في عام 2000 أعلنت مجلة فورتشن بأن «أهمية الماء في القرن الحادي والعشرين ستكون مماثلة لأهمية النفط في القرن العشرين، فهي البضاعة الثمينة التي ستعين ثراء الشعوب». وذلك لأهمية هذه المادة في الحياة، ولكونها متوافرة في بلدان معينة وغير متوافرة في بلدان أخرى كما هو الحال مع النفط.

ففي الوقت الذي تتوافر فيه المياه بكميات هائلة في كندا، البلد الأكثر ثراء بمصادر المياه في العالم، وفي الوقت الذي نرى فيه الأمطار الغزيرة تجتاح مناطق من العالم، بين الحين والآخر، مسببة الفيضانات التي تغرق مدناً وتشرد مئات الآلاف من سكانها، نرى بقعاً في مناطق أخرى تتشقق فيها الأرض من شدة الجفاف وتنفق الحيوانات وينزح البشر مبتعداً عنها.

المياه هي مصدر الحياة على سطح الأرض ووسيلة إدامتها لجميع الكائنات الحية، وهي التي توفر مصادر الغذاء وتلعب دوراً أساسياً في النمو والتطور الصناعي. ويعتبر معدل استهلاك الفرد الواحد من المياه يومياً أحد المؤشرات الهامة التي تدل على مدى تطور مجتمع معين وفق المعايير الدولية.

الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، حيث تقع معظم الدول العربية، يعتبر أكثر مناطق العالم شحا في مصادر المياه الطبيعية، ففي الوقت الذي يبلغ عدد سكان هذه المنطقة 3, 6% من سكان العالم، فإنها تمتلك فقط 4, 1% من مياهه. ويزداد الضغط بشدة على مصادر المياه المحدودة فيه وتتفاقم مشكلة شحها بسبب تزايد عدد السكان بمعدلات مرتفعة نسبياً مقارنة بأماكن أخرى من العالم.

ندرة الموارد

يغطي الماء معظم سطح الأرض إلا أن مقدار المياه العذبة يبلغ 3% فقط من حجم المياه الكلي في الكرة الأرضية، وتتوافر المياه في باطن الأرض وفي الهواء كذلك. ويقبع حوالي 70% من هذه المياه العذبة حبيساً في الجبال الجليدية، خاصة في القطب الجنوبي وجزيرة غرينلاند، مما يجعلها خارج متناول الإنسان. أما المياه العذبة التي في متناول أيدينا فمصدرها الأمطار التي تعيد بعض ما يستنفد من مياه باطن الأرض، والثلوج التي تغذي الأنهار عند ذوبانها، وهي لا تزيد في مقدارها على 13% من المياه العذبة، يمتلك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 1% منها فقط.

يبلغ مقدار المياه المتوافرة في الكرة الأرضية 4,1 مليار كيلومتر مكعب تقريباً، ويتساقط على اليابسة كل سنة مقدار من المياه يبلغ حجمه 119 ألف كيلومتر مكعب ويتبخر منها (74200) كيلومتر مكعب، في حين يسقط على سطوح البحار 450 ألف كيلومتر مكعب من الأمطار ويتبخر منها (502800) كيلومتر مكعب. ويكمن ما يقرب من 135 ألف كيلومتر مكعب من المياه في الجو والأراضي الرطبة والأنهار والبحيرات والقشرة الأرضية وفي أجسام الحيوانات والنباتات.

ويحتوي الغلاف الجوي على ما يقرب من 13000 كيلومتر مكعب من المياه في أي وقت من الأوقات. وتعتبر المياه المتوافرة في باطن الأرض وفي الغلاف الجوي من المياه المتاحة للإنسان إذ يسهل الحصول عليها باستخدام تقنيات غير معقدة. ويوضح الجدول (1) مختلف مصادر المياه العذبة والمالحة المتوافرة في الأرض ونسبة كل منها.

والمياه العذبة على سطح الأرض هي من الموارد الطبيعية المتجددة، فالطبيعة تمتلك آلية محددة لتجديد هذه المياه من خلال عمليات التبخر والتكثيف الذي يعقبه سقوط الأمطار والثلوج. ويمكن اعتبار مقدار المياه العذبة الصالحة لاستهلاك الكائنات الحية ثابتاً في الطبيعة في ظروف انعدام التلوث في الغلاف الجوي.

إلا أن الأضرار التي أُلحقت بالغلاف الجوي بسبب زيادة نسبة ثاني أوكسيد الكربون وثاني أوكسيد الكبريت قد أضرت بهذه الدورة المائية، إذ تشهد بعض المناطق من العالم سقوط الأمطار الحمضية، وهذه في الحقيقة لها ضرر مضاعف، فهي من جهة كمية مقتطعة من المياه العذبة، ومن جهة ثانية مصدر لتلويث مياه عذبة أخرى في الأنهار والبحيرات، هذا إضافة إلى تأثيرها على الأس الهيدروجيني للتربة.

إلا إن المقدار الطبيعي من المياه الصالحة للاستهلاك البشري وللصناعة والزراعة، بشكل عام، لم يعد كافياً للأسباب التالية:

1. زيادة عدد السكان في العالم.

2. زيادة معدلات استهلاك المياه للفرد الواحد.

3. تلوث مياه الكثير من البحيرات والأنهار بحيث انعدمت الحياة فيها وأصبحت غير صالحة للاستهلاك.

ويقاس توافر المياه بمقدار ما يتجدد منها سنوياً للفرد الواحد بفعل قوانين الطبيعة، ويعتبر البلد تحت ضغط الحاجة إلى المياه عندما يتوافر فيه ما بين 1000 متر مكعب و1700 متر مكعب للفرد الواحد سنوياً. أما البلد الفقير في مصادر المياه فيتوافر فيه ما يقل عن 1000 متر مكعب من المياه للفرد الواحد سنوياً. وتعمل الأنشطة الإنتاجية للإنسان في أحيان كثيرة، خاصة في الدول النامية، على تلويث مصادر المياه وجعلها غير صالحة للاستهلاك أو مرتفعة الكلفة عند تنقيتها وإزالة التلوثات منها.

إن معدل ما يتوافر للفرد الواحد من المياه الطبيعية في كل من البحرين والكويت وليبيا وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن واليمن يقل عن 250 متراً مكعباً سنوياً، فهذه الدول هي من ضمن اثنتي عشرة دولة شرق أوسطية تقع في الجدول الذي يضم أفقر خمس عشرة دولة في العالم بمصادر المياه الطبيعية. ويبين الجدول (2) حجم المياه المتوافرة في دول الشرق الأوسط والشمال الأفريقي وأوجه استخدامها.

ويلعب النمو السكاني عادة دوراً أساسياً في زيادة الحاجة إلى المياه في جميع القطاعات: الزراعة والصناعة والاستهلاك المنزلي. ويأخذ قطاع الزراعة عادة النسبة الأكبر من المياه، فعلى مدى الثلاثين سنة الماضية تضاعفت الرقعة الزراعية في الشرق الأوسط بسبب الحاجة إلى توفير مصادر إضافية للغذاء. وتحتاج الصناعة إلى المياه كذلك في مختلف مراحل التصنيع لمعظم المنتجات، كما إن الاستهلاك المنزلي، هو الآخر، أحد أهم أوجه استخدامات المياه.

مخاطر متزايدة

إن المخاطر التي تترصد الإنسانية في مجال شح المياه كثيرة ولها مصادر متعددة منها زيادة عدد السكان، ارتفاع درجة حرارة الأرض، تقلص المساحة الخضراء، فقدان نسبة الرطوبة في التربة، عدم اعتماد استراتيجية الزراعة المستدامة، وعدوانية الإنسان في التعامل مع المحيط البيئي.

إن معظم بلدان العالم ليست بمنأى عن مخاطر شح المياه، فهذه الولايات المتحدة التي تُعرف بأرض العشرة آلاف بحيرة هي الأخرى تعاني حالياً من شح المياه، فعلى سبيل المثال وصلت شدة الاستهلاك فيها لدرجة أن المياه في كل من نهر كولارادو ونهر ريو غراند، وهو ثالث أطول نهر في الولايات المتحدة، لم تعد قادرة على الوصول إلى مصبيهما. كما أن مياه باطن الأرض التي تغطي مساحة تزيد على 280 ألف كيلو متر مربع والتي تجهز المياه لخمس الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة، يجري استنزافها بمعدلات تزيد 14 ضعفاً على معدلات إعادة ملئها بمياه الأمطار.

ففي الخمسين سنة القادمة، ووفق معدلات النمو السكاني الحالي في العالم، من المتوقع أن يصل عدد سكان الأرض إلى 9 مليارات نسمة، وسوف تزداد الضغوط على مصادر المياه بشدة. ويتوقع خبراء الأمم المتحدة أن عام 2025 سوف يشهد نقصاً في المياه بحيث يُصنف ثلثا سكان العالم ضمن متوسطي وشديدي الحاجة للمياه، أي سيتوافر للفرد الواحد مقدار يقل عن 50 لتراً في اليوم الواحد. ومن المتوقع أن يصاحب ذلك انتشار الأمراض التي تتأتي بسبب تلوث المياه ومنها مرض الكوليرا، وسوف يرتفع عدد وفيات الأطفال الذين هم دون أعمار الدخول إلى المدارس بمرض الإسهال بسبب عدم نظافة المياه إلى 15 مليون طفل سنوياً.

ولغرض التأقلم مع هكذا قيود سوف تكون الحاجة ماسة لوضع قوانين وأساليب عمل صارمة للحفاظ على الثروة المائية والعمل على توفير المزيد منها وتطوير أساليب استخدامها والتعامل معها.

هنالك قلق متنامٍ حول العالم يشغل بال الكثيرين وترقبه عن كثب الدوائر المعنية بصياغة السياسات الدولية وخاصة وكالة المخابرات المركزية الأميركية، حيث ترجح هذه الوكالة أن شح الماء الذي تتفاقم تأثيراته مع الزمن سيكون نقاط احتكاك مباشر بين الدول المتجاورة، خاصة وأن هنالك 200 نهر في العالم تعبر الحدود الدولية وتشترك في الاستفادة من مياهها دول عديدة.

أما بالنسبة للدول العربية فإن 62% من مواردها المائية تأتي من خارج حدود هذه الدول، كما هو الحال في مصر والعراق وسوريا، مما يعرضها لضغوط سياسية واقتصادية خارجية من دول المنشأ. ولا يصعب على من يتحرى الأسباب الحقيقية للكثير من الحروب المعاصرة أن يجد أن الثروات الطبيعية ومن ضمنها الماء هي السبب الحقيقي لهذه للحروب، حتى لو تغلفت بأغطية عرقية أو دينية أو غيرها.

يعتبر الفرد في كندا الأعلى استهلاكاً للمياه في العالم، فمقدار ما يستهلكه في اليوم الواحد يبلغ 326 لتراً من المياه العذبة، في حين لا يتجاوز استهلاك الفرد الواحد في الدول الفقيرة من المياه بضعة لترات، فهناك مناطق صحراوية في الوطن العربي تعتبر من أكثر مناطق العالم شحا في المياه، ولا تصل المياه إلى قراها المتناثرة هنا وهناك إلا مرة واحدة في الأسبوع.

ويبلغ معدل توافر المياه للفرد الواحد في منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحاضر ما يقرب من 1200 متر مكعب سنوياً، في حين أن المعدل العالمي يبلغ 7000 متر مكعب. أما التوافر السنوي للمياه في المنطقة فيتراوح بين 1800 متر مكعب للفرد الواحد في بعض الدول الغنية بالثروة المائية، وأقل من 200 متر مكعب للفرد الواحد سنوياً في دول أخرى. ومن المتوقع بحلول عام 2025، في ضوء الدراسات المتوافرة، أن ينخفض المعدل المتوافر من المياه للفرد الواحد سنوياً في هذه المنطقة إلى ما يقرب من 500 متر مكعب.

خصخصة المياه

مع تفاقم أزمة المياه على المستوى العالمي دخل الباحثون عن الثروة في لعبة استخدامه لجني الأرباح، ونجح منظرو التجارة الحرة في تضمين نص هام مفاده «المياه بضاعة تُباع وتُشترى» في اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية، وقد أثارت هذه الخطوة حفيظة أنصار البيئة الذين يرون أن المياه شأنها شأن الهواء ينبغي أن تكون متاحة للجميع، فهي لخير المجتمع ولا ينبغي أن يخضع اقتصادها لمبدأ الربح والخسارة.

وقد نبه إلى خطورة خصخصة المياه كل من ماودي بارلو وتوني كلارك مؤلفا كتاب «الذهب الأزرق: الحرب لوقف سرقة الاحتكارات لمياه العالم» الذي نشر عام 2002، حيث أشارا إلى أن السيطرة على المياه في العالم تتركز بشكل متزايد في أيدي شركات خاصة لا يتجاوز عددها العشرة، وأن حجم الأموال المتداولة في توزيع المياه للأفراد وللصناعات يبلغ 400 مليار دولار سنوياً.

وقد كان للمياه منذ الإرهاصات الأولى للوعي الإنساني دور هام في رسم الثقافات لدى العديد من الأقوام التي ارتبط لديها الماء بممارسة طقوس العبادات، وقد اعتبرها الإنسان على مر العصور هبة إلهية لا تقدر بثمن. ومن هذه الزاوية يرى من يدافع عن حق الإنسان الطبيعي في الحصول على المياه أن خصخصتها ستكون في الحقيقة أحد العوامل التي تهدد هذه الثقافات وتسيء إليها.

ولسنوات طوال كانت أسعار المياه تخضع للدعم في معظم دول العالم، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، حصل المزارعون في صحارى ولاية كاليفورنيا على 80% من مياه هذه الولاية بأسعار بخسة لا تصدق لعقود طويلة من الزمن، وقد تعمم هذا النموذج في دعم أسعار المياه من قبل الدولة في مناطق مختلفة من العالم.

إلا أن ذلك لم يعد قاعدة بل استثناء غير مرغوب في استمراره في الوقت الحاضر، فالبديل هو سياسة جديدة تعتبر المياه بضاعة شأنها شأن بقية البضائع تخضع للبيع وللشراء، ولها قيمة معينة في الأسواق معرضة للارتفاع أو الانخفاض. ويعتبر منظرو هذه السياسة أن الموارد الطبيعية، ومنها الماء، لا تلقى تقييماً حقيقياً في أغلب الأحيان، لذلك ينبغي التوجه نحو السوق لتصحيح ذلك.

وهذه المقاربة في التعامل مع مصادر المياه تهدف إلى وضع الزراعة في مكانها الحقيقي في الاقتصاد العالمي، إذ أن أسعاراً مرتفعة للمياه يتمخض عنها هدر أقل في عملية الإرواء وسياسة رشيدة في استخدامها، فالدول التي تستخدم مياهها لأغراض أكثر أهمية من الزراعة تقدر الحكمة في شراء غذاء يُنتج في مكان آخر.

إن البحث عن أفضل السياسات للتعامل مع المياه لا يتجاوز المحاور التالية:

ـ ملكية الدولة للبنية الأساسية للمياه.

ـ خصخصة قطاع المياه.

ـ منظومة جديدة يدمج فيها الاثنان.

ويبدو أن المحور الثاني يلقى قبولاً أكثر من غيره في إطار التوجهات الحالية للاقتصاد العالمي، ففي مؤتمر باريس الذي عقد عام 1999 أصرت مجموعة من الوزراء والمندوبين على أن الماء هي بضاعة على مستوى كبير من الأهمية، أفضل وسيلة لإدارتها هي من خلال المساعدة المالية والتقنية التي يمتلكها القطاع الخاص. ويقف ضد هذا الاجتهاد من يرى أن الساكنين في المناطق الريفية البعيدة سوف ينقطعون عن شبكة مياه تدار من قبل القطاع الخاص الذي يرى أن ربطاً كهذا لا يشكل مصدر ربح له.

ويشترط صندوق النقد الدولي في معظم العقود التي يعتمدها لمنح القروض للدول النامية، خصخصة قطاع المياه أو استرجاع الكلفة بكاملها من المستهلك في هذه الدول، وبكلمات أخرى يشترط رفع الدعم الذي تقدمه الدولة لهذا القطاع الهام. وحين نعلم بأن معظم الدول المستدينة هي من الدول الفقيرة: (أنغولا، بنين، غينيا بيساو، هندوراس، نيكاراغوا، النيجر، بنما، رواندا، السنغال، تنزانيا، اليمن)، نستطيع ان نقدر حجم المعاناة التي تقع على غالبية شعوب هذه الدول خاصة النساء والأطفال.

إن ما يثير الألم ويبعث على السخرية حول ذلك هو أن أغلب هذه العقود جرى توقيعها بعد صدور القواعد الجديدة التي أعلن الصندوق عن البدء في اعتمادها، وهي الإجراءات المثيرة للجدل التي تتعلق بإعاده هيكلة مؤسسات الدول المقترضة لتصبح قادرة على التقليص من حجم الفقر. فهذه الإجراءات قد أدت إلى عكس ذلك تماماً، حيث أصبحت المياه أكثر ندرة لشرائح المجتمع ذات الدخل القليل الذين يشكلون الغالبية العظمى من شعوب هذه الدول.

الطريق إلى المستقبل

لا شك ان هنالك جهودا حثيثة في مناطق مختلفة من العالم تبذل منذ عقود من الزمن لإيجاد حلول لمواجهة أزمة المياه في المستقبل، وقد اهتمت معظم دول العالم بذلك، إلا أن دولاً أخرى قد أعارت هذه المشكلة القليل جداً من اهتمامها مع أنها أكثر من غيرها حاجة لمواجهة ذلك. ويمكن ذكر بعض المحاور الهامة في هذا المجال.

1. تقليص الهدر في المياه: إن مما يخفف من أزمة المياه في المستقبل هو استخدام وسائل أكثر اقتصادية في التعامل مع الموارد المائية، فالقمة العالمية لإدارة المياه التي انعقدت في مكسيكو سيتي (المكسيك) في أبريل من عام 2006، والتي شاركت فيها 130 دولة، ألقت اللوم على عاتق المزارعين وعلى نظم الري المتبعة، إذ ان حوالي 70% من المياه العذبة في العالم تُستهلك لأغراض الزراعة يهدر الكثير منها بسبب استخدام نظم ري غير ملائمة.

2. تحلية المياه المالحة: وهي في الحقيقة أنجع الحلول لمواجهة مشكلة شح المياه. إن تحلية المياه تجري منذ مدة طويلة في دول عديدة منها دول الخليج العربي، وقد خضعت تقنياتها للتطوير خلال هذه السنوات لتخفيض كلفة التحلية. ويُنتج يومياً في العالم ما يقرب من 15 مليون متر مكعب من المياه المحلاة باستخدام إحدى تقنيتين: التبخير والتكثيف، أو التناضح العكسي. وتعتبر دول الخليج العربي من أكثر دول العالم استخداماً لمعدات التحلية حيث يبلغ ما ينتج فيها نصف المياه التي تُحلى في العالم.

إن الطاقة المستخدمة في تحلية المياه هي الطاقة الكهربائية في حالة التناضح العكسي والطاقة الحرارية في حالات أخرى، ومقدار ما يلزم من الطاقة للتحلية يعتمد إلى حد كبير على نسبة ملوحة المياه وعلى درجة حرارتها وعلى نسبة الأملاح في المياه المحلاة وعلى طبيعة التقنية المستخدمة. وتتراوح كلفة التحلية للمتر المكعب الواحد بين (76,0 - 04,3) دولار، وتقدر هذه الكلفة في دولة الإمارات العربية المتحدة بنحو 6,1 دولار للمتر المكعب الواحد.

ووفق تقرير مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية الذي صدر في لندن، نوفمبر 2005، ستحتاج دول الخليج العربي في عام 2025 إلى 49 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنوياً، وباعتماد كلفة التحلية الحالية في دولة الإمارات العربية المتحدة، سيترتب على هذه الدول تخصيص مبلغ يقرب من 80 مليار دولار سنوياً للمياه فقط. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة، فليس من المستبعد أن يتجاوز المبلغ المطلوب ضعف ما ذكرنا، هذا في الوقت الذي قد تتناقص فيه إيرادات النفط بسبب استنزاف جزء من المخزونات أو بفعل تقلبات الأسعار العالمية.

وهذا في الحقيقة يضع دول الخليج العربية أمام واقع لا بد من مواجهته باستراتيجية البحث عن وسائل جديدة لتحلية المياه أكثر فعالية وأقل كلفة، وهذا يفرض بشكل لا لبس فيه إعارة البحث العلمي النظري والتطبيقي في مجال تحلية المياه أهمية استثنائية.

3. الاستفادة من الجبال الجليدية: لقد أثمرت عقود من الدراسات والأبحاث التي استخدمت فيها الأقمار الاصطناعية عن وضع نماذج حول نشوء الجبال الثلجية وذوبانها، إذ تتوافر في الوقت الحاضر بيانات على درجة عالية من الدقة حول أمور شتى تتعلق بمعدلات تكوين هذه الجبال وتوزيعها.

ويقدر حجم المياه العذبة الموجودة في هذه الجبال بما يكفي لتغطية جميع حاجة العالم من المياه لشتى الأغراض، ويعتبر القطب الجنوبي المصدر الرئيسي لهذه الثلوج حيث يتوافر فيه ما يزيد على 90% من الجبال الجليدية.

ويقدر الخبراء في هذا المجال أنه من الناحية التقنية يمكن التعامل مع جبل جليدي متوسط الحجم، يبلغ طوله 600 متر وعرضه 400 متر وارتفاعه 150 مترا، وجبل كهذا يبلغ حجمه 036,0 كيلومتر مكعب، وتبلغ كتلته 36 مليون طن.

جبال جليدية كهذه يمكن، من الناحية النظرية، سحبها إلى الأماكن التي تشكو من شح المياه، خاصة في المناطق التي تقع في نصف الكرة الجنوبي حيث تكون المسافات قصيرة نسبياً، ومن ضمنها جنوب أستراليا والمناطق الجنوبية من القارة الأفريقية التي تشكو من شح المياه.

د. محمد عاكف جمال