يختتم المؤلف كتابه بالحديث عن نذر المستقبل بالنسبة للوضع العالمي، حيث يستبعد هيمنة قوة واحدة على عالم الغد من دون منازع، ويتوقع أن نشهد بروز قوى عديدة تمتلك السلاح النووي، الأمر الذي يهدد بنشوب حرب نووية مدمرة ويستدعي اللجوء إلى التعددية كأسلوب لبسط السيطرة على الساحة العالمية ومنع حدوث فوضى قد تهدد بقاء الإنسان نفسه.

ويلاحظ في هذه الحلقة تركيز المؤلف على الحركة المناهضة للعولمة ومحاولة استقراء مستقبل هذه الحركة التي تواجه عقبات في طريق تحولها إلى قوة عالمية مؤثرة، خاصة في ظل ضعف تأثيرها في شرق آسيا بسبب النمو الاقتصادي الكبير الذي يشهده العملاقان الآسيويان الصين والهند، والذي يعيق نشوء حركات اجتماعية ثورية.

«هيمنة مستبعدة وفوضى ممكنة». هذا العنوان الذي استخدمه المؤلف يذكر بجملة شهيرة لعالم الاجتماع الفرنسي ومنظّر الليبرالية الشهير ريمون آرون القائلة: «سلام مستحيل وحرب مستبعدة»، وذلك كي يعبر عن الحالة التي كانت سائدة في ظل الحرب الباردة. هكذا جاء «انهيار» الإمبراطورية السوفييتية في مطلع عقد التسعينات الماضي كي يحل تلك المشكلة التي تحدّث عنها ريمون آرون.

بالمقابل يتسم عالم اليوم بقدر أكبر من الحركة و«االمرونة» بحيث يمكن تصور أن يكون المستقبل مختلفا جدا. فمن جهة هناك عملية «الهدم» و«إعادة البناء» التي ترافق العولمة، على غرار ما عرفته فترة «التدويل» خلال القرن التاسع عشر والتي انتهت بصدمة الحرب العالمية الأولى (1914-1918). تلك الحرب التي يعتبرها المؤلف بمثابة «الذروة المأساوية لتفوق القوى الامبريالية الأوروبية».

ومن جهة أخرى هناك «ازدحام العالم» القائم في ظل العولمة الليبرالية الراهنة مما يحد من هامش مناورة الدول مع ما يترتب على هذا من «تعطيل» لآليات عمل العلاقات الدولية ومن «كبح» لإمكانيات بروز هيمنة قوى سياسية جديدة.

مع ذلك لن يختفي أبداً البحث عن الهيمنة وربما إذا اجتمعت بعض الظروف يمكن للعالم أن يجد نفسه في ظل نفوذ «سيد» جديد، هذا مع الإشارة إلى أن مثل هذا المنظور مستبعد فالفرضية المركزية في هذا الكتاب تقول بمنظور قيام عالم «لا سيد» فيه، وبالمقابل لن تسود تعددية الأقطاب دون بذل جهود عديدة.

وستكون «الإمبراطورية المعيارية» ثمرة التقاء مجموعة من القوى الفاعلة والعوامل المتأرجحة والتي هي في حالة إعادة تشكيل مستمرّة. في أسوأ الاحتمالات قد يكون هناك خطر أن تعم الفوضى منظومة العالم بفضل تضافر التوترات العالمية ورفض آثار صدمة العولمة. ويرى مؤلف الكتاب أن الثورة البلشفية لعام 1917 في روسيا التي طبعت بطابعها القسم الأكبر من القرن العشرين كانت ثمرة سياق مشابه.

ويتم التأكيد أيضا على أن «ازدحام العالم» يفتح مجالات لبروز قوى تعيق قيام نظام دولي مستقر وإنما تثبت معايير تحيط بالعولمة وتوجهها. كذلك يمكن للرؤية التي تقول بإمكانية أن تسود «الإمبراطورية المعيارية» ذات الطبيعة الاجتماعية ـ الديمقراطية أن تجد في مواجهتها نوعا من الفوضى التي يمثل مناهضو العولمة تعبيراتها الخجولة الأولى.

