العمل بشحنة عالية من التوتر يضر بالصحة، والكثير من الشركات أخذت تدرك مسألة أن العاملين فيها يشكلون رأسمالها الحقيقي وقررت استثمار المزيد من الجهود والأموال في رعايتهم إلى الحدود القصوى، وتشمل تلك الجهود برامج للإقلاع عن التدخين وتخسيس الوزن وتنظيم العمل وممارسة الرياضة. لكن كل ذلك لا يزال يعتبر غير كاف للقول إن الشركات بدأت تدلل العاملين لديها.

جنيفر وباميلا تعملان في شركة «جنرال ميلز»، وهي شركة أميركية متعددة الجنسية متخصصة في معالجة وتجارة أشهر المنتجات الغذائية على الصعيد العالمي. كلاهما كانتا بدينتين - كان وزن كل منها يقدر بنحو 100 كيلوغرام- وكانتا مصابتين بمرض السكري نوع 2 . الأولى كانت تدخن بشراهة والثانية كانت تعاني من آلام رهيبة في الظهر جراء زيادة وزنها. كلاهما وجدتا صعوبات جدية في الأخذ بيد أبنائهما الصغار واحتضانهم بحرية، أما إجازاتهما المرضية والضرورات المتعلقة بتناول الأدوية فلقد أضرت بمستوى عطائهما في العمل وقللت من إنتاجيتهما وزادت تكلفة تأمينهما الصحي.

لكن الشركة متعددة الجنسية قررت، مع ذلك، التدخل في القضية وبدأت العاملتان حضور اجتماعات ضمن برنامج يرمي إلى تخسيس أوزان العاملين في الشركة ممن يعانون من البدانة من دون أخذ الكثير من الوقت منهم، ذلك أن هذا النوع من الاجتماعات عادة ما يعقد في المكاتب نفسها.

وقد استمتعت المرأتان بصالة التمارين الرياضية التابعة للشركة، حيث أعاد لهما مدرب شخصي ومعالج فيزيائي شكلهما الطبيعي. وفي الكافتيريا كانوا يقدمون لهما وجبات فيها قليل من السعرات الحرارية وأنواع مختلفة من السلطات . كما تلقت جنيفر الدعم اللازم للإقلاع عن التدخين.

وكل ذلك على حساب الشركة وتقول جنيفر بلا تردد: «أنا أعطي المزيد الآن لأني أتمتع بصحة أفضل». لقد أدرك عدد من أفضل الشركات أن الوقاية من الأمراض التي يمكن أن يصاب بها العاملون لديها وعلاجها والتخفيف من توترهم يعد عملا ناجعا له انعكاساته الإيجابية على صعيد زيادة الإنتاجية وسلامة العاملين الجسدية والعاطفية على حد سواء. إلا أن معظم العاملين الذين يقرؤون هذا الموضوع لا يزالون بعيدين جدا عن تحقيق هذا الحلم.

مجلتا «ذا جورنال أوف ذا أميركان ميدكال أسوسييشن» و «أركايفز أوف انترنت ميدسين» نشرتا، مؤخرا، بحثين علميين أبرزا أمرا كان يدركه الاختصاصيون تمام الإدراك وهو أن التوتر يقتل الإنسان رويدا رويدا، لكنه يقتله في نهاية المطاف.

البحث الأول يخلص إلى نتيجة مفادها أن المرضى الذين عانوا من احتشاء عضلة القلب ولا يزالون على رأس عملهم في ظل ظروف مليئة بالتوتر يعانون من خطر التعرض مجددا لحوادث جديدة بهذه المواصفات. بينما يؤكد البحث الثاني بدوره أن التوتر يؤثر سلباً على العلاقات العاطفية بين الأزواج، الأمر الذي يضر بشكل جدي بالصحة القلبية.

في الواقع ، فإن الخبراء في هذا الموضوع لم يظهروا دهشة كبيرة حيال هذه المعطيات، إذ يبين خافيير اسكانيدا، الأمين العالم للرابطة الاسبانية لعلم أمراض القلب، أن التوتر كان له دور لافت جدا في الأمراض القلبية. وعلى الرغم من أهمية التوصل إلى استنتاجات من هذا القبيل، إلا أنه لا شك بأننا كمتخصصين في الأمراض القلبية ننصح مرضانا بشكل بديهي أن يبتعدوا عن الأوضاع الموترة للحفاظ على سلامة القلب.

بموازاة ذلك، فإن مجلة «ذا نيو انجلاند جورنال أوف ميدسن» قد نشرت، مؤخرا، مقالا تنصح فيه بإلحاح بأن تأخذ الشركات مرة وإلى الأبد مسألة الاعتناء بصحة العاملين لديها على محمل الجد، ذلك أن هؤلاء العاملين يشكلون أهم مقومات نجاحها. كما يتعين الأخذ بعين الاعتبار أن الصدى الذي تحدثه أمثلة مثل مثالي جنيفر وباميلا لإظهار ارتقاء وتطور هذا الجانب لا يمكن اعتباره أمرا غير معقول أو منافيا للعقل.

على ضوء هذين البحثين العلميين يبدو واضحا أنه يتعين على العاملين تقويم هذه القضية ووضع العلاج الناجع لها. لكن الرياح لا تجري دائما كما تشتهي السفن. ففي العام الماضي تم تكليف المعهد الإقليمي للسلامة والصحة في العمل، التابع لمستشارية التوظيف والمرأة في منطقة مدريد، بمتابعة ودراسة موضوع التوتر والانفعال والإرهاق في العمل بغية قياس مدى ترابط عناصر الخطر النفسية الثلاثة هذه في عينة مكونة من أكثر من أربعة آلاف عامل من تلك الشركة العامة.

وبينت نتيجة الدراسة أن واحدا من كل ثلاثة من الموظفين الذين شملتهم الدراسة أظهر مستويات خطيرة من التوتر وأن 36% منهم يعيشون وضعا عمليا خطيرا على الصعيد النفسي، وهذه النسبة تمثل أكثر من ألف من العاملين المتضررين.

أما نتيجة هذا التوتر، فإنها تتمثل بأمراض عدة حيث لا يقتصر الأمر على الأمراض القلبية، التي يشير إليها البحثان الأميركيان آنفا الذكر. فلقد لوحظ أن الموظفين المتوترين يطورون أعراضا متنوعة- بدءا بالمشكلات الهضمية والقلبية أو آلام الظهر حتى الشقيقة أو التوتر المفرط - بما في ذلك الإحباط والوهن والقلق والعدوانية والنزاعات العائلية وترك العمل والتوعك النفسي الشديد وظهور حالات الإدمان واختلال الوظائف الجنسية وتراجع مستوى التقدير الذاتي.

لا بل إن هناك المزيد من التأثيرات السلبية للتوتر، حيث توجد آثار عديدة تشير إلى أن التوتر في العمل ينعكس على الصحة العصبية مع مرور الوقت. فعلى ما يبدو أن أوضاع القلق والانزعاج تسهل إفراز الكولسترول ومع مرور الوقت فإن هذه المادة تنتهي إلى إحداث تدهور خطير في وظائف الدماغ. وعمليا، فإن بعض الدراسات تربط هذه الظاهرة بظهور حالات خبل على غرار الزهايمر ومشكلات أخرى في الإدراك بدءا من سن معينة.

وفي المحصلة النهائية، فإن هذه السلسلة من المشكلات الصحية تنعكس بشكل سلبي على الشركة وتأخذ شكل تدني مستوى العطاء والأداء وتسريح المستخدمين والغياب والإجازات المرضية المتكررة (بما فيها طويلة الأمد) والإجازات بلا راتب..

كل ذلك وغيره يؤثر على نتائج العمل ومستوى الأداء. لكن وعلى الرغم من الوضوح المتزايد للعلاقة المتبادلة القائمة بين سلامة الموظف من الناحية العاطفية وصحته الجسدية ومستوى عطائه في العمل، إلا أن الشركات لا تأخذ حتى الآن تلك العلاقة على محمل الجد على ما يبدو.

لكن لماذا تحول مكان العمل ( ما عدا استثناءات محدودة) إلى بيئة غير لطيفة إلى هذا الحد بالنسبة للموظف؟ من وجهة نظر الخبراء، فإن الأمر واضح وضوح الشمس، إذ ان الموظفين يتبعون أنماطا بالية أكل عليها الدهر وشرب تقوم على فكرة بالية أيضا تقول إن درجة معينة من التوتر عادة ما تكون مفيدة بالنسبة لمستوى الاستنفار والنشاط الجامح لدى العاملين، والتي تمثلت مهمتها الرئيسية في خلق مناخ من المنافسة بطريقة وحشية لا تعرف الرحمة.

ويوضح انياكي بنويل، مدير الموارد البشرية في جامعة «ألكالا» بمدريد أنه «يجب أن تستبعد مرة وإلى الأبد الفكرة القائلة بوجود نوع من التوتر المطلوب الذي يمكن اعتباره إيجابيا بالنسبة للبعض، ذلك أنه يعتبر في نهاية المطاف عنصرا يخضع الفرد للتوتر والإرهاق ويجعله يدفع الفاتورة على الصعيدين الجسدي والعاطفي».

ودافع هذا الخبير وخبراء آخرون عن إحداث انعطافة جذرية في الأطروحات المتعلقة بالعمل «فلقد تغير السوق ويتعين على الشركات إدراك أن العاملين فيها هم القوة الأهم التي تعتمد عليها، وبالتالي لا بد من توسيع الإجراءات التي تسمح بأن يتمتعوا بنظام فائق للرعاية» على حد تعبير خوان بيدرو هيريرا، مدير الموارد البشرية في شركة الأدوية ، «ليلي اسبانيا»، الذي يتنبأ بأن الشركات التي لا تسير على هذا الدرب لا تدرك ما ينتظرها على المديين المتوسط والبعيد».

ترجمة : باسل أبو حمدة عن «الموندو»