يتناول المؤلف في هذه الحلقة القوة الأميركية وهيمنتها على العالم، حيث يشير إلى أن الأميركيين بدأوا يمارسون دوراً عالمياً في الحرب العالمية الأولى ولكنهم لم يفرضوا حضورهم الفعلي إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروجهم منتصرين على أعدائهم بالضربة النووية الحاسمة.
ويجري المؤلف هنا مقارنة بين القوة الأميركية وقوى أخرى سادت فيما مضى وقيض لها أن تنشئ إمبراطوريات حكمت أجزاء واسعة من العالم، ويرى أن الأميركيين لا يجدون أي منافس حقيقي لهم قادر على إلحاق الهزيمة ببلادهم. ولكن المستقبل يحمل نذر شؤم للولايات المتحدة، بحسب المؤلف، الذي يعتقد أن الأعوام القادمة ستشهد ظهور قوى منافسة للهيمنة الأميركية ويخص بالذكر القوة الصينية. تحتل الولايات المتحدة الأميركية مرتبة متقدمة من حيث مدة استمرارها كقوة عالمية. ذلك أن «القرن الأميركي» قد بدأ مع الحرب ضد اسبانيا عام 1898 التي كرّست وصول الولايات المتحدة كقوة تدخل عالمية في منطقة تمتد من الفلبين حتى جزر بحر الكاريبي.
تدخلت الولايات المتحدة للمرّة الأولى في الشؤون الأوروبية أثناء الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918 وكانت وراء تسريع هزيمة ألمانيا. أما على الصعيد الاقتصادي فقد أصبح لأميركا وزن يعادل وزن الإمبراطورية البريطانية كلها منذ بدايات القرن العشرين وكانت قد تجاوزت على صعيد القوة الاقتصادية بريطانيا ـ دون مستعمراتها ـ اعتبارا من سنوات السبعينات في القرن التاسع عشر. وبعد أن يرسم مؤلف الكتاب هذه الصورة للقوة العالمية الأميركية يشير إلى أن الإمبراطورية الرومانية قد استمرت خمسة قرون ما بين انتصارها النهائي على قرطاجة حتى الاجتياحات الأولى للبرابرة. وكانت محاولات الهيمنة الاسبانية قد استمرّت حوالي قرن ونصف بعد «اكتشاف» العالم الجديد كما عرفت الإمبراطورية البريطانية نفس الاستمرارية تقريبا قبل أن تتحلل نهائيا خلال سنوات 1947 ـ 1960.
أما محاولات الهيمنة الفرنسية في ظل لويس الرابع عشر أو نابليون بونابرت، والألمانية خلال القرن التاسع عشر، فإن المؤلف يصفها، أي محاولات الهيمنة، بأنها مجرد «ومضات عابرة» بالقياس إلى الاستمرارية التي تتسم بها أرجحية أميركا في عالم اليوم. والهيمنة الأميركية شاملة. كما أنها تتميز عن أشكال الهيمنة السابقة بجمعها لتفوق الولايات المتحدة عالميا في ميادين مختلفة إذ لا تقتصر على المجال العسكري والإستراتيجي فحسب، وإنما تشمل أيضا المجال الاقتصادي والمجال الثقافي بالمعنى «العريض» للثقافة. ويشير المؤلف هنا إلى أن فرنسا قد هيمنت «ثقافيا» على الصعيد العالمي خلال القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر فيما هو أبعد من وزنها العسكري والاقتصادي خلال تلك الفترة. واستطاعت اسبانيا أن تسيطر على أول إمبراطورية في تاريخ العالم «لم تكن الشمس تغيب عنها» واستمرت لفترة من الزمن لكن «نموذجها» الثقافي لم يتجاوز أبدا حدود تلك الإمبراطورية.
أما الولايات المتحدة الأميركية فإنها قد انتصرت في الحرب العالمية الثانية في والحرب الباردة وهي المحرك الأساسي لموجة العولمة التي عمّت منذ النصف الثاني للقرن العشرين. ولم يكن الغرب في تاريخه كله قد جمع مثل هذا القدر من عوامل القوة، ربما باستثناء الإمبراطورية الرومانية، إنما في مجال جغرافي محدود أكثر.
غياب المنافس
تتميز القوة الأميركية اليوم ، وللمرة الأولى في التاريخ، بعدم وجود أية قوة أخرى منافسة لها يمكنها أن تواجهها مع إمكانية الانتصار عليها. فالإمبراطوريات السابقة اصطدمت كلها بمنافسين متنوعين. لكن هذا لا يعني، كما يشير المؤلف، إلى عدم وجود معارضات واحتجاجات حيال الهيمنة الأميركية، وإنما لا يمكن لها كلها أن تكون حاسمة، في الوقت الحالي، سوى حول بعض المسائل الخاصة وفي أمكنة محدودة وأيضا لمدة قصيرة.
في المحصلة ليست الولايات المتحدة القوة المحورية في المنظومة الدولية فحسب وإنما هي كذلك بصورة لا سابق لها في التاريخ. هنا يفتح المؤلف قوسين ليقول أن ذلك «لا يعني بالضرورة» أن ما كان صحيحا في القرن العشرين ـ ذي الهيمنة الأميركية ـ سيكون صحيحا غدا. والوزن الاقتصادي الأكثر أهمية لأميركا اليوم قد لا يكون كذلك مستقبلا. ذلك أن منافسين جددا يبرزون وليس أقلهم شأنا الصين. ثم هناك إمكانية لتغيير معايير القوة قد تتم على حساب الولايات المتحدة.
وتتم الإشارة هنا إلى أن عددا من الشخصيات السياسية والمراقبين توقعوا عند منعطف نهاية الألفية الأولى أن تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها خلال القرن الحادي والعشرين. ومن بين هؤلاء هوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي الأسبق الذي استخدم تعبير «القوة الأعظم» للتأكيد على المرتبة المتفرّدة للولايات المتحدة بعد زوال القوة السوفييتية المنافسة «سابقا».
مما أدى إلى «تبدل نوعي» في الهيمنة الأميركية. وساعد على ذلك شبكة التحالفات السياسية والعسكرية التي أقامتها، كما ساعد عليه واقع أنها في صميم العولمة الاقتصادية والثقافية الجارية مع احتفاظها بدرجة متقدمة على صعيد التجديد التكنولوجي.
وضمن هذا السياق قام أولئك الذين اشتهروا تحت تسمية «المحافظين الجدد» عام 1997 بصياغة بيانهم «من أجل قرن أميركي جديد». وقد وقّعه العديد من الذين غدوا لاحقا من المساهمين في «المغامرة العراقية» لإدارة جورج دبليو بوش. كان ذلك «البيان» يدعو إلى ضرورة أن يكون للولايات المتحدة حضور عسكري في العالم كله. بهذا المعنى كان أولئك «المحافظون الجدد» ثوريين «يريدون تغيير خارطة العالم».
مع ذلك هناك احتمال بسيط جدا أن يؤكد الواقع صحة هذه التحليلات القائلة أن القرن الجديد سوف يكون أميركيا»، حسب تعبير المؤلف، الذي يشير مباشرة أن هذا القول لا يعني أن الولايات المتحدة سوف تعرف مسارا انحداريا على الصعيد الاقتصادي أو العسكري أو الديموغرافي، كما تقول تحليلات فرنسية عديدة تؤكد «حتمية الانحطاط الأميركي».
ما يشكك به المؤلف هو القارة الأميركية على هيكلة النظام الدولي حسب النموذج الذي عرفته العقود الستة الأخيرة. وبتعبير آخر فإن الهيمنة الأميركية هي التي سوف تنتهي. وللمقارنة كانت الولايات المتحدة تمثل عشية نشوب الحرب العالمية الأولى حصة من الإنتاج العالمي تشابه وضعها في عام 2000 حيث إنها القوة العظمى الوحيدة في العالم ومحور نظامه بينما لم تكن كذلك عام 1914. وبنفس الطريقة قد يكون وضع الولايات المتحدة في أفق عام 2050 مجاورا، من حيث نسبته، للوضع القائم اليوم، ولكن واشنطن لن تبقى عندها مركز العالم.
مصادر القوة الأميركية
يؤكد المؤلف أن معرفة مصادر القوة الأميركية وطبيعتها قد تستدعي التذكير بظروف قيام الجمهورية الأميركية في نهاية القرن الثامن عشر. ويرى أن الولايات المتحدة تمثل بلادا قامت على أساس مشروع إيديولوجي وسياسي وديني اختلطت فيه أفكار عصر التنوير مع النزعات الدينية المناضلة الموروثة من عصر الإصلاح الديني، ويضاف إلى هذا الظروف الخاصة لاستعمار مجال جغرافي كان يعيش فيه آخرون هم الهنود «الحمر» وأيضا محتلّون اسبان ومكسيكيون لجزء من الأرض.
وتتميز الولايات المتحدة، من حيث نشأتها، عن الأمم الأوروبية التي نتجت عن عملية تفاعل طويلة الأمد. وفي القرن التاسع عشر أحكمت الولايات المتحدة سيطرتها على مجالها الجغرافي دون إيلاء أية أهمية خاصة لأبناء البلاد الأصليين. كما شهدت في ذلك القرن حربا «انفصالية» قاتلة بين الشمال والجنوب ما بين 1861 و1865. وكانت الحرب مع اسبانيا عام 1898 هي الفرصة التي برزت فيها الولايات المتحدة كقوة «امبريالية» كبرى على المسرح العالمي.
واعتبارا من تلك الحرب مع اسبانيا عرفت الولايات المتحدة تعاقبا، وأحيانا «تعايشا» بين مراحل للتوسع، مثل المرحلة التي تصرّفت فيها كقوة إمبريالية على الطريقة الأوروبية في منطقتي البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، ومراحل انكفاء على الذات خلال سنوات 1920 ـ 1940 على سبيل المثال، وأخيرا مراحل الالتزام السياسي والإستراتيجي في آلية عمل المنظومة العالمية.
كما هو الحال في المرحلة الراهنة. وعرفت هذه المراحل كلها «توترا» بين نوع من النزعة التبشيرية، مثلتها سابقا سياسة الرئيس ولسون وتمثلها حاليا سياسة جورج دبليو بوش، وبين نزعة «واقعية» يحدد المؤلف «هنري كسنجر» وزير خارجية أميركا الأسبق كأفضل مثال عليها.
ما يؤكده المؤلف أيضا هو أن الولايات المتحدة لم تكن تريد باستمرار تعميم «النموذج» أو المشروع الأميركي على العالم. ثم إن سياستها لا تتغير كثيرا بالعلاقة مع بلدان الهجرة التي قدم منها مواطنوها. ذلك أن مصالح الولايات المتحدة هي أولا مصالح البلاد نفسها وليس مصالح البلدان الأصلية للأميركيين. هذا يعني أن التنوع الاثني قد يعطي للسياسة الخارجية الأميركية « تباينا لونيا ما» لكنه لا يحدد جوهرها وخطوطها الكبرى.
ويقول المؤلف في هذا السياق: «مع ذلك يرى بعض المحللين، بما في ذلك الأكثر شهرة، أن الدعم الأميركي لإسرائيل يشذ عن هذه القاعدة وأنه تحت ضغط اللوبي اليهودي تتفوق المصلحة الإسرائيلية في الولايات المتحدة على المصلحة الأميركية فيما يتعلق باتخاذ القرارات التنفيذية كما التشريعية».
ويشير المؤلف هنا إلى أن سياسة واشنطن حيال إسرائيل لم تكن ثابتة قبل عام 1967 حيث أقامت معها علاقة إستراتيجية مستدامة بينما كان الحليف العسكري المميّز لإسرائيل حتى آنذاك هو فرنسا. كما يشير إلى نوع من «التباين» بين سياسة جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر حيال إسرائيل وبين سياسة رونالد ريغان وفيما بعد سياسة جورج بوش الابن.
ويضيف المؤلف ضمن النهج نفسه من التحليل أن نفوذ «اللوبي اليهودي» لا يأتي من عدد اليهود في أميركا الذي لا يتجاوز 2 بالمائة تقريبا من مجموع السكان. ثم إن أغلبية الناخبين منهم يقترعون لصالح الحزب الديمقراطي (أكثر من 70 بالمئة) مما لا يفسّر السياسة الموالية للصهيونية التي تنتهجها إدارة جورج دبليو بوش الجمهورية.
ونقطة أخرى هي أن أغلبية الذين يدعمون النزعة الموالية للصهيونية لدى الجمهوريين هم ليسوا من اليهود وإنما من الإنجيليين البروتستانت الذين يدعمون القوى الإسرائيلية الأكثر نزوعا للتوسع على خلفية نظرية تقول بنهاية العالم ونهاية اليهود بعد «تجميعهم» في إسرائيل.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على وجود تداخل كبير بين «المراحل التبشيرية» للسياسة الخارجية الأميركية وبين القيم الديمقراطية التي تعارض العنف. وإذا كانت هذه السياسة وراء العديد من أعمال العنف الدامية قبل احتلال العراق، مثلما عرفت فيتنام، فإن الرأي العام الأميركي الرافض للحرب الفيتنامية هو الذي أرغم الإدارة الحاكمة آنذاك على الانسحاب.
وإذا كان نيكسون وكيسنجر قد أعطيا الأوامر بالقصف الوحشي لكمبوديا خلال عامي 1970 ـ 1971 فإنهما قد فعلا ذلك تحت جنح السرية الكاملة. والملاحظة نفسها تنطبق على فظائع سجن أبو غريب أو مجزرة «حديثا» أو عمليات نقل السجناء بصورة غير مشروعة نحو بلدان تسمح بممارسة التعذيب وذلك بقصد سحب اعترافات منهم حول نشاطاتهم «الإرهابية» المزعومة.
وأثناء الحرب العالمية الثانية، رغم السرية التي أحاطت بالبرنامج النووي الأميركي، كانت هناك نقاشات حامية بين العلماء ورجال السياسة والعسكريين فيما يتعلق بقصف ميدنتي هيروشيما وناغازاكي بالسلاح الذري وبما يترتب على ذلك «أخلاقيا».
هذا مع التأكيد على إرادة بلوغ الهدف المنشود ولو باستخدام القوة. بالتالي كان ينبغي لطبيعة القيم الأميركية أن تدفع، «منطقيا» كما يشير المؤلف، الولايات المتحدة «كدولة» إلى أن تعطي الأولوية لاستخدام أدوات التأثير وليس وسائل القوة. ولكن، وللمفارقة، المسألة ليست كذلك.
ويتم التأكيد في أميركا على أهمية «الشعور الوطني»، إذ عندما يجري إعطاء الجنسية لأي مهاجر ـ حوالي 000 200 سنويا ـ لا يتم الاكتفاء بالإجراءات الإدارية، وإنما يصار إلى أداء قسم جماعي ل«المواطنين الجدد» لتغذية روح الوطنية. ويرى المؤلف أن هذا «الشعور الوطني» هو الذي يفسّر، إلى حد ما، ردود أفعال المجتمع الأميركي وتعبئته بسرعة عندما يتم التعرض لأي عدوان خارجي. مثلما حدث عندما هاجم اليابانيون قاعدة بيرل هاربور في المحيط الهادئ عام 1941.
إن الولايات المتحدة، بالتعريف، هي بلد للهجرة طيلة تاريخها باستثناء فترة توقفت فيها نسبيا ما بين 1920 و1966. وتتميز الهجرة إلى أميركا بمدى استمراريتها وبتنوعها. فبعد موجات الهجرة الانكلو ـ سكوتلاندية والإفريقية في القرن الثامن عشر وبدايات القرن العشرين وفد الإيرلنديون إثر المجاعة الكبرى التي شهدتها بلادهم خلال سنوات 1846 ـ 1849 ثم المهاجرون من بلدان وسط القارة الأوروبية وجنوبها. أما أقرب الهجرات فتتمثل في الوافدين من أميركا اللاتينية والجنوبية، خاصة المكسيك، ومن آسيا.
ويرى المؤلف أن الصدمة الكبيرة لتفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن لتخلق الظروف المناسبة ليس فقط للجوء إلى استخدام الأداة العسكرية وإنما أيضا لزيادة كبيرة في الميزانية الدفاعية الأميركية التي قفزت من 270 مليار دولار عام 1998 إلى 500 مليار دولار عام 2006. وأصبحت الولايات المتحدة تمثل وحدها حوالي نصف النفقات العسكرية في العالم. وهذه نسبة لا سابق لها في التاريخ.
نحو نهاية الأحادية القطبية
يشكل الدستور الأميركي أحد نقاط الارتكاز الأساسية لآليات عمل القوة الأميركية فهو في الوقت نفسه أداة لتنظيم هذه القوة وعامل حاسم في المحافظة على «الهوية الوطنية» للولايات المتحدة. ويحدد المؤلف ثلاثة أسباب تجعل الدستور الأميركي فريدا من نوعه في العالم. أولا هو «مقدّس» إذ يجسّد إلى جانب التاريخ الأميركي والعلم الأميركي، الوحدة والهوية الوطنية في بلاد سكانها من أصول مختلفة.
وثانيا ينص الدستور على فصل حاسم بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وإذا كان ينجم عن هذا أحيانا نوع من «التباين» في المواقف بين البيت الأبيض والكونجرس، فإن الوصول إلى اتفاق بينهما يكون مصدر قوة وتعبئة وطنية حيال مسائل كبرى مثل الحروب العالمية والحرب الباردة وحتى الحرب في العراق. وثالثا واقع أن القانون الداخلي له الغلبة على الالتزامات الدولية حسب الدستور الأميركي.
وتتمتع الرئاسة الأميركية «البيت الأبيض» بسلطات واسعة على المستوى التنفيذي. وهي تتمتع بصلاحية زج القوات المسلحة في عمليات عسكرية لا تتطلب «إعلان الحرب» الذي يتعلق حصرا بالبرلمان، مثلما هو الأمر في الأنظمة الديمقراطية الأخرى.
وعلى الرئيس الأميركي أن يقدّم تقريرا بعد 60 يوما من زج القوات المسلحة في عمليات عسكرية لمجلس الشيوخ عن النتائج المحققة. وللكونجرس وزنه في التأثير على الرئاسة عبر «رفضه» تقديم الميزانيات المطلوبة لدعم العمليات العسكرية. لذلك تلجأ الرئاسة غالبا إلى الحصول على الموافقة المسبقة لممثلي الشعب قبل الشروع في عمليات عسكرية كبرى مثلما حدث بالنسبة لحرب الخليج الأولى عام 1991 وللحرب الأخيرة في العراق عام 2003.
وتلجأ الرئاسة في حالات كثيرة إلى «تمرير» مشاريعها عبر مجلس الأمن القومي الذي أسسه الرئيس هاري ترومان عام 1947 والذي يزيد عدد أعضائه اليوم على 100 عضو لا يخضع تعيينهم لمجلس الشيوخ مما يعطي الرئيس هامش مناورة كبير. كذلك يلعب مجلس الأمن القومي دور المركز الذي تجتمع لديه مصادر المعلومات الاستخباراتية المختلفة بحيث يؤمّن دمجها ومركزيتها. لكن الأزمة المفتوحة التي ترتبت على تفجيرات 11 سبتمبر 2001 أظهرت عدم كفاية آليات العمل المتبعة في ميدان عمل الأجهزة السرية المختلفة.
على المستوى التشريعي يمتلك مجلس الشيوخ سلطة رفض اقتراحات تعيين الوزراء وكبار موظفي الدولة المقدّمة من البيت الأبيض. وهكذا يحتاج الرئيس الأميركي لموافقة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ من أجل تعيين أحد السفراء. ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن الهيئات التشريعية الأميركية خاضعة، إلى هذه الدرجة أو تلك، لنفوذ مجموعات مصالح مختلفة على المستوى القومي الأميركي أو على المستويات المحلية.
وبعد شرح مسهب لآليات عمل الهيئات والمؤسسات «القائدة» في الولايات المتحدة الأميركية ودورها في ظل الإدارات الأميركية الأخيرة من جورج بوش الأب إلى جورج بوش الابن، يؤكد المؤلف أن الرئيس الأميركي الحالي ـ جورج بوش الابن ـ قبل أن يتولّى تسيير شؤون البلاد في شهر يناير من عام 2001 كان يجهل كل شيء تقريبا عن القضايا الدولية إذ لم يكن يهتم بها أصلا.
لكنه جمع حوله فريقا من الخبراء المجرّبين في حقل السياسة الخارجية حيث كان عدد منهم قد عمل سابقا في إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان من أمثال بول وولفويتز وكولن باول وريشارد بيرل، بل ومن الأكثر قدما في ميزان العمل السياسي مثل دونالد رامسفيلد وديك تشيني، وكان بعض أعضاء الإدارة الجديدة قد برزوا في فترة نهاية الحرب الباردة مثل كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية حاليا.
إن أغلبية هؤلاء الساسة اشتهروا تاريخيا على أنهم من المتشددين ومن دعاة الدور «الكوني» للولايات المتحدة الأميركية. وقد كانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 المنعطف الذي فتح أمامهم «آفاقا جديدة».
نهاية الحرب الباردة
يؤكد مؤلف هذا الكتاب على أن «إدارة جورج دبليو بوش سوف ينظر إليها في التاريخ الأميركي باعتبارها من جهة الإدارة التي قامت بقطيعة أحادية الجانب وبإدارة الفشل في العراق الذي قد يمثل التقهقر الإستراتيجي الأميركي الأكبر منذ الحرب مع بريطانيا عام 1812».
ويتم اعتبار مثل هذا المفهوم كنتيجة لتضافر عوامل ظرفية وتوجهات في العمق. إذ يمثل بشكل ما «لقاء» بين فريق سياسي ـ ايديولوجي وصل إلى السلطة ضمن ظروف غريبة خلال شهري نوفمبر ـ ديسمبر 2000 وبين الصدمة التاريخية لهجوم 11 سبتمبر 2001، وهذا كله على خلفية توجهات وضعت حدا على الصعيد الإستراتيجي لإرث الحرب الباردة».
وبعد أن يذكّر المؤلف بشروط فوز المرشح الجمهوري بوش على المرشح الديمقراطي «آل جور» إثر عملية طويلة لإعادة إحصاء أصوات الناخبين وقرار من محكمة ولاية فلوريدا، يشير إلى أن أحداث 11 سبتمبر الرهيبة جاءت كي تمنح الإدارة الجديدة «الشرعية» التي كانت بحاجة إليها بعد «فوزها المرتبك»، كما أبرزت مكانة الولايات المتحدة في العالم.
قبل 11 سبتمبر كانت نزعة اتخاذ قرارات دولية منفردة ـ من طرف واحد ـ قد ظهرت في مبادرات ذات طبيعة قانونية مثل رفض التصديق على اتفاقية كيوتو الخاصة بحماية البيئة ورفض المعاهدة الخاصة بإنشاء محكمة جنائية دولية وأيضا اعتبار الأسلحة المضادة للصواريخ لاغية تماما. وكانت واشنطن، مع ذلك، حريصة كما يبدو آنذاك على اتخاذ مواقف «متناغمة» على صعيد العلاقات الدولية. لكن بعد 11 سبتمبر «زالت الرقابات كلها» ليبدأ التخطيط لغزو العراق.
وفي الوقت نفسه عايش الأميركيون هجمات 11 سبتمبر باعتبارها أفدح حدث ضدهم وضد التراب الأميركي. بل ويقول المؤلف أنه «لم يكن فقط الفعل الإرهابي الأكثر قتلا في التاريخ وإنما تجاوزت فداحته الهجمات السابقة ضد أميركا، أي تدمير البيت الأبيض من قبل البريطانيين أثناء حرب 1812 والهجوم المفاجئ الذي قام به اليابانيون على قاعدة بيرل هاربور عام 1941».
ويشير المؤلف أن الرئيس الأميركي بوش استطاع في أجواء ما بعد 11 سبتمبر 2001 أن يجمع «بسهولة» المبررات من أجل القيام ب«حربه» ضد العراق. وإنه رغم العقبات المترتبة على تلك المغامرة فإن «الثقة الشعبية» سمحت بإعادة انتخاب بوش ب«شكل مريح» لفترة رئاسية ثانية في شهر نوفمبر 2004.
ولا يتردد المؤلف في أن يؤكد ضمن هذا السياق أن «المشاعر التي أثارتها تفجيرات 11 سبتمبر سوف تعطي للسلطة التنفيذية الأميركية هوامش مناورة كبيرة فيما يخص السياسات الأمنية بعد الانتخابات الرئاسية لشهر نوفمبر 2008».
لكن نهاية الحرب الباردة سوف تثقل على الخيارات الأميركية المستقبلية. فأوروبا أصبحت «هامشية» استراتيجيا ولم تعد البؤرة الرئيسية للتوترات الدولية كما كانت خلال فترة الاستقطاب الثنائي الدولي، كما أن حروب البلقان التي شهدتها القارة خلال سنوات التسعينات قد انتهت.
بالتوازي مع هذا فقد الحلف الأطلسي بعض أهميته الإستراتيجية فيما أصبحت المشاكل والتحديات خارج أوروبا هي التي تشد انتباه الولايات المتحدة وفي مقدمتها الصعود القوي للصين وتهديد الإرهاب ونزاعات منطقة الشرق الأوسط ومصادر الطاقة فيها.
وفي الوقت نفسه أدى غياب التهديد العسكري السوفييتي إلى تضاؤل أهمية التحالفات التقليدية للولايات المتحدة. واستجد وضع جديد عبرت عنه جيدا، كما يقول المؤلف، جملة لوزير الدفاع الأميركي السابق رونالد رامسفيلد جاء فيها: «المهمات هي التي تحدد التحالفات».
كما أصبح من الواضح أنه لا الولايات المتحدة وحدها ولا حتى ائتلاف أميركي ـ أوروبي أصبح كافيا لمواجهة فعالة حيال التحديات ذات البعد الكوني (مثل سخونة المناخ) أو حيال الأزمات الإقليمية الكبرى. ذلك أن «ازدحام العالم» لم يعد يسمح بممارسة هيمنة أميركية أو غربية كالماضي. في المحصلة يرى المؤلف أن القرن الحادي والعشرين «لن يكون قرنا أميركيا جديدا». لكن هل هذا يعني أن دور آسيا، وخاصة الصين، قد جاء؟ يتساءل المؤلف.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