ويحدد المؤلف عدة نقاط ارتكاز سوف تسمح بالحكم على الاتجاه وعلى المسار اللذين ستعرفهما منظومة العالم خلال السنوات والعقود القادمة. النقطة الأولى تتعلق بالوضع الذي ستؤول إليه حالة انتشار أسلحة الدمار الشامل في العالم، وخاصة الأسلحة النووية. ذلك أن عالما قد يصل عدد القوى النووية فيه إلى عشرين أو ثلاثين قوة ويصبح امتلاك القوّة النووية فيه مطمحاً تتطلع إليه الدول بلا شك وضعاً غير موات لظهور هيمنة دولة واحدة، ومهما كانت قوة هذه الدولة. فالسلاح النووي يحمي في واقع الأمر من يملكه.

الحروب المدمرة

إن عالما كالذي يرتسم في الأفق يغدو فيه خطر الحروب المدمّرة أكبر فأكبر. ذلك أن زيادة عدد القوى النووية يمكن أن تتم ترجمته بتعاظم احتمالات اللجوء إلى استخدام السلاح النووي. لكن يبقى الخطر الأكبر هو امتلاك أسلحة الدمار الشامل هذه من قبل مجموعات غير حكومية، وغير خاضعة لسلطة الدول، والتي لن يكون من السهل ردعها وقتالها إلا عن طريق اتخاذ إجراءات عالمية للمراقبة وبحيث يتم أيضا اتخاذ إجراءات تتجاوز جميع التشريعات والممارسات السائدة اليوم لمكافحة الإرهاب والتي تعاني من مكامن ضعف واضحة كبيرة.

ضمن هذا النهج من التحليل تغدو مكافحة انتشار الأسلحة النووية رهانا لا يرمي إلى استقرار الجميع وضمان أمنهم فحسب وإنما أيضا يستهدف، بعد أجل، طبيعة المجتمع (الوطني أو العالمي) نفسه الذي سيعيش فيه البشر.

ويرى المؤلف أنه سوف يجري على مدى تطورات أطول وأعمق نوعا من ترسيم حدود السلطات وأشكال النفوذ التي تساهم في بروز «معايير من مختلف الأشكال والمشارب» تتحكم بآلية عمل منظومة العالم، خاصة فيما يتعلق بوزن الدول الشريكة أو المتنافسة صاحبة المبادرة في هذا المجال أو فيما يخص توزيع الأدوار بين الدول ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات ذات الغاية الاقتصادية.

ويتم التأكيد على أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي سيكون لها أيضا الأرجحية، هذا على الرغم من تواضع الممارسات التي تصرّفت فيها إدارة جورج دبليو بوش على أساس تعددية الأقطاب في العالم، هذا إذا لم تكن قدرتها اللامحدودة في تثبيط عزيمة أصدقائها واحتقار شركائها وتعزيز قوة أعدائها. مع ذلك وضمن هذه الظروف لا يزال النقاش الخاص بأغلبية المواضيع المتعلقة بآلية عمل منظومة العالم مرهونا إلى حد كبير بالولايات المتحدة الأميركية.

إن المبادرات التي اتخذتها الحكومة الأميركية حول نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، والأعمال الوقائية التي قامت بها في الميدان الإستراتيجي، والتمييز بين «أوروبا القديمة ـ العجوز» وأوروبا «الجديدة».

حسب التعبير الذي كان دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق هو الذي استخدمه أولا بعد ظهور أصوات أوروبية ـ خاصة فرنسا وألمانيا ـ مناوئة للحرب في العراق، ومبادرات التنمية الأميركية حيال القارة الإفريقية كانت كلها أمثلة على قدرة إدارة بوش (لما هو أفضل وما هو أسوأ) على طرح مسائل النقاش.

كذلك تتم هنا الإشارة إلى النشاط الكبير الذي تقوم به قوى أميركية غير تابعة للدولة مثل دور الكنائس الإنجيلية الأميركية في إفريقيا أو في إسرائيل. هكذا إذن تمتلك الولايات المتحدة القدرة على قيادة مبادرات تصدر عن الدولة أو القيام بأعمال يكون المجتمع المدني وراءها.

وفي المقابل تبقى الصين، كما يتم تقديمها، خارج اللعبة ك«إمبراطورية معيارية». ذلك أن وزنها الاقتصادي والسياسي المتنامي لا يترافق، أو لم يترافق بعد، بقدرة من نفس الوزن فيما يتعلق بالجذب الإيديولوجي أو الثقافي.

