يتناول المؤلف في هذه الحلقة تقارب العالم الذي أصبح قرية واحدة في ظل نظام العولمة، ولكنه يشير إلى استمرار وجود التنافس بين القوى الكبرى على مكاسب تلك العولمة التي يرى أنها موزعة بصورة غير عادلة بين الدول القوية والضعيفة، وإن كان يعتقد أن انتشار الديمقراطية والليبرالية سيعمل على تقليص الفوارق في الحظوظ من مكاسب العولمة.
غير أنه يقر بأن الديمقراطية وحدها لا تكفي لنزع فتيل التوتر في العلاقات الدولية، فهي لا تضمن عدم التورط في الحروب من جانب الدول التي تصنف بأنها ديمقراطية أو ليبرالية. اختار الصحافي الأميركي الشهير توماس فريدمان عبارة «الأرض مسطّحة» عنوانا، لكتاب أصدره مؤخرا، ذلك أن انتفاء المسافات وفاصل الزمن بفضل وسائل الاتصالات الالكترونية ووسائل النقل الحديثة جعل كل إنسان يمتلك، «افتراضيا» على الأقل، نفس الحظوظ في معرفة ما يجري في العالم.ويرى فريدمان أن العولمة لم تضع الجميع في علاقة مع الجميع داخل «القرية الكونية» فحسب، وإنما ستؤدي إلى قيام كيان إنساني عالمي شبيه، من حيث قدرته على التنظيم الإنساني العالمي للأفراد، بالدول القومية التي ظهرت خلال القرون المنصرمة.إن مقولة فريدمان حول عالم وحّدته العولمة تبدو أكثر قوة من مقولات المحافظين الجدد التي كذبتها الأحداث سريعا عبر أشكال الفوضى المستجدّة حديثا. ولا بد من قبول حقيقة أن العولمة موجودة.
ثم إن النزاعات في العالم أصبحت تعود إلى الفروقات في إيقاع الوصول إلى مكاسب العولمة كما تعود إلى أشكال عدم المساواة في إعادة توزيع هذه المكاسب. لكن مع انتشار الديمقراطية والليبرالية سوف تتقلّص هذه الفروقات وعدم المساواة، حسبما تؤكد رؤية فريدمان.
ويرى المؤلف أن مثل هذه الرؤية تقود إلى أخطاء خطيرة. وذلك ليس على مستوى التحليل فقط وإنما أيضاً على مستوى الأحكام العملية الصادرة. ففريدمان كان قد أيّد بقوة حرب العراق الأخيرة على أساس أنها كانت ستسمح، بنظره، بفتح سبل التقدم أمام البلاد. ثم قام بعد ذلك، مثل الكثيرين، بتحميل مسؤولية الفشل لعدم تحضير إدارة بوش لمرحلة ما بعد الحرب. هذا مع نسيان أن مثل هذا النقص في الحملة الأميركية ـ البريطانية على العراق كان واضحا قبل الغزو إلى جانب إغفال التساؤل حول إمكانية قدرة أي محتل على فرض قبول قيمه بواسطة قوة السلاح.
بطريقة أكثر عمومية وعلى عكس رؤية توماس فريدمان، يرى المؤلف أن تحليلاً دقيقاً للشروط التي تحكم العلاقات الدولية في عصر العولمة الجديدة لا يؤدي إلى القول بوجود «لعبة عالمية» واحدة سياسياً واجتماعياً. ذلك أن المسائل المتعلقة بالحدود وبالهوية لم تختف نهائياً بل ولم تتهمش بفعل العولمة.
ثم إن التحديات الكونية المطروحة لا تتم معالجتها بإرادة مشتركة. هكذا وبدلا من «الأرض المسطّحة» التي يقول بها فريدمان ربما يمكن الحديث بالأحرى عن قرية كونية بكل ما فيها من تصدعات وتناقضات و«عوالم صغيرة» داخل «العالم الواحد الشامل».
تأثير الحرب الباردة
أول ما يشير إليه المؤلف فيما غيرته الحرب الباردة أهمية نهايتها في مصير «منظومة العالم». إن عملية زوال الإمبراطورية السوفييتية كانت ذات آثار عميقة بالنسبة لموقع الولايات المتحدة وحلفائها في العالم.
بل إن نهاية الحرب الباردة هزت أسس النظام الدولي نفسها. كما أن نهايتها «عولمت العولمة»، إذ كان الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين غربي وشرقي قد أدّى إلى تضاؤل نشاط السوق الدولي وإلى الفصل «المادي» بين المجموع الأوروبي ـ الأطلسي عن أمم المنطقة الآسيوية المجاورة للمحيط الهادئ.
ومع دخول الصين تدريجيا في السوق اعتبارا من سنوات الثمانينات ثم التفكك المفاجئ للإمبراطورية السوفييتية عام 1989 وجد العالم نفسه في وضع يشابه من وجوه شتى فترة ما قبل الحروب والثورات والقطيعات التي افتتحتها الحرب العالمية الأولى عام 1914. لكن العودة إلى مثل تلك الفترة لا تكفي من أجل تأكيد أن «العالم منبسط». مع ذلك كان التحوّل كبيرا بعد «فترة توقف» استمرت ثلاثة أرباع قرن كامل.
غدت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم مع نهاية الحرب الباردة. لكن «فقدان» الخصم السوفييتي جعلها أيضا تفقد قوة جذب الشركاء لمواجهة خصم قائم في المواجهة.
ثم إن كون الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في العالم يثير رفض، بل ربما حقد، جميع أولئك الذين يريدون لأسباب عديدة زيادة هامش مناورتهم. وهناك دائما خطر انبثاق قوة منافسة يحمل معه احتمال مواجهة، ومثل هذا الأمر يندرج اعتبارا من عام 2002 في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي. أما القوة المنافسة الكامنة الأكثر جلاء فإنها تتمثل في الصين.
وبغضّ النظر عن العواقب الوخيمة جدا لفشلها في العراق فإن الولايات المتحدة فقدت جزءاً من قدرتها السابقة على صياغة العلاقات الدولية. ذلك أن تعاظم قوتها عندما انهار الاتحاد السوفييتي قابله في الواقع فقدان بعض سلطتها الحقيقية.
ومع نهاية الحرب الباردة أيضاً تقلّص الالتزام الأميركي بالقارّة الأوروبية. وغدت نوعية الروابط القائمة بين جانبي الأطلسي تتعلق بمدى اتفاقهما، أو عدم اتفاقهما، حيال مشكلات أطراف أخرى متواجدة خاصة في العالم الإسلامي أو في آسيا. وتمثّل التوجه الأميركي الجديد بقول دونالد رامسفيلد أن «المهمّات هي التي تحدد التحالفات».
وتتم الإشارة هنا إلى أن نهاية الأسباب الموجبة لقيام شبكات تحالفات كبرى حول الولايات المتحدة الأميركية لا تعود فقط إلى زوال الإمبراطورية السوفييتية وإنما انتفت تلك الأسباب أيضا بسبب غياب مصدر تهديد آخر تقوم على أساسه «هيكلة» العلاقات الدولية. أراد الأميركيون تقديم التهديد الذي مثلته «القاعدة» إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001 على أنه مصدر تهديد «بديل» للتهديد الشيوعي «السابق» ورفعوا شعار «الحرب العالمية ضد الإرهاب».
لكن الشركاء وحتى «الأكثر إخلاصا» لأميركا لم يتبنّوا مثل هذا المفهوم الذي لم يلعب دورا مركزيا في «هيكلة» العلاقات الدولية. وغدت من أهم ميزات عالم اليوم أن الأزمات تتوالى، لكنها «لا تتشابه».
ويلاحظ المؤلف بروز مسائل قديمة «إنما يتم النظر إليها وكأنها جديدة» على مقدمة المسرح الدولي. هذه المسائل كان قد تمّ حجبها برهانات النزاع بين الغرب والشرق الذي استحوذ على انتباه جميع الأمم والدول. ويذكر المؤلف في رأس قائمة المسائل القديمة ـ الجديدة صعود النزعات الدينية القتالية، الإسلامية وغير الإسلامية، والمسائل المتعلقة بانتشار الأسلحة النووية، ومسائل الوصول إلى مصادر الطاقة.
الديمقراطية الليبرالية
اعتبر المحافظون الجدد عملية الجمع بين الديمقراطية السياسية والليبرالية الاقتصادية عاملا محددا لمنظومة الأمن الدولي. هذا ما عبّر عنه بوضوح، على الصعيد السياسي، خطاب الرئيس جورج دبليو بوش عندما افتتح فترته الرئاسية الثانية بتاريخ 20 يناير 2005. لقد اعتبر أن تحقيق السلام والأمن والازدهار في العالم يتلازم مع تعميم الديمقراطية التي ينبغي أن يكون دعمها، حسب رأيه، المبدأ المؤسس للسياسة الخارجية وللأمن الأميركي.
هكذا إذن ومن أجل «تشجيع الديمقراطية» جرى غزو العراق، كما يشير المؤلف ليضيف أن مؤيدي مثل هذا الطرح لم يكونوا بين صفوف الجمهوريين الأميركيين من المحافظين الجدد خاصة، وإنما كانوا أيضا بين صفوف المثقفين الديمقراطيين.
هنا يتم التأكيد على أن تبنّي مثل هذه «النزعة النضالية الديمقراطية» كمبدأ أساسي في سياسة واشنطن يحمل خطر المواجهة مع منافس قوي مثل الصين التي لا تبدو أنها من «هواة» الديمقراطية ولن تسمح لأحد، كما يبدو، أن يفرضها عليها من الخارج. من هنا أيضا يتأتّى خطر مقولة «الغرب في مواجهة بقية العالم» التي تمّت صياغتها خلال سنوات التسعينات المنصرمة.
ويرى المؤلف أن الاتحاد الأوروبي قد انضوى، ولو بطريقة أقل فظاظة وأكثر مرونة، في منظور مشابه كما تبيّن الوثيقة التي تبنّاها عام 2003 (شهر ديسمبر) تحت عنوان: «أوروبا أكثر أمنا في عالم أفضل، استراتيجية أوروبية للأمن». الفرق المهم مع المشروع الأميركي ل«نشر الديمقراطية» هو أن الأوروبيين يريدون دفعها إلى الأمام عبر توسيع إطار الاتحاد الأوروبي والشراكات مع دول أخرى والإقناع بينما يتصرف المحافظون الجدد وحدهم دون استشارة أحد بل ويميلون أحياناً إلى إرسال جنود المارينز لدعم مشاريعهم «الديمقراطية».
ويلاحظ المؤلف أولاً أن الديمقراطية السياسية، ومهما كانت نواقصها، انتشرت في العالم أكثر فأكثر منذ نهاية الحرب الباردة. ودون الدخول في معارك الأرقام ومسائل التعريفات لا شك أن أغلبية بلدان حلف وارسو «السابق» قد أصبحت بسوادها الأعظم ديمقراطيات ليبرالية إلى هذه الدرجة أو تلك. وحلّت أنظمة «ديمقراطية» قامت على الانتخاب مكان الدكتاتوريات العسكرية التي سادت لفترة طويلة في عدد مهم من بلدان أميركا اللاتينية.
ويفتح المؤلف هنا قوسين ليشير إلى أنه «ما زال يوجد بالتأكيد في إفريقيا والشرق الأوسط عدد كبير من الدول التي تتأرجح بين الفوضى والدكتاتورية». كما لا تزال هناك شكوك حول مدى تطور «دولة القانون واحترام الحريات» في روسيا، ولا تزال الصين خاضعة لحكم الحزب الواحد، ولا يزال الاستبداد هو السمة السائدة في كوريا الشمالية.
بكل الحالات هناك بون شاسع بين الواقع «الديمقراطي» اليوم وما كانت عليه الأمور قبل ربع قرن فقط حيث لم يكن وصف «ديمقراطي» ينطبق سوى على عدد قليل من الدول والتي كانت تتواجد بمعظمها في أوروبا الغربية وفي «المحيط الانجليزي»، بالإضافة إلى حفنة من الدول والتي كانت تشكل استثناء في محيطها مثل الهند واليابان.
كانت النتائج الأولى لتعميم الديمقراطية مشجعة للوهلة الأولى بالنسبة للأطروحات الأميركية الخاصة بدعم مثل هذا المسار على صعيد العالم كله. لكن المؤلف يشير هنا إلى أن الديمقراطيات قد تكون هي أيضا وراء نشوب الحروب. ويذكر كأمثلة على ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل والهند وفرنسا وبريطانيا التي قادت كلها خلال الستين سنة الأخيرة عمليات عسكرية كبيرة.
وقد فعلت كلها ذلك أكثر من الصين على سبيل المثال. لكن ما يتم التأكيد عليه أيضا هو أن الديمقراطيات لا تتحارب فيما بينها، ذلك أن وجود دولة قانون وديمقراطية ليبرالية لا يتماشى مع اللجوء إلى القوة ضد دولة أخرى تتسم بنفس الصفات.
ولا تضم قائمة الحروب التي دارت بين 1918 و2005 أي نزاع بين بلدان ديمقراطية. هذا يعني أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مطلوب منهما أن ينتهجا «منطقيا» سياسة خارجية وأمنية تقوم على تشجيع الديمقراطية ولكن بعيدا عن استخدام القوة من أجل ذلك. ويُفترض منهما «منطقيا» أيضا. تحمّل النتائج المترتبة على ذلك بما في ذلك خلق حالة من التوتر مع الصين، لكن ما يعرفه الواقع ليس متماشيا مع ذلك المنطق.
الشرخ التاريخي
من جهة أخرى يرى المؤلف أنه ليس هناك ما يضمن مستقبلا أن تنتهج الصين «إذا تحوّلت إلى الديمقراطية»، سياسة خارجية أقل عدائية ونزوعا للحرب مما تنتهجه القيادة الشيوعية الحالية. بهذا المعنى لا تكفي الديمقراطية وحدها من أجل نزع كل أشكال التوتر من العلاقات الدولية، هذا إذا لم تتأكد إرادة «الانتهاء» من الآلام التي عرفتها مسيرة التاريخ وأيضا وضع حد نهائي للخلافات الموروثة من الماضي.
مثل هذه الإرادة لا تزال غائبة، حسب التحليلات المقدمة من مناطق مثل الشرق الأوسط وشرق آسيا، ويقصد المؤلف خاصة في هذه المنطقة الأخيرة الشرخ «التاريخي» العميق بين الصين واليابان. وينقل المؤلف في هذا السياق كلمة قالها ذات يوم ونستون تشرشل عندما كان عضوا شابا في البرلمان ببدايات القرن العشرين، وجاء فيها: «إن حروب الشعوب سوف تكون رهيبة أكثر من حروب الملوك».
ولا يتردد المؤلف في هذا السياق بالتأكيد على خطأ المبدأ القائل باستخدام القوة من أجل نشر الديمقراطية، وجعل هذا المبدأ المحرك الأساسي للسياسة الخارجية والأمنية للدول، وهو يشير إلى بداية نقاش حقيقي داخل الولايات المتحدة نفسها حول هذا المبدأ وربما قد يؤدي، حسب رأيه، إلى الانتقال تدريجيا من سياسة «الدعم النضالي» لنشر الديمقراطية على الطريقة «العراقية» إلى طريقة سياسية أكثر.
ويتم تحديد الغرب المقصود ك«موطن للديمقراطية» بالولايات المتحدة وشركائها في أوروبا وآسيا ـ المحيط الهادئ. وهم شركاء مرتبطون عامة مع واشنطن باتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف للأمن والدفاع. ويضاف إلى هذه البلدان إسرائيل.
وقد يحاول هذا الغرب بعد أجل «هيكلة» المنظومة الدولية بحيث يتم توسيع الشراكات المندرجة في إطار الحلف الأطلسي إلى بلدان أخرى وخاصة في منطقة آسيا ـ المحيط الهادئ والشرق الأوسط وحيث ستجد هذه البلدان نفسها وكأنها تشكّل «نوعا من الملحق العالمي للحلف الأطلسي».
لكن مثل هذا التوجه قد يولّد مشاكل إستراتيجية وعملية كبيرة، وليس أقل المشاكل الإستراتيجية خطر الاستقطاب «الغربي» حيال الصين التي تعتريها بدورها مخاوف من محاصرتها أميركياً. هذا لاسيما وأن أميركا موجودة أصلا في شرق آسيا ومرتبطة باتفاقات مع العديد من بلدان جنوب آسيا وحليفة لليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وأستراليا. وفي المحصلة لابد أن خلق «حلف أطلسي مكرر» سيثير، على الأقل، قلق الصين.
وفي مقدمة المشاكل «العملية» التي قد يواجهها مثل هذا المنظور انضواء حلفاء واشنطن تحت رايتها. والغرب الأوروبي ممثّلا في عدد من بلدانه الرئيسية، ليس أقلّها شأنا فرنسا وألمانيا، لم يؤيد المغامرة العراقية التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية. وكان وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد قد تحدث عن «أوروبا القديمة» و«أوروبا الجديدة» أثناء الأزمة العراقية والتحضير للحرب الأميركية ـ الانجليزية.
تحديات كونية
مع نهاية الحرب الباردة وتثبيت أركان العولمة قفزت التحديات الكونية إلى مقدمة الاهتمام الدولي. وصفة «الكونية» يبررها كون التحديات المقصودة ذات بعد عالمي مثل «تسخين المناخ» أو أنها تخص مخاطر محلية وإنما أصبحت ب«فعل العولمة» ذات بعد شامل مثل الأوبئة. لكن هناك مشاكل خطيرة جدا أحيانا لكنها تبقى مرتبطة بمنطقة إقليمية بذاتها مثل الانحسار الاقتصادي المستدام في إفريقيا جنوب الصحراء.
وبالتوازي مع تعاظم التحديات يرتسم في الأفق أيضا تنامي نفوذ بعض القوى على الصعيد العالمي والتي كان دورها بنفس الوقت سببا للعولمة ونتيجة لها. لقد أدّى الجمع بين التحديات وتزايد القوى ذات النفوذ إلى فرض واجبات مشتركة أمام المنظومة الدولية بالإضافة إلى ما كان مطروحا في ظل الحرب الباردة مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل والوصول إلى مصادر الطاقة.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن ميدان أسلحة الدمار الشامل لا يزال «غائم الحدود». فخلال الثلاثين سنة الأولى من «العصر الذرّي» كان هناك عدد قليل من الدول التي تمتلك السلاح النووي من بينها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا والصين وإسرائيل والهند، هذا إلى جانب دول أخرى كانت قد التزمت جديا بالبحث عن امتلاكه يعدّ المؤلف بينها السويد وجنوب إفريقيا والعراق والبرازيل وباكستان.
أما السنوات الثلاثين التالية لبداية عقد السبعينات فقد شهدت امتلاك الهند للسلاح النووي عام 1974 ثم باكستان قبل عام 1998 وتضاف لهما كوريا الشمالية بينما تخلّت جنوب إفريقيا عن مساعيها لامتلاكه وتخلّت كل من ليبيا والأرجنتين والبرازيل والعراق عن برامجها النووية. هذا يعني أن السياسة الرامية إلى وقف الانتشار النووي كانت، رغم ما يقال عكس ذلك، تمثل نجاحا ملموسا خلال العقود الثلاثة الأخيرة. بل ويعمم المؤلف نفس الملاحظة بالنسبة للأسلحة البيولوجية الكيماوية.
يعتبر المؤلف، ضمن هذا الإطار، أن الملف النووي الإيراني وما يثار حوله من نقاشات يشكل، بصيغة ما، عودة إلى المنطق الذي كان سائدا في سنوات الخمسينات والستينات التي تلت الحرب العالمية الثانية. هذا يعني العودة إلى احتمال تزايد عدد الدول المالكة للسلاح النووي حيث إن أكثر من 50 بلداً مزودة الآن بمراكز «مدنية» للبحث في هذا الميدان.
ومن بين المناطق المرشحة أكثر من غيرها للعمل من أجل امتلاك السلاح الفتاك تحدد التحليلات المقدّمة كل من الشرق الأوسط وشرق آسيا. المنطقة الأولى هي ذات أهمية كبيرة على صعيد الطاقة كما أنها مسرح أزمات وشقاقات هامة بينما أصبحت المنطقة الثانية «القاطرة الرئيسية» للنمو الاقتصادي العالمي.
يؤكد المؤلف أن منظومة عالمية يمتلك فيها العشرات من البلدان السلاح النووي ستكون مختلفة وبالقطع أكثر خطورة من عالم لا يزال يعرف، إلى هذه الدرجة أو تلك، نظاما مطبّقا لمنع انتشار هذا السلاح.
ومن السمات التي يركّز عليها المؤلف في هذا «العالم المزدحم» تعاظم انتقال البشر. ففي عام 2006 وحده استقلّ 2 مليار شخص وسائل النقل الجوي أي ما يقارب ثلث سكان المعمورة. وإذا كان مثل هذا الواقع يؤكد على أحد مظاهر العولمة وأن الأرض قد أصبحت «قرية كونية» فإنه يساعد من جانب آخر على الانتشار السريع للأوبئة والأمراض. وما يتم تأكيده هو أن النمط من المخاطر سوف يزداد ويتسع.
بصورة عامة لا يستدعي مجمل التحديات «الجديدة» المطروحة إجابة وحيدة ولو أنه يتطلب جهود الجميع وبصورة منظّمة. بكل الحالات تبقى الدولة عنصرا أساسيا في آلية عمل منظومة العالم القائمة على اعتبار أنها الكيان الجماعي الوحيد الذي يتمتع بصلاحيات كبيرة وبشرعية داخل مجال عملياتها.
ويتم التأكيد هنا على أن وجود دولة، أية دولة هو أفضل من غيابها الذي يعني حالة من الفوضى. لكنه محكوم على الدولة أن تتعاون في إطار العولمة مع الدول الأخرى من أجل مواجهة التحديات الكونية المطروحة على الجميع.
كذلك سيتعين على الدول أن تتعلم كيف تنسّق آليات عملها مع قوى فاعلة غير حكومية، وذلك مثلا من أجل الوصول إلى مكافحة فعالة للإرهاب ولسخونة المناخ والتصدي للأوبئة، وذلك داخل حدود الدول وربما عبر حدود مجموعة منها. ويتم التأكيد هنا على أن أحد مقاييس نجاح الدول مستقبلا،.
وبالتالي مقاييس شرعيتها، سيكون مدى قدرتها على أن تخدم كمحرك من أجل تشكيل «ائتلاف» ملائم لمواجهة هذا التحدي أو ذاك. ويؤكد المؤلف هنا أن الشعور المبرر بتضاؤل سلطة الولايات المتحدة يتأتى بجزء كبير منه، من فشلها في لعب دور تجميع الحلفاء والشركاء.
ثم إن الدولة، ومهما كانت ايديولوجيتها السائدة أو شكل تنظيمها، قابلة للتوصيف ولتحديد هويتها بسهولة. هذا على عكس الهيئات والمنظمات غير الحكومية. إن بعض هذه المنظمات غير الحكومية أصبحت قوى فاعلة من الدرجة الأولى على المسرح الدولي في ميدان اهتمامها. الأمثلة على هذا كثيرة وليس أقلها شأنا منظمة «أطباء بلا حدود» و«السلام الأخضر ـ غرين بيس» ومنظمة «هيومان رايتس واتش» الدولية لحقوق الإنسان...
هذه المنظمات أثبتت كفاءتها العالية في التعبئة وقد نجحت، في حالات كثيرة، بجعل حكومات أو شركات دولية تتراجع عن مواقف كانت قد اتخذتها. وكانت إحداها المهتمة بالنضال ضد الألغام الفردية قد ساهمت إلى درجة كبيرة بجعل 154 بلدا في العلم توقع معاهدة لمنع إنتاج وامتلاك مثل هذه المتفجرات. المنظمة المعنية فازت بجائزة نوبل للسلام عام 1997. لكن بكل الحالات قد لا تتمكن المنظمات غير الحكومية من الذهاب بعيدا، إذا لا يكفي طرح المشاكل من أجل حلّها.
احتكار العنف
ويرى المؤلف أن العنف «غير الحكومي» يتطور هو الآخر حسب منطق مشابه لتطور المنظمات غير الحكومية. لقد كانت مهمة الدولة على مدى آلاف السنين هي ضمان أمن مواطنيها، ولو أن دولا عديدة كانت، في الواقع، هي مصدر غياب الأمن. وقد كانت الدولة باستمرار هي التي «تحتكر» الممارسة المشروعة للعنف، وكانت هي صاحبة الأمر حتى في الفترات التي كان اللجوء فيها إلى المرتزقة هو القاعدة وليس الاستثناء.
لكن عصر العولمة شهد تطور العنف «غير الحكومي». ويعدّ المؤلف من مظاهر هذا التطور الإرهاب والعصابات المسلّحة التي تعيث فسادا في بعض الدول، لاسيما في إفريقيا.
وإذا لم يكن العنف «خارج الدول» و«ضد الدول» جديدا إذ عرفت العصور الوسطى الأوروبية «حملات كبيرة» منه، فإن الجديد في عنف اليوم أنه لا يتأتى فقط من ضعف الدول وإنما أيضا من تطور الإمكانيات التقنية والعملياتية التي يمكن للمجموعات «مصدر العنف» امتلاكها. في المحصلة أدى توزع السلطة بين مراكز كثيرة نشيطة منها ما هو دولة وما هو «غير دولة» إلى خلق «عالم مزدحم» لا سيد فيه يأمر... فيطاع.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف

