان هناك أيضا عناصر يهودية متنفذة تضمها جماعات المتبرعين والمانحين لحساب الحملات الرئاسية الانتخابية لكل منهما.
أما المرحلة الحاسمة في خروج اللوبي الإسرائيلي إلى العلانية، ومنها إلى عمق التأثير واستشراء النفوذ فتحمل عنوانا محددا هو: عام 1967، فهو عام الانكسار العربي لصالح الانتصار العسكري الإسرائيلي من جهة ولصالح تغيير صورة إسرائيل في الذهنية الأميركية من جهة أخرى.
يقول كتابنا في هذا الخصوص: لقد خلبت هذه الأحداث لبّ الجمهور اليهودي في أميركا، وتجسدت في مشاعر من الفخر والاعتزاز إزاء هذا «اليهودي الجديد» في إسرائيل، القوي القادر على حماية نفسه. وكان أن واكبت هذه النقلة حملات متوالية وناجحة أيضا من التذكير بمحارق الهولوكوست التي تعرض لها اليهود على يد النازي (دع عنك التلويح بتهمة العداء للسامية بوجه المخالفين أو الناقدين أو المعترضين).
وهكذا ـ يضيف كتابنا ـ بدأت تنزاح حواجز أو مشاعر التخوف من التمييز التي كانت تراود يهود أميركا، وتزايدت مشاعر التأييد لإسرائيل خلال حرب الاستنزاف (1969- 1970) ثم حرب أكتوبر عام 1973. مع ذلك، ورغم أن نتائج الصراعات (مع العرب) عززت مشاعر الاعتزاز بمقدرة إسرائيل العسكرية، إلا أنها أثارت في الوقت ذاته مخاوف على أمن إسرائيل نفسها. ومع زيادة المعونات المقدمة من أميركا إلى إسرائيل بصورة فاقت التوقعات فقد تحولت اهتمامات منظمات اللوبي إياه إلى التركيز على المحافظة على المؤازرة السياسية.
هنالك أدركت منظمات اللوبي أن هذا التأييد السياسي من جانب أميركا لإسرائيل أمر باهظ التكاليف بالنسبة لأميركا، ولهذا تركزت جهودها أيضا على محاولات تبرير، تسويغ، تكييف، تزويق هذا التأييد والدفاع عنه بكل السبل والوسائل. وهكذا تحولت أكبر مؤسسات اللوبي الصهيوني - لجنة الإيباك من منظمة صغيرة، تعمل في الظل وتضم حفنة صغيرة من الموظفين وتمولها ميزانية متواضعة لا تتجاوز ثلث مليون دولار لتصبح مؤسسة ضخمة عاتية النفوذ، واسعة الموارد يعمل بها أكثر من 150 موظفاً وبميزانية تجاوزت منذ عام 1973 مبلغ 60 مليون دولار.
بعدها اعتمدت الايباك ـ كما اعتمدت سائر منظمات اللوبي الصهيوني في أميركا ـ مبدأ العلن والدعاية والدق بالإلحاح الإعلامي المستمر على أدمغة الأميركيين، وكان مبدأهم في هذا على نحو ما يلخصه كتابنا هو: «من لا يعرفك لن يخشاك».
ظلال الصورة
بيد أن الصورة لها جوانب أخرى، يوضحها المؤلفان في قولهما ان اللوبي الإسرائيلي ليس كيانا مصمتا أو هيئة متجانسة موحدة التوجهات من كل الجوانب، فهناك منظمات وعناصر وشخصيات متصلبة ليكودية الاتجاه كما قد نصفها، بقدر ما أن اللوبي الإسرائيلي في أميركا يضم أيضا مؤسسات وكيانات وشخصيات أوسع أفقا وأكثر استنارة وميلا نحو الحوار والتفاهم والتعايش والسلام في مقاربة قضية الصراع بالشرق الأوسط.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