أما الاتحاد الأوروبي فإنه يمتلك من جهته أوراقا رابحة كبيرة أصبحت تعبئتها أكثر سهولة بسبب فقدان الولايات المتحدة للكثير من مصداقيتها على الصعيد الدولي بسبب الأخطاء التي ارتكبتها إدارة جورج دبليو بوش والظروف الجديدة لممارسة السلطة في أميركا.

ومن الاحتمالات التي يتوقع حدوثها مستقبلا تهيؤ الظروف التي تساعد على بروز حركة اجتماعية تمتلك من القوة ما يسمح لها بصد الجهود الرامية إلى الإحاطة بالعولمة لصالح تعبئة تسعى إلى «كسرها». إن مناهضي العولمة لا يشكلون، أو لم يشكّلوا بعد، مثل هذه القوة، على الرغم من طموحاتهم التي تظهر من خلال محاولة تأسيس «حركة عالمية» يمثّلها المنتدى الاجتماعي العالمي بالعلاقة مع الأنظمة الشعبوية في أميركا اللاتينية.

لكن عقبتين أساسيتين تعيقان تقدم حركة مناهضي العولمة. العقبة الأولى تتمثل في «اصطدام» هذه الحركة بحقائق الواقع. ذلك أن الجزء الأكثر سكانا في العالم، أي جنوب وشرق آسيا، حيث يعيش نصف مجموع البشر هو أقلّ ملاءمة لتعبئة الحركات الاجتماعية الجماهيرية مما كانت عليه أوروبا أثناء الثورة الصناعية.

وتستطيع الصين والهند من خلال معدّل النمو الاقتصادي الكبير الذي حققتاه خلال أكثر من عقدين من الزمن المحافظة على درجة من الاستقرار الاجتماعي والسياسي على قاعدة تحسّن مستوى معيشة شرائح متزايدة من المجتمع.

ثم يلعب القمع دوره بالنسبة للصين، لكن مع إشارة المؤلف إلى أن أوروبا عندما كانت في صدد التصنيع خلال القرن التاسع عشر لم تكن خالية من أشكال القمع، فإنه يركز على القول أن النمو الاقتصادي الأوروبي أثناء الثورة الصناعية كان أدنى بكثير (3 بالمئة سنويا) مما هو النمو الاقتصادي الصيني اليوم (10 بالمئة سنويا) والهندي (8 بالمئة).

وهكذا أدّى النمو الاقتصادي الضعيف في أوروبا إلى استمرار معاناة شرائح واسعة من «صدمة التحديث» اقتصاديا واجتماعيا وبالتالي إلى تشكل حركات ذات طابع ثوري، كان لها دور كبير. إن تراجعا كبيرا ومستداما للنمور الاقتصادي في آسيا يمكن أن يؤدي إلى بروز حركات اجتماعية كبيرة، لكن مثل هذا الاحتمال يعتبره المؤلف بمثابة «فرضية» وليس «أمرا مؤكدا».

على الصعيد الواقع العملي اجتازت دول جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية من دون كارثة سياسية واجتماعية الأزمة المالية العنيفة التي هزتها خلال عامي 1997 ـ 1998. بل إن ما يثير الدهشة أثناء تلك الأزمة هو تماسك المجتمعات المعنية وليس هشاشتها أمام ما كان يمثل قوة كابحة كبيرة كان لها آثارا سيئة عميقة في سياقات أخرى.

عقبة أخرى

العقبة الثانية التي تعيق تقدم حركة مناهضة العولمة تتمثل في أنها لم تجد حتى الآن الإيديولوجية التي توحّدها بأبعد من رفض مختلف المظاهر والجوانب السلبية للعولمة. إن التمسك بمثل هذا الرفض والاكتفاء به لا يمكن أن يوفّر التعبئة على الصعيد العالمي.

ذلك أن شجب عملية نقل نشاطات الشركات والمؤسسات الأوروبية إلى الصين أو الهند حيث اليد العاملة وكلفة الإنتاج أرخص ليس منه أن يؤدي إلى تعبئة الجماهير العاملة الصينية أو الهندية أو غيرها المستفيدة أصلا من ذلك الانتقال.

ثم إن انتقاد حرية التبادل التجاري في القطاع الزراعي لن يعبئ هو الآخر جماهير الفلاحين في بلدان العالم الثالث ضد العولمة لاسيما وأن هذه الجماهير هي التي تعاني أصلا من إجراءات الحماية الأوروبية والأميركية واليابانية بالنسبة للمنتوجات الزراعية.

كذلك يرى المؤلف أن حركة مناهضة العولمة تعاني، حسب أسس عملها الحالية، من عدة تناقضات كبيرة. ولا يتم استبعاد أن يكون تأثيرها في مثل هذه الظروف عاملا مساعدا لتأثير قوى تتجاوزها. فمن جهة يصب عمل الحركات المناهضة للعولمة في طاحونة تدعيم أولئك الذين يريدون، بأي ثمن، حماية المجتمعات الصناعية «التقليدية» على حساب مصالح الاقتصادات الصاعدة التي تمثل عملية تحرير المبادلات التجارية شرطا لا بد منه من أجل تنميتها.

وفي المحصلة، وإذا تمّ دفع المنطق الذي تتبنّاه حركة مناهضة العولمة إلى حدوده القصوى، فإنه يتقارب مع منطق القوى الأكثر رجعية مثل النزعة الأحادية في تسيير أمور العالم التي يقول بها المحافظون الجدد ورفض المنظومات متعددة الأطراف التي تتبنّاها المنظمة العالمية للتجارة والرامية إلى «تأطير» عمل العولمة.

ويشرح المؤلف في هذا السياق أنه ربما كان بإمكان الماركسية أن تمثل الإيديولوجية التي توحّد الجهود ضد العولمة الرأسمالية، وحيث تجاوزت، عبر مقولة صراع الطبقات، النزاعات بين البلدان المصنّعة والاقتصادات الصاعدة والبلدان النامية.

ثم إن الماركسية، التي تريد شرح العالم من أجل تغييره، وما لازمها من تعبئة دولية للعمال ـ «يا عمّال العالم اتحدوا» ـ تجاوزت مبدئيا على الصعيد الإيديولوجي نزاعات المصالح الوطنية والاقتصادية التي لم تتجاوزها عمليا حركة مناهضة العولمة في السياق الراهن.

لكن الماركسية تعاني من فقدان المصداقية الكبير الذي أفرزته المحصّلة البائسة ل«الاشتراكية الواقعية» كما مارستها الإمبراطورية السوفييتية السابقة وغيرها من البلدان التي تبنّت نفس التوجه الإيديولوجي. كما أن الماركسية، التي تماهت مع أشكال الرعب للستالينية والتي أظهرت عدم قدرتها على الوفاء بوعودها، برهنت على أنها غير قادرة على منافسة خصومها الليبراليين على المدى الطويل.

ويشير المؤلف في هذا الإطار أيضا إلى كتاب: «الطبّاخة وآكل البشر» الذي ألّفه الفيلسوف الفرنسي «أندريه جلوكسمان» أثناء «انتقاله» من الماركسية إلى الليبرالية. لكن بالمقابل يتم التأكيد على أن الماركسية لم تفقد مصداقيتها كاملة كما حلّ بالفاشية. ذلك أن الآراء الفلسفية والتاريخية (هذا إذا لم يكن الاقتصادية) التي قال بها ماركس ورفاق دربه لم تفقد مصداقيتها كلها. مع ذلك لا يمكن القول أن الماركسية كقوة إيديولوجية سياسية وتنظيمية ستعود قريبا إلى الساحة.

وبانتظار ذلك هناك عناصر أخرى سوف تعيق قيام نظام دولي يعمل على أساس عقلاني. أولا هناك النتائج المترتبة على إهمال العولمة الليبرالية السائدة لمجموعات من البشر «المتروكين لمصيرهم» خاصة في إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء (إفريقيا السوداء).

إن التحديات المتعلقة بهذه المنطقة من العالم كبيرة وهي تتعاظم أكثر فأكثر مع مرور الوقت. ولا شك، برأي المؤلف، أن البلدان الإفريقية البائسة التي يهلك الكثير من أبنائها في عرض البحر وهم يحاولون الوصول إلى «الفردوس الأوروبي» سوف تصدّر فيما بعد العنف نحو العالم الصناعي.

ويسوق المؤلف بين عوائق قيام نظام دولي عقلاني جديد المقاومة الدائمة والمتعددة الأشكال ضد الحداثة التي تبديها دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ويزيد من وزن هذا العامل واقع أن هاتين المنطقتين غنيّتان بمصادر الطاقة كما أنهما تشهدان حالة من العنف الكامن الذي يظهر على السطح بين الفينة والأخرى. ويتم التأكيد في هذا السياق على الدور الكبير الذي تلعبه المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في تأجيج حالة العنف.

وعائق آخر يحدده المؤلف ببروز تيارات تقيم مرتكزاتها على أساس اللعب على العواطف الشعبية. وهي تيارات متنوعة تشمل أنظمة قائمة في أميركا اللاتينية وغيرها وحركات يمينية متطرفة في أوروبا بحيث أن القاسم المشترك بينها كلها هو أنها تعيق قيام نظام دولي فاعل.

المعارك الخلفية

في المحصلة يمكن لمجمل «المعارك» الخلفية الصغيرة المشار إليها أن تكون ذات أثر من حيث ترجمتها أحيانا برفض الأغلبية لمستلزمات العولمة في بلدانها المعنية. لكنها بالمقابل لا تتوصل إلى كبح مسيرة عالم يتابع تقدمه بمعزل عن مختلف محاولات دفعه في طريق مسدود.

يبقى الخطر الأكبر هو «تفجر العنف القومي» في منطقة شرق آسيا، خاصة في الصين. هذه المنطقة أصبحت قطب الاقتصاد العالمي ونتائج مواجهات كبرى فيها سوف تتجاوز ما كان العالم قد عرفه مع نزاعات منطقة الشرق الأوسط ومع الأوضاع الإفريقية.

إن أي عنف كبير في شرق آسيا سوف يعرض للخطر مسيرة العالم الحالية على غرار ما كانت أوروبا قد عرفته اعتبارا من عام 1914، أي منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى، كما يصل المؤلف في تحذيراته. ثم يؤكد أن هذه التوترات سوف تمنع العالم، بكل الأحوال، من انتهاج مسار يكون منظّما وسلميا بنفس الوقت. لا سيما وأن التاريخ لم يعرف سابقا مثل هذا المسار.

مع ذلك كانت تجربة العقود الأخيرة قد برهنت على أن منظومة العالم القائمة تتمتع بقدر كبير من المرونة والتأقلم مما شكّل شرطا أساسيا لخروج ثلث أبناء البشرية من حالة الفقر خاصة في آسيا. بالتالي قد تستطيع فضيلة «المرونة والتأقلم» أن تجنّب العالم، هذه المرّة، عواقب ولوج سبيل الفوضى والتدمير الذاتي.

لا تبدو أوروبا للوهلة الأولى أنها في موقع جيد يسمح لها بلعب دور كبير في عملية إعادة صياغة منظومة عالمية جديدة إلى جانب تأثرها بالعولمة على خلفية تبعيتها للتجارة الدولية في قطاعي المنتجات والخدمات.

ثم إن أوروبا لا تمتلك القوة المتعددة الأشكال والوحدة السياسية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية، رغم أن هذه الأخيرة قد فقدت بعض مواقع سلطتها خلال الحرب الباردة، كما فقدت جزءً كبيرا من مصداقيتها المعنوية والسياسية ومن قدرتها الحركية بسبب قرارات إدارتها الحالية.

كذلك لا تمتلك القارة الأوروبية «القديمة» الدينامية الاقتصادية التي تمتلكها كل من الصين والهند الصاعدتين. كما أن السوق الأوروبي للعمل، المفتوح بالضرورة على «الرياح» التجارية والاقتصادية العالمية، يعاني كثيرا من هجوم «الجيش الاحتياطي لرأس المال» الذي تمثله جموع العاملين الآسيويين. هكذا تضاءلت «حصة الأجور» في الناتج الوطني للبلدان الأوروبية بنسبة 10 بالمئة تقريبا منذ نهاية الحرب الباردة.

بالمقابل لا شك أن الأوروبيين يستفيدون كمصدرين من زيادة الطلب الآسيوي. هكذا ازدادت مثلا مبيعات أوروبا من 200 مليار يورو عام 2001 إلى 244 مليار يورو عام 2005. واستفاد الأوروبيون أيضا أكثر كمستهلكين من الأسعار المنخفضة للمنتوجات والخدمات القادمة من آسيا.

من جهة أخرى لا تعاني أوروبا عن أشكال رعب الحياة اليومية للفقراء الأفارقة، ولا تعرف نفس التناقص السريع في عدد السكان كما تشهد الآن روسيا، وليس فيها أشكال حادة من اللامساواة الاجتماعية ومن العنف الإجرامي مثلما هو الحال في العديد من بلدان أميركا اللاتينية.

لكن بعد أن يقدم المؤلف مثل هذا التوصيف لأوروبا يشير إلى «تواضع» مثل هذه السمات الإيجابية بالنسبة لمنطقة كانت تسيطر على المسرح الدولي منذ ما يقلّ عن قرن من الزمن، ولا تزال تتمتع بوزن اقتصادي وتجاري كبير فمجمل إنتاجها الوطني وتجارتها يضعانها في مصاف الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في مصاف مجموع دول شرق آسيا.

أوراق أوروبا الرابحة

مع ذلك تمتلك القارة الأوروبية «أوراقا رابحة» كبرى تسمح لها أن تكون في عداد القوى الكبرى المشاركة في صياغة منظومة العالم القائمة على معايير محددة، أو «الإمبراطورية المعيارية» حسب تعبير المؤلف.

الورقة الأولى تتمثل في أن أوروبا ودولها ومجتمعاتها المدنية تتمتع بدرجة كبيرة من القبول على المسرح الدولي. وهناك حيث تثير الولايات المتحدة ردود أفعال سلبية، بل والبغض، وهناك أيضا حيث لا تثير الصين الاستبدادية والمتمركزة حول ذاتها الحماسة للاقتداء بها، تمثل أوروبا بالمقابل، وبدرجات مختلفة، محاورا مقبولا بالنسبة للسواد الأعظم من العالم. ثم إن معيارا دعمته أوروبا، مثل اتفاق كيوتو أو المحكمة الجنائية الدولية، يمكنه أن يلقى قبولا أكثر من مبادرة وراءها الولايات المتحدة (أو من غياب أية مبادرة صينية).

الورقة الرابحة الثانية يحددها المؤلف ب«المرونة». وهده ميزة كبيرة في عالم «مزدحم» لا يمكن فيه لأداة سلطة أو نفوذ، مهما كانت، أن تعطي نتائج مستدامة. لكن الأوروبيين، من خلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي أو على مستوى الدول والمجتمعات المدنية، يمتلكون «أدوات» عديدة للفعل والتنظيم مما يسمح بتنويع أشكال التحرك تبعا للأوضاع وللأهداف المطلوب تحقيقها.

بالمقابل هناك عدة عقبات يصطدم فيها العمل الأوروبي، وهي تعود جزئيا إلى «ازدحام العالم». فعلى الصعيد العسكري لا تستطيع أوروبا في عصر العولمة على أن ترسل أعدادا كبيرة من القوات إلى أنحاء العالم. وهناك اليوم حوالي 60 ألف جندي أوروبي موجودين في مختلف مسارح العمليات بينما كانت أوروبا تستطيع إرسال أضعافا مضاعفة في السابق.

والحروب اليوم أصبحت باهظة التكلفة اقتصاديا بحيث تقلّصت إمكانيات التدخل لدى الدول الصناعية «الاستعمارية» سابقا «لحسن الحظ»، كما يقول المؤلف، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن هذه «العقبة» لم تكن موجودة في الماضي.

بكل الحالات تبقى أوروبا «خجولة» في صياغة مبادرات ملموسة ذات تطلع عالمي. وقد يكون هذا استمرارا «لسلوكيات» الحرب الباردة خاصة ترك المسؤوليات الإستراتيجية الرئيسية للولايات المتحدة. إن أوروبا تمتلك إمكانيات اقتصادية ومجتمعية وسياسية وعسكرية كبيرة ومتنوعة ومرنة، تؤهلها للعب دور في صياغة عالم الغد. وهذه هي الرسالة التي يختتم فيها المؤلف كتابه.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف