يتابع المؤلف هنا استعراض تطورات خلفيات وأسرار الترتيبات الأميركية البريطانية لغزو العراق وفق السياق الذي يقدمه كامبل في مذكراته. مع التركيز على اللقاءات المشتركة بين الجانبين والمحادثات التي تمت بين ممثليهما لوضع سياسات وخطط الغزو محل التنفيذ. يشير كامبل إلى أنه في هذا الخصوص عقد هو نفسه اجتماعا مع عدد من المسؤولين الآخرين لبحث كيفية إخراج المسألة ومن بينها قضية أسلحة الدمار الشامل وكان من بين الحاضرين جون سكارليت رئيس اللجنة المشتركة لأجهزة الاستخبارات والأمن المكلفة الرقابة البرلمانية على أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.

ثم عقد اجتماع آخر شارك فيه بلير مع عدد من المسؤولين الأميركيين وكان الإنطباع خلاله أن الولايات المتحدة قد اتخذت قرارها بالغزو، حيث راح ستيف هادلي يشير خلال الإجتماع إلى أنه ليست هناك حاجة إلى قرار آخر بشأن العراق، وهنا كان سؤال بلير عما إذا كان العراقيون سيرحبون بالغزو أم لا؟ غير أن جاك سترو أشار إلى أن النظام سوف يتمتع بالشعبية إلى أن تأتي لحظة السقوط وأنه بمجرد أن يحدث ذلك سيجري الترحيب. لقد كانت كل الإشارات من واشنطن تشير إلى اعتزامها خوض الحرب، ومن ذلك حسبما يشير كامبل تصريحات بوش التي راح خلالها يشير إلى أنه يجب على الولايات المتحدة أن تصدر المعركة إلى العدو لا أن تنتظر لكي يأتي بها اليها. وقد عرض جاك سترو للعقبات أو المشاكل السياسية التي تعترض عملية الغزو.هنا راح جاك سترو يشير إلى أن هناك أربع قوة تمثل تهديدا لجهة امتلاك أسلحة دمار شامل وهى إيران وكوريا وليبيا والعراق. مضيفا أن العراق ليست لديه أسلحة نووية وأن ما لديه قدرات هجومية بأسلحة دمار شامل. متسائلا هل المسألة مسألة تغيير نظام أم أسلحة دمار شامل؟

في معرض الرد أكد بلير على أنه يجب أن نكون مع الأميركيين. وإن كان المؤلف لا ينفي أن بلير كان لديه قدر من القلق بشأن البرلمان والرأي العام غير أنه عندما أشار جاك إلى أفضلية عدم الذهاب مع الأميركيين راح بلير يعارضه قائلا أن ذلك سيكون أكبر تحول في سياسة بريطانيا على مدى الخمسين عاما الماضية، مضيفا أنه لا يرى في ذلك ما يمكن اعتباره موقفا حكيما.

هنا أشار جيوف وزير الدفاع إلى أن الأميركيين أشاروا بوضوح إلى أنهم لديهم التبرير القانوني لموقفهم تجاه العراق. على ذلك أشار بلير إلى أنه يريد بشكل أساسي أن يرى إمكانية تنفيذ الخطة عسكريا ثم ثانيا وبنفس المقدار الإستراتيجية السياسية. فقال جاك أننا ربما نستطيع الحصول على انذار نهائي من الأمم المتحدة غير ان المشكلة أن الأميركيين ربما حسموا أمرهم في هذا الشأن لجهة رفض سلوك هذا الطريق. هنا أنهى بلير اللقاء بالإشارة إلى ما يراه من أن تغيير النظام في العراق إنما يعد خطوة أساسية على طريق التعاطي مع قضية أسلحة الدمار الشامل.

وفيما بدا محاولة أخيرة من بلير لإقناع مجلس الوزراء بمواقفه راح يؤكد على أن الولايات المتحدة يمكنها أن تذهب بمفردها في مشروعها ضد العراق، مضيفا أنه ربما هناك من بين أعضاء الإدارة الأميركية من يريدون ذلك ليس من بينهم بوش،. غير أن كامبل يلخص كل ما دار وهو يعبر حسبما نرى أفضل تعبير عن الصراع الذي خاضه بلير لتسويق موقفه بأنه يرى أن بلير استطاع أن يكسب مجلس الوزراء بسهولة أكثر من الرأي العام.

على جبهة بلير نفسه كان يساوره قدر من القلق بشأن المواقف الأميركية وكان يتمنى حسب كامبل أن تعزز الولايات المتحدة موقفه بتقديم رسالة مقبولة إلى المجتمع الدولي بشأن العراق، كما كان يشعر بقدر من القلق تجاه مواقف اليمين المحافظ.

بوتين ودائرة الخطر

في إطار جولاته زار بلير روسيا حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين وهناك جرى حديث بشأن العراق، ولكن يبدو أن الطرفين لم يلتقيا تماما على أرضية واحدة، حيث يبدو أن إهتمامات أو مصادر قلق بوتين كانت مختلفة، حيث أخذ خلال اللقاء يسأل بلير عما إذا كان يعتقد بحق أن العراق أكثر خطرا من المتشددين الأصوليين؟ وقد كانت إجابة بلير: بالطبع لا.

من الغريب هنا ويبعث على التساؤل بشأن حقيقة أبعاد موقف بلير ومدى تطابقها مع المواقف الأميركية أو حتى تجاوزها أنه إثر تفجيرات بالي في أندونيسيا في 12 اكتوبر والتي راح ضحيتها أكثر من 202 شخص تصاعد مرة أخرى الحديث عن الإرهاب. يذكر كامبل السؤال الذي كان يفرض نفسه هو كيف يمكن التعامل مع الإرهاب، وفي الوقت ذاته التعامل مع العراق؟ ويجيب أنه بالنسبة لبلير كان العراق والإرهاب وجهان لعملة واحدة.

ومرة أخرى تتجاوز آراء وأفكار بلير الحقيقة إلى الحد الذي قد يدع مجالا للبعض للقول انه تم إجراء عملية غسيل مخ له أميركيا، فربط النظام العراقي بالإرهاب تهمة زائفة ويعلم ذلك مروجيها أكثر من الآخرين وهم فريق الإدارة الأميركية.

وعلى رأسهم تشيني ورامسفيلد وقد تم الكشف عن ذلك في مختلف الكتابات الأميركية وغير الأميركية التي تناولت مواقف إدارة بوش من القضية العراقية ومساعي إسقاط صدام حسين عقب أحداث سبتمبر. واذا كان سيناريو الأمر جرى على مستوى الإدارة الأميركية مع إدراك أن تلك تهم إنما يتم سوقها لتبرير المواقف أمام الرأي العام فإنه قد يبدو من الغريب أن تكون تلك قناعات بلير على النحو الذي يقدمه كامبل.

هنا فإنه رغم كل الجدل السابق فإننا من سياق المذكرات يمكن أن نلحظ أن الإستعدادات والتحركات العسكرية كانت تتم على قدم وساق وفي الوقت ذاته الذي يجرى فيه الجدل الدولي والداخلي في بريطانيا بشأن اعتماد قرار ثان من الأمم المتحدة بشأن الموقف من النظام العراقي. وهو ما يفرض التساؤل هل كان كل ذلك مجرد تمويه ما يعني تعزيز الفرضية التي طرحها الكثيرون بأن غزو العراق كان سيتم في أي الأحوال، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سير في طريقين وأنه في حال فشل الأول وهو إجبار صدام على الرضوخ فإنه سيتم اللجوء إلى الخيار العسكري.

صراع الديكة

عودة إلى ما يمكن اعتباره صراع الديكة بين بلير وشورت فوسط احتدام المناقشات ثانية بشأن هذه الإستعدادات راحت شورت توجه حديثا قاسيا إلى بلير بشأن البؤس الذي يعيشه الفلسطينيون فيما هو لا يقدم لهم شئ على حين يبذل كل جهده لإسقاط صدام. هنا راح بلير يؤكد أنه يبذل جهودا كبيرة للضغط على الولايات المتحدة في هذا الصدد غير أنها أشارت ساخرة إلى أن ذلك قد لا يكون حقيقيا. في معرض تفسير مواقف شورت وصفت إحدى عضوات فريق بلير ـ هيلاري أرمسترونج ـ ذلك بأنها تسعى إلى الظهور لكى تتولى نائب جوردون براون وأنها شخصية غير منطقية، فيما راح البعض الأخر ـ ملبورن ـ يذكر لكامبل أن الناس قد بلغوا مرحلة السأم من تسامح بلير مع «شورت» مضيفا أنها تتكلم في أي شئ.

تتواصل الأحداث وتعقد قمة الناتو في آواخر نوفمبر 2002 ويبدي بوش خلالها موقفا بالغ التشدد تجاه العراق مشيرا إلى ضرورة الوصول إلى إدانة دولية قوية والإصرار على عمليات تفتيش غير مسبوقة بما يفقد صدام توازنه. وفيما يكشف عن حالة التربص الأميركية بصدام وإصرار واشنطن على إسقاطه بكافة السبل يشير كامبل إلى أن بوش في هذه الأثناء راح يشير إلى أنه بمجرد تلقي إشارة بأن صدام لم يلتزم أو ينصاع فإنه يجب على الفور القيام بعمل عسكري ضده واذا تدخل هانز بليكس في هذه المرحلة ـ القيام بالعمليات العسكرية ـ فإننا سوف نتعامل معه على النحو الذي نراه معتبرا أن الأمر لن يكون في هذه المرحلة شأن بليكس وإنما يعود إلى «تقديرنا»!

وهنا يعلق كامبل بأن بوش بدا أنه لا يهمه أمر بليكس. وقد بدا الرئيس الأميركي في ذلك الموقف بالغ الحدة حتى مع بلير. فحين قال هذا الأخير أنه يشعر أنه يوجد لصدام فرصة بنسبة عشرين في المائة للتعاون فإن بوش استنكر هذا القول قائلا أنه لا يعرف ما هو المقصود بالتعاون؟

لم يجد بلير سوى التعبير عن اعتقاده بأن نظام صدام سينهار بسرعة وهنا صدق بوش على حديثه مضيفا: في هذه الحالة فإن أجهزتنا الإستخبارية يجب أن تعمل على التعجيل بهذا الأمر. وفي إشارة إلى رؤيته بشأن هذا الحوار يعود كامبل ليشير إلى أن بوش كان يتصور أن صدام جعل بليكس والأمم المتحدة يظهران بمظهر الحمقى وأنه كان يرى ـ بوش ـ أنه في حالة التخلص من صدام فإنه يمكن في هذه الحالة تحقيق تقدم بشأن قضية الشرق الأوسط.

التلويح بالسلام الأوسطي

لعل هذا السياق يكشف عن حقيقة استغلال الإدارة الأميركية لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي كمجال لإبتزاز العرب من ناحية وكمجال للخداع من ناحية أخرى.

وفي هذا الصدد فإن العودة بالذاكرة إلى حرب الخليج الثانية تشير إلى أن النغمة التي أخذت واشنطن ترددها على لسان إدارة بوش الأب تمثلت في أن السلام في الشرق الأوسط سيأخذ مجراه بمجرد تحرير الكويت، غير ان ذلك لم يتحقق وحفظا لماء الوجه فقد تم عقد مؤتمر مدريد للسلام والذي اعتبر حلقة من حلقات تطويع المواقف العربية لجهة التلاقي مع الأطروحات الإسرائيلية ولم يسفر المؤتمر عن تقدم حقيقي على صعيد العملية السلمية وعزز من تقويض نتائجه المحادثات السرية التي كانت تجري فصولها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى المنوال نفسه (وما أشبه الليلة بالبارحة) فقد راح بوش الابن هذه المرة يعزف على النغمة ذاتها المتعلقة بالسلام في الشرق الأوسط والآن وبعد نحو أربعة سنوات على عملية الغزو تراجعت العملية وحققت إسرائيل خروقات عديدة بفضل المساندة الأميركية لها وآخرها صفقة المساعدات العسكرية التي تتجاوز الـ 30 مليار دولار أميركي.

واذا كان بوش يبدي لبلير دهشته للفظ تعاون صدام متسائلا أي تعاون فإن المرء لا يملك سوى أن يبدي دهشته للفظ التقدم على صعيد السلام ويتساءل أي سلام ذلك الذي يقصده بوش؟

في 15 يناير 2003 عقد اجتماع بريطاني على مستوى عال وخلاله عرضت التوقعات بأن يعلن بوش قراره بشأن العراق في منتصف فبراير وراح المسؤولون العسكريون يعرضون تفاصيل العمليات التي جرت بالفعل فيما بعد خلال فترة الحرب وأن العملية سوف يطلق عليها الصدمة والرعب وأنها ستقوم على أساس خروج مئات الطائرات في طلعات تهدف إلى تدمير البنية التحتية للعراق وتقويض أسس نظام صدام.

وقد جرى خلال الإجتماع بحث وضع القوات البريطانية وقد كان المقدر أن نحو 42 ألف جندي بريطاني سيشاركون في العمليات إلى جانب نحو 300 ألف من الجانب الأميركي. وتم خلال الإجتماع استعراض خطط الإستيلاء على حقول النفط تحسبا لقيام صدام بإشعال النار فيها ما يؤدي إلى أزمة عالمية تهز أسواق النفط العالمية.

وهنا تساءل بلير عما إذا كان صدام يمكنه استخدام الأسلحة الكيماوية أما لا؟ وكانت الإجابة بالنفي باعتبار أنه جرى دفنها ما يحول دون استخدامها بسرعة، غير أنه رغم ذلك فقد كان هذا الإعتقاد وراء إصرار تومي فرانكس على استخدام القوة الكاسحة للحيلولة دون لجوء صدام إلى هذا الخيار.

كانت الخطط العسكرية جاهزة تماما خلال يناير وكان هناك تصور كامل لما سيتم خلال عملية الغزو. غير أن كامبل يتساءل ببراءة مشيرا إلى أنه لم يكن واضحا ما إذا كانت السياسة ستتيح لهذه الخطط أن تجد طريقها إلى النور أم لا؟ وهو تساؤل يبدو غريبا في ضوء كل المؤشرات التي كانت تكشف عن الخطط ستلقى طريقها إلى أرض الواقع بغض النظر عن أية تطورات على الأقل وفق الطروحات التي تم الإشارة اليها بشأن موقف بوش في السطور السابقة.

ومرة أخرى يخرج علينا بلير برؤاه العدائية للعراق مستعجلا حصاد العمليات العسكرية مضيفا أنه يجب من الآن الإغداد لمرحلة ما بعد سقوط صدام؟ واذا كان ذلك قد يبدو منطقيا بغض النظر عن موقفنا من الغزو إلا أنه يبدو أن الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا لم يخفقا بقدر إخفاقهما في تحديد طبيعة هذه المرحلة.. ما بعد الغزو وسقوط صدام.. غير أن كامبل يشير إلى أن عناصر الإستخبارات وبعض مسؤولي الدفاع راحوا يحذرون من إقدام صدام على استخدام أسلحة دمار شامل وأنه سيكون هناك خسائر مدنية وكذلك خسائر في صفوف.

لقاءات ماراثونية

انتهى الإجتماع بنتيجة مؤداها أن الأميركيين قد اتخذوا قرارهم فيما بدا بلير عصبيا إلى حد ما على وقع فكرة أنه سيكون هناك خسائر بين العسكريين البريطانيين من ناحية ومن ناحية ثانية لجهة احتمال وقوع خسائر كبيرة بين المدنيين. ما يكشف عن أن هذا الجانب المتعلق بالضحايا المدنيين كان في بال المخططين للحرب دون أن يتم إيلاء أهمية كبرى له.

في 16 يناير اجتمع مجلس الوزراء البريطاني وخلاله راح بلير يعرض تطورات الموقف مشيرا إلى أن الروس أكثر قربا من الأميركيين مما قد يبدو في العلن، فيما أن الفرنسيين يأملون في أن لا يصبحوا خارج الصورة. فيما كان جاك سترو على يقين بشأن موقف مجلس الأمن والحصول على قرار منه يتوافق مع الموقف البريطاني الأميركي مذكرا بما ذهب إليه الكثيرون بشأن القرار الأول وأنه رغم ذلك صدر.

وخلال هذا الإجتماع الذي ساده قدر من التوافق بين المشاركين فيه بما فيهم روبين كوك فإن بلير أشار إلى ضرورة العمل على ثلاث جبهات الأولى تتعلق بما يمكن تقديمه للشعب العراقي، ومن ذلك على سبيل المثال التأكيد على وحدة أراضي العراق، ورفع العقوبات، ومستقبل مزدهر، وثانيا ما بعد الحرب ودور الأمم المتحدة في ذلك الصدد، وثالثا الأخطار غير المتوقعة وبشكل خاص تلك المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل التي يمكن استخدامها في مواجهة القوات الأميركية البريطانية.

ويبدو بلير هنا حالما إلى حد كبير، أو أنه لا يتسم بالواقعية السياسية أو تناسى الوضعية التي مثلها بالنسبة للأميركيين والتي شبهها البعض في بريطانيا ومن المقربين منه بأنه أشبه بالكلب الوفي لإدارة بوش، فمن ناحية فإن الغزو لم يقدم سوى الدمار للعراقيين كما أنه كان خطوة على طريق تفكك محتمل بدت ملامحه في الأفق .

وقد يحدث بين لحظة وأخرى ومن ناحية ثانية فإن المستقبل العراقي مظلم في ضوء قراءة موضوعية للواقع الماثل أمامنا الآن. أما على صعيد ما بعد الحرب فلم تسد سوى الفوضى كما أن الحديث عن دور للأمم المتحدة لم يكن سوى وهما حيث إنفردت الولايات المتحدة بمقدرات العراق ولم تفكر في الإستعانة بالمنظمة الدولية سوى بعد أن أفلتت الأمور من بين يديها مؤخرا فكان الحديث عن توسيع الدور الأممي هناك. أما على صعيد أسلحة الدمار الشامل فقد ثبت كما أشرنا أنها لم تكن سوى أكذوبة ينبغي أن يتحمل مسؤوليتها من قام بالغزو.

ظهور المعارضة الشعبية

لم تمر الأمور بسلام كما توقع المخططون للحرب فقد بدأ يتنامى المزاج الرافض للحرب وسط الرأي العام. وفي ذلك حذرت سالي إحدى أعضاء فريق بلير من أنه إذا لم يأخذ تلك المعارضة بالجدية اللازمة فإنها قد تمثل نهايته.

ورغم ذلك فقد كان موقف بلير هو أننا من الصعب أن ننفصل عن الولايات المتحدة ما لم يكن هناك سببا منطقيا. وعلى هذا فإن همه، حسبما يقول كامبل، كان التأكيد لمجلس الوزراء على مدى أهمية البقاء مع الأميركيين وإن طرح ما يمكن تسميته بدبلوماسية اللحظة الأخيرة وأخذ يمتدح ما وصفه بقوة بوش في مواجهة صدام وإجباره على القبول بعمليات التفتيش، غير أنه اعترف في ذات الوقت بأن موقفه ذاك لم يحظ بالمساندة ليس في بريطانيا بشكل عام فقط وإنما حتى على مستوى مجلس الوزراء الذي يرأسه.

قرار الحرب

أما عن الأجواء العامة التي واكبت اتخاذ بلير لقراره بالمشاركة في الحرب العدوانية ضد العراق إلى جانب الولايات المتحدة عام 2003، كتب كامبل يقول: «داونينغ استريت، يوم الاثنين 17 مارس، توني بلير يدعو حكومته للاجتماع، في مرحلة حاسمة من فترة انتدابه كرئيس للوزراء، جميع الوزراء كانوا حاضرين..

ودون سابق إنذار يعلن توني بلير أمام أعضاء الحكومة أن بريطانيا قررت الدخول في الحرب ضد العراق إلى جانب الولايات المتحدة » الجو العام للاجتماع كان عاصفا، » كل واحد منا حسب اعتقادي - يقول كامبل ـ قد أحس بلحظات من الشك العميق، لكنه ـ يعني بلير ـ لم يشعر بذلك.. وإن كان لديه ذلك الشعور فقد كتمه عنا«.

ويشير كامبل إلى أن نائب رئيس الحكومة «جون بريسكوت» ووزراء آخرون كان يبدو عليهم المرض ـ ربما من هول المفاجأة! بينما أعلن العضو القوي في الحكومة «جون ريد» الذي كان آنذاك رئيس الحزب «إعلموا أننا سنتعرض للمساءلة من قبل العراق الجديد الذي سيأتي بعد صدام، وسنتعرض للمساءلة من قبل الشرق الأوسط كذلك». عضو آخر في حكومة توني بلير عبر عن الأسف من أنه كان بالإمكان استصدار قرار جديد من الأمم المتحدة، لولا إصرار فرنسا على إفشال ذلك.

ويشير كامبل إلى المعارضة الشديدة التي لقيها بلير كذلك من وزير الخارجية كوك الراحل، والذي كان قد استقال من منصبه، وزعامته لمجلس العموم عام 2003، احتجاجا على قرار شن الحرب على العراق، كان أيضاً قد استمات لإقناع بلير بالتراجع عما يمليه عليه بوش، وأنه قال له إنه من الأفضل لبريطانيا أن تعمل على إحلال السلام في الشرق الأوسط، وخاصة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بدلاً من شن حرب على العراق، وأن كوك استمر على موقفه حتى بعد تقديم استقالته من منصبه وراح يمارس الضغط على بلير من داخل البرلمان كرئيس لكتلة حزب العمال!.

ويؤكد على الموقف الذي اتخذته كلير شورت وزيرة التنمية الدولية التي استقالت من حكومة بلير رافضة لموقفه من الحرب على العراق ناقلا عنها قولها لمجلس الوزراء: «لست مستعدة للمشاركة في صراع الليلة» مضيفة: «سنحاكم من قبل الشعب العراقي والشرق الأوسط لإطاحتنا بصدام حسين».

وفي اليوم التالي 18 مارس 2003، دعا بلير أعضاء حكومته ليشكرهم بعدما فازت الحكومة بالتصويت لصالح غزو العراق بعد نقاش حاد وطويل في مجلس العموم، رغم اهتياج 139 من نواب حزب العمال ضد قرار الغزو.

وقد صف كامبل في مذكراته حال توني بلير حينها قائلاً «كان أداؤه اليوم ممتازاً. أظن أننا جميعاً واجهتنا مشاعر تردد قوية لكنه لم يواجه ذلك، أو أنه استطاع إخفاء مشاعره عنا. والآن لا نستطيع التراجع عن القرار». لتبدأ عملية الغزو التي ما زالت تداعياتها السلبية ماثلة أمام أذهاننا وأنتهت بالإطاحة ببلير سلميا من مقعده كرئيس للوزراء.

أما وعود الثراء التي كان بلير يزفها للعراقيين خلال تحضيرات ما قبل الغزو فقد تحولت إلى كابوس، فالعراقيون لم يتحولوا إلى أغنياء اثر التخلص من صدام، وإنما على العكس إزدادت أحوالهم سوءا وأصبحوا يعيشون حالة من افتقاد الأمن وسط مؤشرات على تفكك الدولة العراقية ذاتها حتى أن البعض ومنهم كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة السابق راح يشير في تصريح له إلى أن أوضاع العراق في عهد صدام كانت أفضل مما هي عليه الآن.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق