إذا كنت تعتقد أن وجبة الإفطار هي أهم وجبة خلال اليوم، من ناحية فائدتها الغذائية، فعليك التفكير مجددا فيما إذا كان لديك ما يكفي من الوقود الذي يعمل عليه الدماغ. والاعتقاد السائد حتى الآن هو أن وجبة الإفطار الجيدة تعتبر أهم الوجبات طوال اليوم.

وإذا كان هناك من رسالة تتعلق بالنظام الغذائي الذي رسخه جيل من الأمهات في أذهان أبنائهن، فتلك الرسالة كانت واضحة دائما: اعط أبناءك الغذاء الصحيح أثناء وجبة الإفطار وهم سيتمكنون من التركيز طوال فترة الصباح. وفي المقابل، فإنك إذا أعطيتهم القليل من الغذاء، فسيتعين عليك خوض معركة في سبيل إبقائهم مستيقظين في الصف المدرسي.

بيد أن هذه النصيحة بدأت تدخل دائرة الشك. فكلما عرفنا المزيد حول الطريقة التي يضبط الجسم والعقل من خلالهما السكر، طرحت الفكرة القائلة إن الإفطار هو أفضل طريقة دائما لبدء اليوم على بساط البحث والنقاش بقوة أكبر. وفي واقع الأمر، فإن تناول وجبة الإفطار يمكن أن يكون أحيانا أسوأ من عدم تناولها بالنسبة إلى النشاط العقلي والجسدي.

من بين العناصر الغذائية الكثيرة والمتنوعة التي تدخل في النظام الغذائي للدماغ، فإنه لا يمكن استخدام إلا عنصر واحد فقط منها كوقود وهو سكر الجلوكوز، الذي يقوم الجسم بتحويله من الكربوهيدرات الموجودة في الطعام. ومن المؤسف أن ليخ جيبسون، المتخصص في علم النفس الإحيائي في جامعة «روهامبتون» اللندنية، يؤكد أن هذا الفعل البسيط قد أوصل الناس إلى عدة خرافات.

إحدى تلك الخرافات هي ما يسميه جيبسون «خرافة صدمة السكر» التي تعمل على النحو التالي: «بعد تناول طعام فيه كميات كبيرة من الكربوهيدرات أو عصرونية حلوة المذاق، فإن السكر في الدم يرتفع بسرعة مرسلا كمية كبيرة من الجلوكوز إلى الدماغ. وهذا يزود الجسم بطاقة زائدة عن حدها بشكل لحظي لكن هذه الزيادة سرعان ما يتبعها انخفاض حاد في نسبة السكر وفي طاقة الدماغ».

وفي دراسة حديثة منشورة في مجلة «بريتش نوتريشن فاونديشن»، يراجع جيبسون 25 سنة من البحث العلمي حول تأثيرات الجلوكوز على الدماغ، حيث يخلص إلى نتيجة مفادها أنه إذا كان من المؤكد أن الدماغ يعمل بالجلوكوز، فإن الفكرة التي تقول إن تناول أغذية حلوة يزيد من الكفاءة الذهنية هي، في أحسن الأحوال، عبارة عن تبسيط مفرط للأمر.

أصل خرافة تناول الكثير من السكر يكمن فيما يعرف باسم اختبار الجلوكوز عن طريق الفم الذي يقيس مستويات ذلك السكر عند الأشخاص بعد أن يكونوا قد صاموا طوال الليل وأعطوا شرابا حلوا للغاية. هذا الاختبار، المصمم للمساعدة على تشخيص مرض السكري، يؤدي في الواقع إلى ارتفاع سريع في معدل الجلوكوز في الدم، لكن غالبا ما يتبعه انخفاض كبير معادل له من ناحية الحجم.

لكن أحدا لا يتناول، في الحياة الواقعية، الجلوكوز الصافي وأجسام غالبية الناس لديها قدرة على أن تضبط بصورة جيدة جدا مستويات الجلوكوز في الدم. وحتى عندما يتم استهلاك طعام مشبع بالكربوهيدرات، فإن العملية تستغرق بعض الوقت حتى تتحول هذه الكربوهيدرات إلى جلوكوز، بحيث من النادر ملاحظة زيادة في الجلوكوز في الدم بعد الطعام.

في حالة إصابة المرء بمرض السكري نوع 1 فقط، فإن ارتفاع معدل السكر في الدم يجعل البنكرياس يفرز الأنسولين. والكبد يستجيب للأنسولين بتحويل الجلوكوز الزائد إلى نشاء يسمى «مكون السكر» الذي يخزن من أجل الاستعمال لاحقا.

عندما تهبط مستويات السكر من جديد، يقوم الكبد بتحويل مكون السكر المخزن إلى جلوكوز ينتشر في الدورة الدموية كلما اقتضت الحاجة لذلك. وعندما يعمل هذا النظام الناظم بصورة صحيحة، فإنه يسيطر على مستويات الجلوكوز في الدم بصورة دقيقة جدا بحيث إن عملية تناول الكربوهيدرات ليست مرتبطة بشكل مباشر بالجلوكوز الذي ينشره الكبد في الدورة الدموية.

هناك نقطة مقاربة ثانية بين الكربوهيدرات في الأغذية التي يتم تناولها والجلوكوز الذي يشق طريقه إلى الدماغ . فلقد كشفت دراسة أجريت عام 1990 عن الدور الحيوي للخلايا الدماغية التي يطلق عليها «الخلايا النجمية»، التي تخزن الجلوكوز على شكل مكون سكري وتعمل عمل ماصات الصدمة بين الجلوكوز في الدم والجلوكوز السائل الذي يغذي الدماغ.

الخلايا النجمية عادة ما تحافظ على مستويات الجلوكوز في هذا السائل وتوقفها عند نسبة تتراوح بين 20% و30% في الدم. وإذا احتاجت الخلايا العصبية إلى المزيد فإن المكون السكري يبقى مخزنا وجاهزا هناك، ولا يتحرك إلا بعد عملية طويلة من النشاط الذهني الذي يطلبه، وعندها يقوم الدماغ بتقليص الخلايا النجمية ومن ثم الجلوكوز في الدم إلى النقطة التي يحتاج عندها إلى الغذاء مجددا.

الخرافة الثانية تقول إنه بما أن الدماغ يعيش بفضل الجلوكوز، فإنه سيعمل على نحو أفضل إذا غذاه المرء بالكربوهيدرات التي تنتج الجلوكوز قبل القيام بأي أمر مهم. لكن الأمر ليس بسيطا إلى هذا الحد.

فلقد قامت كلود ميسير، المتخصصة في علم التغذية في جامعة أوتوا الكندية بإعطاء عدد من الفئران جرعات من مركب «ميتلجلوكوز 0-3» القريب من السكر والذي يمكن اعتباره شكلا غير نافع من الجلوكوز.

من حيث المبدأ، فإن خلايا الدماغ يمكن أن تخلط بينه وبين الجلوكوز وتستخلصه بسرور من الدورة الدموية، لكن عندما تتنبه له فإنها تقوم بإعادته، تماما مثل طفل يشعر بالنفور من الخضار، مما يدفعه إلى رفض البازلاء في طعامه.

من ناحية التحول الغذائي، كان من المفترض ألا يكون الفعل موجودا: جزيء غير نافع في جزيء آخر أقل نفعا كان من المفترض أن يكون مساويا لأي طاقة دماغية زائدة، إلا أن ذلك لم يحدث مع فئران ميسير، إذ إن الجلوكوز الحقيقي أعاد النشاط في اختبار الذاكرة مثلما يحصل في اختبار المتاهة، لكن حدث نشاط جيد مماثل مع المكون «ميتلجلوكوز 0-3».

وتؤكد ميسير قائلة إنه: «لغز كبير. والطريقة الوحيدة التي أستطيع من خلالها تفسير الأمر تقوم على أنه إذا كان فعل نقل المكون (ميتلجلوكوز 0-3)عن طريق غشاء الخلية يطلق إشارة ما في الدماغ تنبئ بأن الطاقة آخذة في الوصول، فإنه من الممكن ترجمة تلك العملية كونها منشطا أو محفزا للذاكرة».

النظريتان صالحتان، سواء تعلق الأمر بالنظرية القائمة على تغذية الدماغ أم القائمة على خداع الدماغ. فعندما لا تخدعه بالاختبارات، فإن مستويات السيطرة على الجلوكوز تكون أكثر انخفاضا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل وجبة الإفطار مهمة أم لا؟

بالتأكيد إنها مهمة، لكن ليس بالضرورة بالطريقة ذاتها التي كانت تراها أمك. فبعد مراجعة أكثر من 100 دراسة، وصل جيبسون إلى قناعة بأن كمية صغيرة من الكربوهيدرات يمكن أن تحسن عمل الذاكرة في اختبار المتاهة لكنها استجابة مضبوطة جدا بجرعة أفضل تعادل حوالي 25 غراما من الجلوكوز أو 100 سعرة حرارية من الكربوهيدرات.

وبكلمات أخرى، فإن هذا يعادل ثمرة موز واحدة أو زبدية صغيرة من الحبوب. لكن اختبارات حديثة أظهرت أن نوع الكربوهيدرات أهم من الكمية التي يتم تناولها. فالعامل الحاسم هو مؤشر «مكون السكر»، وهو الوسيلة التي تشير إلى السرعة التي يرتفع بها السكر في الدم مقارنة مع الجلوكوز الصافي. الأغذية التي تحتوي على مستوى مرتفع من مكون السكر ترفع جميع أنواع السكر في الجسم معا ودفعة واحدة.

ولقد قدم جيبسون وجبات إفطار لمتطوعين فيها مستويات متباينة من مكون السكر بينما بقي آخرون بالجوع . ومن ثم أعطى كل مجموعة قوائم بكلمات لحفظها عن ظهر قلب واختبرهم فيما إذا كان بوسعهم التذكر بعد رؤية الكلمات على الفور وبعد فترة وجيزة.

بعكس الفكرة السائدة القائلة بضرورة تناول الكثير من السكر، كشفت الاختبارات النقاب عن أن الأفضل للذاكرة هو الأغذية التي تحتوي على مستويات منخفضة من مكون السكر والموجودة في هذه الحالة في أنواع الحبوب التي تقدم على شكل ما يعرف باسم «سيريال».

المدهش في الأمر هو أن أفقر أنواع الوقود الدماغي هو الذي يحتوي على معدلات مرتفعة من مكون السكر مثل حبوب الإفطار المكونة من الشوكولاته والتي كانت من ضمن العناصر التي استخدمها جيبسون في اختباراته أو الكتل المكونة من الدقيق، وهو يؤكد أنه «في كلا الحالتين كان من الأفضل عدم تناول أي وجبة إفطار، لكن النتيجة الأفضل جاءت عن طريق مكونات تحتوي على معدلات منخفضة من مكون السكر».

يبدو أن هذا الطرح ينطوي على نوع من التناقض الظاهري، حيث يحتاج الدماغ إلى الجلوكوز حتى يعمل إلا أنه يفضل، مع ذلك، الانطلاق البطيء على الانطلاق السريع. ويعتقد جيبسون أن تفسير هذه النتائج يكمن في هرمون الكولسترول الذي ينتج نفسه ردا على التوتر على غرار ما يحصل للطلاب في قاعة الامتحان، أو عندما يتم فحصه، في هذه الحالة، على يد علماء النفس.

ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «لا ناسيون»