يتناول المؤلف في هذه الحلقة القوة الصينية ومستقبلها في المنطقة الآسيوية والعالم، حيث يرى أن الصين مؤهلة للعب دور قوة عظمى ومنافسة أميركا على قيادة العالم وذلك في ضوء الانجازات التي حققتها وما زالت في ميادين التصنيع والتحديث والتقدم العلمي.
ولكن ما يؤكد عليه المؤلف هو أن الصين ليست وحدها في آسيا فهناك قوى أخرى لا ترضى أن تدور في فلك الصين الحمراء مثل الهند واليابان، وهذه ستجعل المنافسة حامية الوطيس وقد تمنح الولايات المتحدة بعض الوقت في مقعد القائد للعالم قبل أن تزيحها عنه الصين. غير أن المؤلف يرى أن هذا كله مرتبط بإجراءات يتعين على الصين اتخاذها كالتحول الديمقراطي وتعزيز الحريات العامة. لقد اختار مؤلف الكتاب عنواناً «مبهما» لهذا الفصل من كتابه، وذلك فيما يتعلق بالقول إن القرن الجديد سيكون آسيويا بوضوح. فطالما أن الصين والهند اللتين يسكنهما حوالي 40 في المئة من مجموع سكان العالم قد عرفتا نهوضا اقتصاديا مشهودا فإن مرتبتهما المتقدمة على الصعيد العالمي هي نتيجة «تلقائية». ثم إن مساهمة النمو الاقتصادي الآسيوي في النمو العالمي هي أعلى من مساهمة الولايات المتحدة وكندا. وأصبح وزن مجموع آسيا، بما في ذلك اليابان، يعادل وزن أميركا الشمالية والاتحاد الأوروبي. وسوف تتفوق آسيا خلال السنوات القليلة القادمة. بالمقابل يمكن لدولة ما أن تكون «عملاقة» اقتصاديا وإنما «قزما» سياسيا مثل اليابان، أو ربما يمكن أن تكون قوة إستراتيجية من المصاف الأول دون أن تمتلك قوة اقتصادية كبيرة فالقوة العظمى السوفييتية التي سحقت الجيش النازي (الرايخ الثالث) وسادت على إمبراطورية هائلة أثناء الحرب الباردة كان إجمالي إنتاجها المحلي يقارب دولة متواضعة مثل إيطاليا. إن الصين والهند، مثلما كان الاتحاد السوفييتي وإنما على خلاف اليابان التابعة للولايات المتحدة، تمتلكان هامشا حرا على الصعيد الإستراتيجي كما تمتلكان القدرة العسكرية والسياسية من أجل التصرف على قاعدة الإرادة الحرة.
مع ذلك يمكن للتحليل على مستوى آخر أن يصل إلى نتيجة مؤداها أن القرن الجديد لن يكون آسيويا، على الأقل لن يكون آسيويا بالمعنى الذي كان فيه القرن التاسع عشر أوروبيا والقرن العشرين أميركيا. في الواقع تشهد آسيا أشكالا قوية من المعارضة داخلها. فالصين والهند واليابان ليسوا شركاء توحد بينهم القيم والمصالح المشتركة. بالتالي لا يشيد هؤلاء العمالقة الثلاثة مجالا آسيويا بل على العكس يؤدي واقع هذه البلدان إلى تجزئته. بالتأكيد كانت أوروبا ما قبل عام 1914 منقسمة على نفسها وتمزقها المنافسات العميقة بين القوى الكبرى فيها. لكنها، رغم ذلك وحتى القطيعة «الكارثية» التي مثلتها الحرب العالمية الأولى عرفت كيف تقدّم نفسها منذ الثورة الصناعية كقوة موحدة حول معين ثقافي مشترك. وإذا كان الأوروبيون منقسمين فيما بينهم فإنهم مع ذلك اقتسموا العالم وهيمنوا عليه.
ولا تعرف آسيا حاليا أي مشروع إمبريالي من الطراز نفسه وليس لديها ما يعادل الهيمنة الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية الغربية. ويرى المؤلف أن القارة الآسيوية لا تتقدم باعتبارها قارة، كما أن منظمة تعاون شنغهاي التي تضم روسيا والصين وأربعة من جمهوريات آسيا الوسطى لا تشكل تحالفا حقيقيا، حسب التحليلات المقدّمة. وبهذا المعنى آسيا ليست موجودة بالمعنى السياسي والإستراتيجي كمشروع موحّد على غرار أوروبا أو الولايات المتحدة.
أما بالنسبة للميدان الثقافي بالمعنى العريض للكلمة الذي يشمل الفنون والآداب وأنماط العيش فإن المؤلف يقول بعدم وجود آسيا. فالعمق المشترك للغرب الأوروبي لا مثيل له على الصعيد الآسيوي، والصين والهند مثلا تختلفان فيما بينهما أكثر مما تختلف كل منهما مع أوروبا. هذا مع إشارة المؤلف إلى أن الهند «مشرّبة»، إلى هذه الدرجة أو تلك، بالإرث الأوروبي على مستوى نمط الحياة والتنظيم السياسي.
القرن الآسيوي
في المحصلة يرى المؤلف أنه يمكن الحديث بدرجة أقل عن منظور «قرن آسيوي» مما هو عن «هيمنة صينية». بتعبير آخر الحديث عن «ظفر محتمل» لجزء من آسيا وليس لها كلها. من هنا سوف تتركز الأنظار على الصين أكثر مما هي على القارة الآسيوية.
ويعتبر المؤلف أن أي تحليل خاص بمكانة الصين في العالم قد يكون نوعا من العبث إذا لم يأخذ في حسابه التجربة التاريخية المزدوجة لهذه البلاد. من جهة تجربة قوة قديمة وعظيمة ومن جهة أخرى بلاد منهوبة وذليلة، وفي الحالتين على خلفية هوية وطنية قوية منذ آلاف السنوات. وعلى هذا الأساس من البعد الزمني تندرج عملية اتخاذ القرارات على صعيد السياسة الخارجية في إطار الاستمرارية. وحيث يمكن تشبيه ذلك كما لو أن إيطاليا تتخذ قراراتها اليوم وكأنه لم تحدث أية قطيعة بينها وبين الإمبراطورية الرومانية.
وعندما كانت أوروبا تعيش عصورها الوسطى عرفت الصين تقدما تكنولوجيا كبيرا مع اختراع المطبعة والمدفعية والبوصلة. ومع بروز الثورة الصناعية الأوروبية كانت الصين هي الدولة الأكبر سكانا والأغنى اقتصاديا، إذ كان يقطنها 330 مليون نسمة عام 1700 من أصل 950 مليون نسمة في العالم كله. وكان إجمالي الإنتاج الصيني يتجاوز إجمالي الإنتاج الأوروبي. وكان وزن الصين راجحا كثيرا في منطقتها. بل وكانت البلدان المجاورة لها تدور في فلكها. وقد تبنّت الصين آنذاك سياسة الانكفاء على الذات، الأمر الذي جسّده قرار جرى اتخاذه في أواسط القرن الخامس عشر وقضى بمنع القيام بحملات كبرى فيما وراء البحار.
باختصار تمثّل النموذج المثالي الذي سعت الصين لتحقيقه على مدى آلاف من السنين في الوصول إلى إقامة إمبراطورية كبرى متمركزة على ذاتها وتندرج ضمن إطار إقليمي.
لكن الصين كانت خلال تاريخها، على غرار أوروبا، عرضة لغزوات كبرى قام بها شعوب السهوب المحاربة الذين يعود أصلهم إلى آسيا الوسطى. من هنا جرى بناء سور الصين العظيم بطول 2500 كيلومتر اعتبارا من القرن الثالث الميلادي. وتعرّضت الصين لغزو المغول، مثل روسيا، في القرن الثالث عشر.
لكن الصين نجحت أمام هذه الغزوات، وغيرها، في أن «تمتصّ» على مدى جيل واحد أولئك الذين اجتاحوها من آسيا الوسطى. هكذا خرجت سليمة معافاة تقريبا من غزوات المغول في القرن الخامس عشر بيد أن هذه الغزوات نفسها قد خرّبت طيلة عدة قرون من الزمن التنظيم السياسي لروسيا. باختصار عرفت الحضارة الصينية كيف تتغلب على جميع التحديات إلى أن جاء دور الغربيين.
كانت العلاقات الأولى للصين مع الغرب المسيحي وديّة بالأحرى، وذلك منذ رحلة ماركو بولو في أواسط القرن الثالث عشر حتى إقامة العلماء المسيحيين في بكين خلال القرن الثامن عشر. لكن «الإذلال» الذي عرفته الصين على يد الأوروبيين بدأ عمليا مع حرب الأفيون 1840-1841 ولم يتوقف بعد ذلك على مدى قرن ونصف.
ووصل الأمر بالأوروبيين إلى اجتياح بكين خلال عامي 1860-1861 حيث حرقوا ونهبوا قصر الصين. ثم عاودوا الكرّة عام 1900 بحملة متعددة الجنسيات أوروبية-أميركية-يابانية بقيادة جنرال ألماني. وإذا لم يتم عندها استعمار بكين، إلا في بعض النقاط، فإنه جرى تقسيم المدينة إلى مناطق نفوذ. ولم ينته مثل ذلك الوضع تماما إلا مع الحرب العالمية الثانية.
وصل الشيوعيون إلى السلطة عام 1945، واعتبارا من عام 1954 ساءت العلاقات مع الاتحاد السوفييتي وصولا إلى القطيعة الإيديولوجية والاقتصادية في عام 1960. لقد رفض الاتحاد السوفييتي آنذاك دعم الصين في عملية عسكرية ضد جزيرة تايوان خشية أن يؤدي ذلك إلى مجابهة مع الولايات المتحدة التي كانت تنشر أسطولها السابع في مضيق «فورموزا» اعتبارا من عام 1954. رفضت موسكو أن تشمل «مظلّتها النووية» الصين بقيادة ماوتسي تونج في حالة حدوث مواجهة عسكرية بين القوات الصينية والأميركية.
ويعيد المؤلف إلى ذلك الحدث قرار الصين الشروع اعتبارا من نهاية عام 1954 ببرنامجها النووي العسكري. وكانت موسكو، رغم كل شيء، قد وعدت بكين بتقديم مساعدة تقنية لها في الميدان الذري، خاصة أنها قدمت لها «مجسّما» للسلاح النووي في إطار اتفاق سري عقده البلدان عام 1958، وهو الاتفاق الذي نقضه نيكيتا خروتشوف في نهاية عام 1958. الأمر الذي لم يمنع الصين من إجراء أول تجربة لها في شهر أكتوبر 1964 ثم قامت بعد 18 شهرا بتجريب أول قنبلة هيدروجينية صينية.
ويذكر المؤلف في هذا السياق المجابهات المسلحة التي شهدها شهر مارس من عام 1969 على طول الحدود بين الاتحاد السوفييتي والصين. وفي تلك الفترة استعرض السوفييت فرضية القيام بضربة نووية تقتل القوة الذرية الصينية الوليدة «في المهد». أدى مثل ذلك المنظور إلى بداية تقارب بين الولايات المتحدة والصين. وقامت منذ عام 1970 شراكة إستراتيجية أميركية-صينية تحت رعاية رئيس وزراء الصين شو ان لاي ووزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، وذلك في مواجهة الاتحاد السوفييتي.
الصعود السلمي للصين
في الوقت الذي تتهيأ الصين الشعبية لاستقبال الألعاب الأولمبية في عام 2008، عشية الاحتفال بالذكرى الستين لتأسيسها لم يتم بعد نسيان ذكريات الماضي البعيد والقريب. هذا مع التأكيد أن صين اليوم ليس لها سوى القليل من النقاط المشتركة مع صين الحرب الصينية-اليابانية وصين الحرب الأهلية خلال سنوات الثلاثينات والأربعينات المنصرمة.
بل وليس لها نقاط مشتركة كثيرة مع صين ما قبل 30 عاما وما عرفته من هذيان جماعي تحت عنوان «القفزة الكبرى إلى الأمام» و«الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى»، ثم فترة حكم «عصابة الأربعة» خلال فترة 1973-1975. لكن رغم العودة نحو اقتصاد السوق ورغم الآثار العميقة للنمو الاقتصادي الهائل على المجتمع، فإن النظام السياسي الصيني لم يتطور سوى قليلا ولا يزال هو أحد الأنظمة الاستبدادية الشيوعية في العالم. وتقول الكلمات الأولى من النشيد الوطني الشيوعي الصيني: «الشرق أحمر، والصين تقف منتصبة على قدميها» كما يشير المؤلف ثم يسأل: «إلى أين سوف تمضي«؟
يبلغ عدد سكان الصين 3,1 مليار نسمة من أصل 4,6 مليارات يشكلون سكان المعمورة. وبالتالي يتمثل الهم الأول لجميع الحكومات الصينية في المحافظة على الوحدة السياسية لأكبر بلد في العالم.
وكان قد تمّ الشروع منذ أواسط عقد السبعينات الماضي بسياسة تحديد النسل الذي انخفض إلى ما دون حد تجديد الأجيال. أما على المستوى الاقتصادي فقد عرفت الصين منذ إطلاق شعار «عمليات التحديث الأربع» من قبل دينج شياو بينج عام 1978 نموا لا سابق له بحيث أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد تضاعف خلال 20 سنة. وليس هناك أي بلد هام كان قد عرف مثل هذا المعدّل من النمو خلال فترة قصيرة كهذه.
لكن هذه التنمية لم تكن متكافئة بالنسبة لعموم الصين إذ أنها عرفت تركز الثروات في المناطق الشاطئية بينما ظلت بعض المقاطعات الداخلية في الداخل شبيهة بمقاطعات الهند «الفقيرة» من حيث نمط المعيشة ومستواها. وتؤدي قوة الجنوب التي تمارسها المدن زيادة كبيرة في تلوث البيئة.
وهناك قسم هام من سكان المدن الوافدين عليها خاصة من الأرياف، لا يجدون سوى فرص عمل هشة ويفتقرون للحد الأدنى من الخدمات العامة والخدمات الصحية. ثم إن التوسع الاقتصادي الصيني يعتمد على منظومة مالية ومصرفية «خفيّة» بمقدار ما هي «هشّة» وعليها أن تلبي احتياجات القطاع العام التابع للدولة الموروث من الحقبة الماوية. كما يعتمد على ازدهار القطاع الزراعي بعد التخلّي عن النظام التعاوني «الجماعي» وعلى التطور الكبير الذي عرفه قطاع التجارة الخارجية.
هذا الصعود الذي عرفته الصين على الصعيد الاقتصادي واكبه تدريجيا تنامي دورها السياسي على المسرح الدولي. وتمتلك الصين نظريا «على الورق» الإمكانيات السياسية التي تسمح لها بأن يكون لها وزنها عالميا. وهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي اعتبارا من عام 1971 حيث أخذت المقعد الذي كانت تحتله آنذاك «الصين الوطنية»، أي تايوان. والصين، مثل روسيا أو الولايات المتحدة، متمسّكة جدا بسيادتها. لكن «النزعة التبشيرية» التي عرفها عهد ماوتسي تونج قد جرت ترجمتها بدعم الحركات الثورية «ذات الإيديولوجية المادية» في جميع أصقاع العالم.
ويشير المؤلف هنا إلى أن دور الصين على الصعيد العالمي حديث العهد جدا، إذ أنها حتى سنوات قليلة خلت كانت «خارج اللعبة» فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط أو إفريقيا. وقد كانت بلدا مصدّرا للبترول حتى سنوات التسعينات الماضية لكنها أصبحت تحتل، اعتبارا من عام 2004، المرتبة الثانية، في قائمة البلدان المستوردة له وراء الولايات المتحدة الأميركية. بكل الأحوال تصف النقاشات العامة الدائرة في الصين النهضة التي عرفتها البلاد أنها «صعود سلمي» على خلفية الاعتزاز بالهوية الوطنية التي تستعيد بنظر الصينيين مكانتها الطبيعية. وكانت الصين قد انضمّت عام 2001 لمنظمة التجارة العالمية.
على الصعيد العسكري يجري «صعود» الصين تدريجيا أيضا. إن جيشها يمتلك أسلحة تقليدية قديمة غالبا وترسانتها النووية متواضعة بحيث أنها لا تمتلك في المحصلة القوة العسكرية القادرة على منافسة قوة الولايات المتحدة، حتى على المستوى الإقليمي. كما أن قدرة الصين على القيام بعمليات تدخل عسكرية خارجية لا تزال أدنى من قدرة فرنسا أو انجلترا.
مع ذلك يمكن لهذا الوضع كله أن يتغير في أفق 15 سنة قادمة أو ربما عشر سنوات فقط، لاسيما وأن هناك مؤشرات تدل على أن الصين قد تمتلك صواريخ نووية حديثة خلال عدة سنوات. وتقدّر النفقات العسكرية الصينية ب75 مليار دولار سنويا أي ضعف ما تنفقه فرنسا أو اليابان.
في المحصلة يرى مؤلف الكتاب أنه اعتبارا من الآن وحتى أفق عام 2020 سيكون لدى الصين - إلا إذا استجدت أزمة كبرى- جميع الأوراق الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية التي تسمح لها بلعب دور قوة عظمى مهما كانت طبيعة نظامها. هذا على عكس اليابان ذات التبعية الإستراتيجية شبه الكاملة اليوم للولايات المتحدة الأميركية.
رؤى المستقبل
يرتبط تحقيق منظور الهيمنة الصينية بما ستعرفه البلاد من تطورات على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويطرح المؤلف في هذا السياق ثلاثة أسئلة رئيسية يجدها حاسمة فيما يخص مكانة الصين المستقبلية. يتعلق السؤال الأول بالروابط بين «مركز» الصين و«محيطها» وبالآليات التي سوف تستطيع من خلالها «دولة واحدة» على حكم ما يزيد عن خمس سكان العالم. هذا لاسيما وأن الوزن الديموغرافي والاقتصادي لبعض المناطق قد يجعل منها «ضمنا» قوى «تحظى بالاحترام» على المسرح الدولي. ويعود المؤلف في هذا السياق إلى تاريخ الصين الذي عرف العديد من الهزّات الداخلية.
وسؤال آخر يتعلق بمصير الصين كإمبراطورية متعددة الجنسيات. وبعد أن ينبّه المؤلف إلى خطأ المقارنة، حول هذه النقطة، مع الاتحاد السوفييتي السابق حيث كان الروس يشكّلون أغلبية قليلة -150 مليون من أصل 280 مليونا حسب إحصائيات 1989-، يشير إلى أن 91 بالمائة من الصينيين ينتمون إلى نفس الأغلبية وتنتمي لغاتهم إلى «الجزء اللغوي» الصيني بينما جرى توحيد كتابتهم على أساس منظومة إيديولوجية. القوميات الأخرى تشكل 9 بالمائة فقط، أي ما يمثل 100 مليون نسمة. وإذا كان أهل «التيبت» يشكّلون حالة خاصة فإنهم لا يمثّلون مع ذلك أضخم الأقليات، على عكس الفكرة السائدة.
التساؤل الأخير - الثالث- يتعلق بنتائج احتمال أن تعرف الصين تحولا ديمقراطيا، ذلك على أساس أن «وصول» الديمقراطية في بلدان شرق آسيا قد سبقه غالبا ازدهار اقتصادي. هكذا جرى الحديث عن دخل الفرد في كوريا الجنوبية بمعدّل 50000 دولار سنويا خلال سنوات الثمانينات «كمقدمة» لتبنّي الديمقراطية.
ويشير المؤلف هنا إلى أن القيادة الشيوعية الصينية، مع تأكيدها على رفض أي تدخل أجنبي، لا تزعم أنها سوف تكبح إلى ما لا نهاية كل منظور لإمكانية التطور الديمقراطي. ثم إن تعاظم حجم ودور الطبقة الوسطى بالتزامن مع النمو الاقتصادي سيغدو المطلب الديمقراطي أكثر ألحاحا، دون معرفة ما إذا كان سيجري تطبيقه تدريجيا - مثل «تايوان»- أو سيتم فرضه فجأة على قاعدة أزمة اقتصادية كبرى.
بقيت معرفة الآلية التي سوف تتصرف بها «صين ديمقراطية» على المسرح الدولي. ما يتم تأكيده هو أنه ليس هناك ما يسمح بالقول أن مثل هذه الصين «الديمقراطية» ستعلب دورا أكثر «تصالحا» و«دعما للاستقرار» دوليا من القيادة الشيوعية الحالية، بل قد يكون العكس أكثر احتمالا. فإذا كان الشيوعيون يخشون الحركات الشعبية فإن «قيادة صينية ديمقراطية» قد تعتمد عليها. ثم إن اكتساب «الشرعية الديمقراطية» إلى جانب أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية، يمكن أن يدعو الصين إلى «مغامرات» شبيهة بتلك التي دفعت «أمما صاعدة» نحو تحقيق «أحلام أمبريالية» في نهاية القرن التاسع عشر مثلما عرفت ألمانيا أو الولايات المتحدة أو اليابان.
مواجهة الازدحام
يقول المؤلف أن قبول فرضية وصول الصين إلى مصاف قوة عظمى في إطار آسيا بحيث تغدو المنطقة الأكثر أهمية في العالم على الصعيدين الاقتصادي والإستراتيجي، لا يعني أن هيمنتها مؤمّنة.
الصين ليست وحدها في منطقتها، فاليابان والهند قوتان كبيرتان وليستا على استعداد لتدوران في فلك «إمبراطورية الوسط». بالتالي لن تكون الهيمنة الصينية الإقليمية أكيدة أكثر مما كانت هيمنة ألمانيا بقيادة غيّوم الثاني حيال فرنسا أو انجلترا أو روسيا. ثم إن الولايات المتحدة لن تكون مهمّشة على الصعيد العالمي ولو أنها لن تكون مسيطرة، فهي تمتلك وزنا ديموغرافيا واقتصادا مجددا والعديد من الأوراق السياسية والإستراتيجية الرابحة.
ما يهم الإنسانية هو معرفة الشروط التي سوف يتم فيها صعود الصين، وعما إذا كان ذلك سيتم على شاكلة الصعود المتهوّر القوي لأوروبا ما بين 1914 و1945 - أي الفترة التي عرفت حربين عالميتين- أم أن صعود الصين سيتم تدريجيا. يتم التأكيد هنا على الأهمية القصوى للدور الذي سوف تلعبه الولايات المتحدة التي كان لها منذ هزيمة اليابان عام 1945 دورا مركزيا في المحافظة على الاستقرار في منطق شرق آسيا.
ثم إن ضمان الولايات المتحدة للأمن يرمي أساسا إلى منع حدوث أي «صدام مباشر» لليابان مع الصين. بالتالي لا ترغب واشنطن في أن تستطيع اليابان تحقيق استقلاليتها فيما يخص تأمين دفاعها الذاتي، بل على العكس تريد أن تبقيها تابعة لها «إستراتيجيا».
ثم إن واشنطن بحمايتها تايوان لا تمنع قيام هيمنة عسكرية صينية في المنطقة فحسب وإنما تمنع أيضا تايوان من إعلان استقلالها، الأمر الذي تعتبره الصين سببا مبررا لشنّها الحرب إذ تعتبر تايوان «جزءً لا يتجزأ منها». ومهما قيل سمح هذا الوضع الأمني الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية بتحقيق الشروط التي عرفت إعادة تعمير اليابان ثم صعود الصين القوي والذي يمكن أن يهز المعادلة القائمة.
ويمكن للتطورات الحاصلة أن تؤدي، بعد أجل، إلى قيام منظومة أمنية إقليمية يشرف عليها الثنائي الصيني-الأميركي، وهذا ما بدت ملامحه من خلال الطريقة التي تصرفت بها بكين وواشنطن حيال الطموحات النووية لكوريا الشمالية. وقد تتابع أميركا ممارسة نفس سياستها الحالية الخاصّة بضمان أمن اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وبحيث يتم إبقاء هذه البلدان الثلاثة بعيدة عن أي استقلال ذاتي أمني.
وقد يجري هذا كله بالتعاون مع بكين شريطة أن تقبل الولايات المتحدة التعامل مع النظام الشيوعي الصيني دون أية مساعي لدفعه «قسرا» نحو الديمقراطية. ويرى المؤلف أن تاريخ العلاقات الصينية-الأميركية منذ القرن التاسع عشر لا يستبعد، مسبقا، مثل هذه الإمكانية في التطور الذي ستشهده منطقة شرق آسيا.
البحث عن حلفاء
إن انتهاج سياسة أخرى سيؤدي إلى توفر تدريجي لشروط قيام حرب باردة جديدة في هذه المنطقة من العالم. وستبحث أميركا عندها عن حلفاء جدد قد تكون الهند في مقدمتهم، مع التركيز على أن تكون التحالفات الجديدة متعددة الأطراف في منظور «شراكة من أجل السلام». ويمكن أن يبدو الأمر وكأنه يخص تأسيس «حلف أطلسي مكرر» مع دول غير الحلف القائم مع أوروبا.
ما يتم التأكيد عليه هو أن الولايات المتحدة والصين لم تقررا «نهائيا» حتى الآن أي سبيل ستسلكان: أهو «التعاون» أم «التباين»، هذا إذا لم تكن المواجهة؟ بكل الأحوال سيكون عليهما اتخاذ قرار. ويشبه المؤلف الوضع في شرق آسيا الآن بالوضع في أوروبا خلال أواخر القرن التاسع عشر حيث لم تكن الحرب العالمية الأولى 1914 عندها خيارا محتوما.
في المحصلة يقال إن الهيمنة في القرن الحادي والعشرين تفترض شروطا أخرى بالإضافة إلى تلك التي عرفتها الحقبة الكلاسيكية أو الصناعية، الشرط الأساسي الجديد هو امتلاك قدرة كبيرة للجذب بواسطة المال والخطاب -اللغة- الموجّهة للعالم. الصين تملك المال بفضل فائضها التجاري الكبير مع الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وقد تجاوزت الاحتياطيات المالية الصينية منذ صيف 2006 مبلغ تريليون دولار، وهذا مبلغ لا مثيل له في العالم.
أمّا على صعيد اللغة فالملاحظة الأولى المقدّمة تقول أنه للمرة الأولى تجذب الصين أعدادا كبيرة من الطبلة والباحثين الأجانب الساعين إلى تعلّم اللغة الصينية. ثم إن عددا من البلدان الآسيوية أصبحت توفد أعدادا أكبر من طلبتها إلى الصين أكثر مما توفدهم إلى الولايات المتحدة التي وضعت من جهتها شروطا صارمة لدخولها بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.
ولغة المال تسمح للصين أن تتنافس مع الولايات المتحدة. لكن «اللغة» بالمعنى الدقيق للكلمة قد تكون أكثر أهمية إذ كانت أداة للسيطرة قديما استعملها الاسبان والبرتغاليون في أميركا اللاتينية والفرنسيون في إفريقيا والانكليز في الهند. وإذا كانت الصين لا تزال تحتل مرتبة متواضعة على صعيد العوامل الثقافية الاجتماعية عالميا فإن الألعاب الأولمبية لعام 2008 تشكل مرحلة هامة لها على هذا الصعيد.
لكن إذا كان «الشرق أحمر» فإن العالم لن يكون صينيا. و«الخطر الأصغر» الذي تحدث عنه الإمبراطور غيّوم الثاني لن يبسط هيمنته على العالم. لكن هذا لا يعني أن الصين ستلاقي نفس مصير اليابان التي لن تغدو أبدا قوة عظمى بسبب عدم استقلالها الذاتي الإستراتيجي.
باختصار يمكن للصين أن تغدو قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة لكنها لن تكون القوة المهيمنة الجديدة. وهذه هي خلاصة ما يتوصل إليه المؤلف من تحليلات.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



