يتناول المؤلف في هذه الحلقة طبيعة التحديات التي تواجه الأمم المتحدة وعلى رأسها إصلاح نظام المنظمة نفسها، حيث إنه يقوم على أسس وضعت بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية في ظروف تختلف تماماً عن الظروف الدولية الراهنة، وبالتالي بات من الضروري تعديله لكي يكون أكثر عدلاً وإنصافاً.
فهناك دول عديدة تعترض على صيغة الصوت الواحد للبلد الواحد نظراً للتفاوت الكبير في حجم الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، وهناك من يعترض على حصر حق النقض «الفيتو» بالدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ويطالب بتوسيع عضوية المجلس لتضم دولاً أخرى ذات تأثير ونفوذ عالمي كبير. ويشير المؤلف إلى أنه وعلى الرغم من الجهود التي بذلت من أجل إصلاح الأمم المتحدة، إلا أنها جميعاً باءت بالفشل بسبب تضارب المصالح واختلاف الرؤى بين الدول الأعضاء. تتمتع الدول في العالم المعاصر بمساواة شكلية شبه كاملة وتخضع لنفس قواعد اللعبة تقريبا.
كن هذا التعايش بين دول متساوية من حيث الشكل وتجسيد سلطة سياسية داخل حدودها يقابله «تنافر» كبير على مستوى الواقع. إن الدول «ذات السيادة» يقطنها 7. 99 في المئة من مجموع سكان المعمورة، ولا «ينجو» من هذه السيادة سوى حوالي 20 مليون نسمة يسكنون جزيرة تايوان التي تمثل واقعيا «دولة» لكنها لا تحظى باعتراف سوى حفنة قليلة من الدول. هذا بالإضافة إلى بعض المناطق الصغيرة من «بقايا» الإمبراطوريات والتي يخضع سكانها لسيادة أميركية (جوام وساموا) أو بريطانية (جبل طارق وبرمودا) أو أنها تغدو بمثابة مقاطعات بعيدة مرتبطة بالوطن الأم مثل علاقة «جزر نيو وتوكولا وكوك) مع نيوزلندا أو علاقة «كاليدونيا الجديدة» مع فرنسا.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى المساحات الواسعة في القارة المتجمدة الجنوبية «انتاركتيكا» التي تبلغ مساحتها حوالي 14 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 10 بالمئة من مساحات اليابسة البارزة من المياه. هذه الأراضي الشاسعة خاضعة لمعاهدات خاصة «تجمّد» تماما المكانة القانونية لهذه القارّة غير المأهولة بصورة مستمرّة. ويشير المؤلف إلى أن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يغدو فيها السواد الأعظم من البشر محكومين، نظريا على الأقل، من قبل مجموعة متشابهة، إلى هذا الحد أو ذاك، من القواعد تعود إلى القرن السابع عشر وتتمثل صيغتها الأساسية اليوم في ميثاق الأمم المتحدة الساري المفعول اعتبارا من عام 1945.
ويتم التأكيد هنا على أن الانتصار الكوني «يونيفرسال» للقواعد المطبقة اليوم يتوافق مع نهاية الحرب الباردة، وذلك مع نهاية الإمبراطورية البرتغالية (استقلال انغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر وساوتومي) بل ومع فترة أقرب عند استقلال ناميبيا عام 1989 التي كانت تخضع لاحتلال جنوب إفريقيا.
وتزامن الأخذ بمجموعة من القواعد على الصعيد الكوني مع ظاهرة من طبيعة أخرى يحددها المؤلف بزوال الإمبراطوريات متعددة القوميات أو الأشكال «المصغرة» عنها. هكذا انتهت الإمبراطوريتان النمساوية-المجرية والعثمانية عند نهاية الحرب العالمية الأولى 1914-1918. ثم عرفت هذه الحركة ذروتها مع تفكك الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا الاتحادية حيث تولّد عن ذلك قيام 21 دولة ذات سيادة وعدة كيانات لم يتم حتى الآن تحديد مكانتها القانونية ( مثل كوسوفو وأبخازيا).
لكن بالمقابل استمرّت عدة مجاميع متعددة القوميات بالوجود مثل الصين وروسيا ما بعد السوفييتية أو أخرى أكثر تواضعا كبلجيكا والبوسنة والهرسك. هنا تتم الإشارة إلى أن الأغلبية الساحقة من سكان الصين هم من شعب ال«هان» وأكثر من 80 بالمئة من سكان روسيا الاتحادية هم من القومية الروسية.
ويركّز مؤلف الكتاب على القول إن زوال الإمبراطوريات متعددة القوميات في أوروبا والشرق الأوسط لا يعني وجود ميل إلى زوال الكيانات ذات المساحات الكبيرة. ذلك أن «بلدانا كبرى» من حيث مساحتها أو عدد سكانها استطاعت، عبر وجود مؤسسات ملائمة، البقاء والازدهار. وتعتبر الهند والولايات المتحدة والبرازيل وكندا واندونيسيا واستراليا، والصين بشكل خاص، شواهد بليغة على ذلك.
شكّل الانتماء إلى منظمة الأمم المتحدة أحد سمات «الكونية» الحديثة، لكن هذا لم يمنع واقع أن بلدا مثل سويسرا قد مارس سيادته القانونية والفعلية دون أن يكون عضوا في الأمم المتحدة حتى عام 2002. لكن منذئذ أصبحت السيادة القانونية والانتماء إلى المنظمة الدولية شبه مترادفين. «دولة» الفاتيكان وحدها لا تزال خارج هذه المنظّمة التي غدت بمثابة برلمان العالم أو بدقة أكبر برلمان دول العالم. هذه الدول تمتلك، كل منها، صوتا مهما كانت صغيرة كأمارة موناكو أو مهما كبرت كالولايات المتحدة الأميركية.
يبقى القول إن سلطات كل أمة أو كل دولة مرتبطة بمدى قوتها. ولا شك إذن أن سلطات الولايات المتحدة أكبر بكثير من سلطات موناكو. مع ذلك تبقى نقطة الانطلاق هي التأكيد على سيادة كل دولة. وللمرة الأولى في التاريخ تخضع المساواة الشكلية لجميع الدول إلى معين مشترك من القواعد القانونية والسياسية مع تنافر كبير في الأوضاع وفي امتلاك أدوات السلطة والنفوذ. ثم إن طبيعة أشكال اللا مساواة الحديثة بين الدول لا بد وأن تكون لها آثارها على ما يمكن انتظاره من «الحكومة العالمية» وعلى مفهوم «دولة واحدة، صوت واحد».
إن أكثر من نصف ال192 دولة التي تتألف منها منظمة الأمم المتحدة يقل عدد السكان في كل منها عن 10 ملايين نسمة. وهناك 39 دولة لا يبلغ عدد سكان أي منها مليون نسمة. كما أن خمس الدول الأعضاء لا يصل مجموع عدد سكانها إلى عدد سكان بلد أوروبي صغير مثل بلجيكا. بالمقابل هناك عشرة بلدان (الصين، الهند، الولايات المتحدة، أندونيسيا، البرازيل، روسيا، باكستان، بنغلاديش، نيجيريا، اليابان) يسكنها 8. 3 مليارات نسمة تقريبا أي ما يمثل حوالي 60 بالمئة من مجموع عدد سكان العالم.
البعد الديموغرافي
هنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أن البعد الديموغرافي ـ عدد السكان ـ لا يشكّل بالطبع العامل الحاسم الوحيد ولا الرئيسي دائما لقوة أمة ولمدى نفوذها. العامل العددي له وزنه في حالة اعتماد مبدأ الاقتراع العام. لكن هذا لا يمنع واقع أنه من الصعب تصوّر أن يغدو عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة «أكثر ديمقراطية» إذا أصبح أغلبية أعضائه من الدول الديمقراطية مع تطبيق مبدأ «دولة واحدة، صوت واحد».
إذ أن «وزن الدول» هو الذي يحدد أكثر مدى «سلطة» الجمعية العامة ومدى فاعليتها وليس بالأحرى عددها. بالطبع ينبغي «عدم خلط» هذه الحقيقة، كما يقول المؤلف، مع أطروحات المحافظين الجدد التي ترفض أصلا أية سلطة للجمعية الأممية بحجة أن عددا من أعضائها لا يشكل دولا جديرة بهذه العضوية مثل زيمبابوي وميانمار.
يمتلك العالم اليوم بفضل منظومة الأمم المتحدة شكلا أوليا من «حكومة دولية» تعتمد قانونيا على مكتسبات القانون الدولي المتكدّسة خلال القرون الأخيرة المنصرمة. واليوم في عصر العولمة، وبمواجهة «عالم مزدحم» لم يعد ينتظم بسهولة حول مراكز قوة مثّلتها سابقا هيمنة، جزئية على الأقل، مارستها عدة دول، يغدو التساؤل الأساسي هو معرفة ما إذا كانت منظمة الأمم المتحدة وكل ما يرتبط بها يمكن أن يخدم ك«اسمنت» لضمان صلابة منظومة العالم.
الإجابة الإيجابية عن مثل هذا التساؤل قدّمها الأوروبيون عندما تحدّثوا عن «تعددية أطراف فاعلة» تجمع بين منظمة أمم متحدة جرى تفعيلها ومجموعة من قواعد السلوك الدولي المطبّق على الجميع. مثل هذه المقولة تلتقي حولها جميع الدول الأوروبية.
لكن للأسف، كما يقول المؤلف، لا تزال إمكانيات تطوير الأمم المتحدة كي تغدو إطارا معززا محدودة. ولا شك أن المنظمة الدولية كانت في السياق الذي تأسست فيه بعد الحرب العالمية الثانية تقدما ثوريا. لكن غياب مثل هذا السياق، وما رافقه من ظروف، يجعل من الصعب الذهاب إلى أبعد من مكتسبات 1945، أي عند تأسيسها وتزويدها عندئذ بمجلس الأمن -الأداة التنفيذية- والجمعية العامة- الأداة التشريعية.
الاتفاق على مبدأ الإصلاح
ما يتم التأكيد عليه في هذا الإطار هو أن المجموعة الدولية تتفق نظريا اليوم على ضرورة إصلاح مجلس الأمن الذي يضم اليوم خمسة أعضاء (دول) دائمين (الصين والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا) وعشرة أعضاء بالتناوب يمثلون مناطق العالم الكبرى لمدة عامين.
الأعضاء الدائمون هم وحدهم الذين يملكون حق «تعطيل» تبنّي قرار دولي وبحيث جرى اختيارهم على أساس الوضع الذي كان سائداً في العالم عام 1945، عالم المنتصرين آنذاك وليس العالم كما هو اليوم، إذ أن دولا هامة مثل اليابان والهند والبرازيل وألمانيا لا تزال «خارج اللعبة».
ثم إن وجود أكثر من 190 دولة ـ عضو في الأمم المتحدة يجعل فترة انتظار الأعضاء «المتناوبين» في مجلس الأمن طويلة جدا، إذ ينبغي الانتظار «حسابيا» أكثر من 37 سنة «للظفر» بتلك العضوية.
إن التمتع ب«حق النقض» ـ الفيتو ـ يتم تقديمه على أنه «غير ديمقراطي» بجوهره، إذ أنه يعني بكل بساطة أن بعض الدول لها مكانة أكبر من الدول الأخرى. أي أن هذه الصيغة الموروثة من الحرب العالمية الثانية هي «ذات طبيعة ارستقراطية» في مبدئها ولم تصبح ممكنة إلا بفضل الظروف الخاصة لعام 1945.
وكانت عملية «إصلاح» مجلس الأمن التي شجّع عليها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان قد فشلت عشية «قمة القمم» عام 2005 التي جمعت رؤساء الدول والحكومات في نيويورك، والتي لم تتوصل إلى أية نتيجة فيما يخص مجلس الأمن.
ذلك أن البعض بالغوا في مطالبهم (طلب الأفارقة تمثيلهم بعدد هام من الدول) ورفض البعض الآخر(كرفض الصين بحث مطالب اليابان ورفض إيطاليا طموحات ألمانيا) وتمنّى آخرون بقاء الأمور على ما هي عليه (فرنسا وانجلترا خاصة). وكانت المحصّلة هي تعطيل أي إصلاح لمجلس الأمن الدولي.
بكل الحالات وفيما يتعلق بمنظمة الأمم المتحدة وبمجلس أمنها وأيضا بالمنظمات ذات الطابع الدولي مثل منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأيضا المنظمات الإقليمية، يصل المؤلف إلى القول أن منظومة العالم التي ترتسم ملامحها لن تعرف مؤسسات دولية ديمقراطية بالمعنى الذي تتواجد فيه هذه المؤسسات داخل الدول.
أما المنظمات الأممية الأكثر فعالية فسوف تكون هي التي تتمتع بأكبر قدر من الشرعية البيروقراطية. في حين أن المنظمات الإقليمية فستكون بجوهرها تعبيرا عن إرادة التعاون بين الدول، باستثناء الاتحاد الأوروبي الذي يحاول تكوين مجال «موحّد» أمنيا واقتصاديا وربما سياسيا.
والمنظمات غير الحكومية سوف يتعزز دورها لكن شرعيتها لن تكون ذات جوهر ديمقراطي إذ لن تسود فيها اللعبة الانتخابية. بل سوف تكتسب مصداقيتها من خلال قيامها بالمهمات التي تحددها لنفسها.
الإمبراطورية المعيارية
باختصار سوف يقوم عالم لا سيد فيه. ولكن لا يمكن لأي عالم أن يعمل دون قواعد مشتركة. هنا يقدم المؤلف مفهوم «الإمبراطورية المعيارية». لكن الشروط التي سيتم فيها صياغة «المعايير» ستكون ذات أهمية أساسية، ولا تقل عن أهمية مضمونها ذاته.
ينبغي على الدول من الآن فصاعدا القيام بمهمتين جديدتين بالإضافة إلى مهامها التقليدية. فمن جهة عليها التزود بقدرة مواجهة التحديات التي تتجاوز كل الحدود، ومن جهة أخرى غدا من الضروري إعداد قواعد على الصعيد العالمي تؤمن استمرار التنمية الاقتصادية في عالم يزداد اكتظاظا بالسكان بينما تبقى موارده محدودة.
ويرى المؤلف أنه يمكن تلخيص مجمل المهمّات المطروحة على الدول بتعبير «التنمية المستدامة»، لكن شريطة عدم فهم ذلك أنه يعني فقط ميدان البيئة أو الجهود التنموية الموجهة نحو البلدان الأكثر فقرا.
المطلوب هو الجمع بين الصعيدين الاقتصادي والبيئي، إذ لن يكون ممكنا الوصول إلى أية «تنمية مستدامة» إذا لم تتم السيطرة على التحديات الكونية المطروحة. لكن ينبغي في الوقت نفسه عدم الخلط بين الصعيدين إذ أن إدارة مشاكل الانتشار النووي مثلا ليس بالتأكيد من نفس طبيعة تشغيل المنظومة التجارية والمالية الدولية.
مع ذلك قد يكون من الممكن السعي لتحقيق المهمتين الكبيرتين في ظل وجود نظام دولي يعتمد على هيمنة قوة واحدة، أو ربما على صراع مستمر بين قوتين مهيمنتين ومتنافستين وإنما تتمتعان بقدر كبير من الاستقرار. إن تحقيق مثل هذا الهدف المزدوج هو في غاية الصعوبة، إذ أنه يفترض أيضا وجود سلطة مستنيرة على رأس القوى المهيمنة، كما يفترض إخلاصا كاملا من جميع الشركاء.
ويشير المؤلف هنا إلى أن الهيمنة الأميركية لم تمتلك قدرة لعب مثل هذا الدور في مواجهة العالم. هذا مع التأكيد بنفس الوقت أن وجود أميركا تقبل العمل مع شركائها «دون أية نزعة تبشيرية» ليست مرغوبة فقط وإنما لا بد منها من أجل القيام بالمهمات الكبرى المطروحة على عالم اليوم. إنه شرط ضروري ولكنه ربما لن يكون كافيا وحده.
بالمقابل يتم التأكيد على أن وجود عالم ثنائي الأقطاب أميركي-صيني قد يسهّل إمكانيات بلوغ الأهداف، لكن شريطة أن تقوم العلاقات بين القوتين على خلفية التفاهم وليس العداء. ويرجّح المؤلف إمكانية أن تتأسس علاقات بكين وواشنطن على التفاهم أكثر مما هو على البحث عن المواجهة أو على الرفض المتبادل لتحمّل المسؤوليات في مواجهة التحديات الكونية.
لكن لا بد من ملاحظة أن ما هو قائم اليوم يدل على أن الولايات المتحدة والصين تنتهجان سياسات لا تسهّل إدارتهما المشتركة للمهمات المطروحة. ولا تقدمان لبقية العالم النموذج الذي يُحتذى به في ميادين الطاقة والبيئة ومنع انتشار الأسلحة النووية.
لكن، ودون استبعاد إمكانية أن تلعب الولايات المتحدة، مع الصين أو دونها، دورا قياديا يجمع حوله أكبر عدد من الدول، يتم التأكيد على ضرورة أن تنطلق البلدان الأخرى من مبدأ أن إيجاد القواعد التي تسمح بالوصول إلى «التنمية المستدامة» ليس مرهونا بانتظار إشارة الأكثر قوة. ولحسن الحظ تتمثل القواعد المنشودة في جملة من المبادئ وضوابط السلوك وليس إعطاء الامتياز لمبدأ اللجوء إلى القوة.
يمكن للاتحاد الأوروبي أن يلعب دورا مهما في هذا الإطار إذ يمتلك أكثر من 20 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي ومن حجم التجارة الدولية ويحتل المرتبة الثالثة في العالم من حيث عدد السكان، بعد الصين والهند، وإنما قبل الولايات المتحدة الأميركية.
وبعد أن ينقل المؤلف عن المحلل «مارك ليونارد» تأكيده أن «الاتحاد الأوروبي سيقود العالم في القرن الحادي والعشرين»، كما جاء أصلا في عنوان كتاب له، يشير إلى القدرة الكبيرة التي أظهرتها مسيرة التوحيد الأوروبية في استيعاب بلدان أوروبا الشرقية والوسطى الأعضاء سابقا في حلف وارسو، وإعادة توحيد ألمانيا واستيعاب دكتاتوريات «عريقة» في الإطار الديمقراطي الذي تبنته بلدان «أوروبا القديمة».
ويتم التأكيد في النهج نفسه من التحليل أنه إذا لم يقرّ العالم بعد أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يحدد «عبر القبول العام» معايير الحياة الدولية على الصعيد العالمي، فإنه من الواضح أنه قد أصبح «إمبراطورية معيارية» داخل حدوده. وإن سلطته تكمن في قدرته على تحديد قواعد للسلوك يتم قبولها بالتراضي وليس بالقوّة.
كما إن الاتحاد الأوروبي قد لعب دورا لا يستهان به فيما يخص معايير «اتفاق كيوتو» الخاص بتحديد كميات غاز الفحم الصادرة من المصانع. وأيضا فيما يخص «معاهدة روما» التي قررت إنشاء محكمة جنائية دولية.
الدرس الذي يتم استخلاصه من قدرة النموذج الأوروبي على إنتاج معايير مقبولة من أكبر عدد من البشر هو تلازم هذه القدرة مع درجة الديمقراطية التي تتسم بها البلدان المعنية. ذلك أن الديمقراطية تقوم على أساس قبول مجموعة بشرية لحرية التعبير عن وجهات النظر والمصالح المختلفة بل وتشجيعها لمثل هذه الحرية التي تجد ترجمتها «سياسيا» بوجود مؤسسات معترف بشرعيتها من قبل الجميع.
هناك إذن رابطة بين الديمقراطية والمعايير. البرهان على ذلك يقدمه المؤلف بقدرة الولايات المتحدة، القوة الديمقراطية الكبرى، على فرض نفسها ك«منتجة للمعايير» وحتى لو كان ذلك باسم قوة الدولة، خاصة على الصعيد العسكري. كذلك تتم الإشارة إلى أن تاريخ العقود الأخيرة المنصرمة بيّن جيدا أن احترام حقوق الإنسان هو بصدد طرح نفسه كـ«معيار» يجري تطبيقه إلى هذه الدرجة أو تلك.
بل إن دولة قوية كالصين لا تتجرأ على رفض مبدأ احترام حقوق الإنسان بل ولا ترفض الهدف (البعيد بالتأكيد) المتمثل بتعميم الديمقراطية. بهذا المعنى ترى الدول الأوروبية في تسريع قيام «الإمبراطورية المعيارية» رهانا كبيرا يخدم مصالحها وتطلعاتها.
من جهة أخرى تفرض التحديات الكونية ومطالب العولمة الجديدة تسريع حركة البحث عن «معايير» ناظمة لسلوكيات العالم. مع ذلك لن تسير عملية «التسريع» هذه دون عقبات مصدرها المنظمات غير الحكومية التي تعاظم دورها في ظل العولمة أيضا. وكان إنتاج «المعايير العالمية» مرتبطا بالدول أساسا وربما كان يكفي أن تلتقي الدول في ندوة دولية وتقرر معايير جديدة.
هكذا جرى مثلا إيجاد ضوابط لسلوكيات الحرب أثناء القرن العشرين (معاهدة لاهاي ثم معاهدة جنيف). كان وجود دولة مسيطرة قد سهّل ذلك، والمقصود هو الولايات المتحدة الأميركية التي فرضت نفسها كقوة عظمى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ورقة استخدام القوة
من الواضح أن اللجوء إلى القوة المسلّحة قد تراجع منذ نهاية الحرب الباردة، بل وتراجع حتى بالقياس إلى فترة الحرب الباردة نفسها التي شهدت الحرب الكورية وحروب الهند الصينية والحروب الإسرائيلية ـ العربية وحرب العراق ـ إيران والحروب الهندية ـ الباكستانية والعديد من الحروب الأخرى من بينها حروب التحرر من الاستعمار التي أودت بحياة حوالي 20 مليون شخص ما بين عام 1945 وعام 1990.
بعد الحرب الباردة أصبحت الحروب التقليدية نادرة. الاستثناءان الكبيران تمثلا في حرب الخليج (1990-1991) والغزو الأميركي للعراق (2003). ويتم التأكيد في هذا السياق على الدور الكبير الذي لعبه العامل النووي «في الواقع العملي» ككابح قوي لأية مواجهة مسلّحة مباشرة بين قوى أو تحالفات مزودة بالقدرات العسكرية النووية.
وإذا كانت قد قامت توترات شديدة وأحيانا اشتباكات بين الهند وباكستان بعد امتلاكهما للسلاح النووي، وتحديدا في عام 1999 فإنه لم تنشب بينهما حرب بالمعنى الدقيق للكلمة. مع ذلك تحمل متابعة انتشار السلاح النووي خطر إمكانية استخدامه أكثر فأكثر مع كل ما يترتب على ذلك من خراب ودمار. الخطر الآخر الكبير يحدده المؤلف في التهديدات الإرهابية. إن المبدأ الأول الذي يتم التأكيد عليه هو ضرورة تجنّب القيام بعمليات عسكرية طويلة الأمد وكبيرة تقوم بها دولة أجنبية في بلد آخر.
المثال الصارخ الذي يتم تقديمه هو «المغامرة الفاشلة» التي قامت بها أميركا في العراق، ثم إن الحروب المسماة «ضرب التمردات» التي تقوم بها جيوش أجنبية لا يمكن الفوز بها إلا إذا توفر شرطان. الأول هو وجود فرق كبير في موازين القوى والثاني وجود تواصل جغرافي. ثم كذلك غدت المهمات العسكرية في بلد أجنبي أكثر صعوبة بسبب تعاظم إمكانيات القدرة على مقاومة أي غزو.
وتتمثل إحدى الخلاصات الأساسية التي يتم التوصل إليها في التحليلات المقدّمة بالقول إن الحروب بين الدول ليست، أو «لم تعد»، فعّالة أمام التحديات الكونية «المعقّدة» التي يفرضها «عالم مزدحم» غدا «أكثر كثافة». الحرب لن تحل مثلا مشكلة سخونة المناخ ولن توقف التهديد الإرهابي الذي «يزدهر» اليوم كاستمرار للأمس. وفي مثل هذا السياق لا يمكن للأطروحة الأميركية عن «الحرب العالمية ضد الإرهاب» أن تكون بمثابة «صيغة حديثة» للحروب الكبرى التي عرفها القرن العشرون والتي كانت حروبا بين دول.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن المسألة الجوهرية التي سوف تحدد بدرجة كبيرة منظور قيام عالم «متعاون» ويتآلف فيه «اللجوء إلى القوة» مع «تبنّي معايير ملزمة للجميع» إنما هي مسألة الحد من انتشار الأسلحة النووية. من هنا تبرز أهمية الكيفية التي سيتم بها معالجة الملف النووي الإيراني.
ونقرأ في محصلة التحليل الذي توصل إليه المؤلف بخصوص هذا الملف: «بعد الكارثة التي آل إليها اللجوء للقوة من طرف الولايات المتحدة في العراق بقرار فردي، لا يمكن للعالم أن يسمح بقطيعة جديدة حول المسألة الإيرانية. ذلك أن الإمبراطورية المعيارية، وعلى عكس ساحة استخدام القوة، لا تتماشى مع مفهوم العمل القائم على قرارات يتم اتخاذها من قبل طرف واحد». هذا حتى لو كان هذا الطرف هو القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



