بالنسبة لشخص غير سياسي يتبجح نظراؤه المتملقون بأنه قريب من نبض الشارع أكثر من أي شخص من منافسيه، يدل قرار بنازير بوتو المتعلق بالتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الباكستاني الذي يرتدي البزة العسكرية على عكس ذلك تماما. فهي خارج الموجة بشكل محزن، بينما الجنرال مشرف فاقد للشعبية بشكل عميق الآن. وخط الخلاص المطروح على طريقة بنازير الطنانة يمكن أن تغرقها مع مشرف.

إن مسألة جهلها العميق بكل شيء تكشفت منذ بضعة أيام خلت عندما أعلنت أن قرارها «مقر من قبل المجتمع الدولي» ـ وهذه عبارة أساسية تطلق دائما للإشارة إلى واشنطن- والجيش الباكستاني. باختصار، الرأي العام الباكستاني غائب عن هذا المشهد.

مزاج الشارع ـ أنا الآن في لاهور ـ توجزه نكتة بذيئة تسخر من حزب الشعب الباكستاني ـ الذي أسسه ذو الفقار علي بوتو ـ، لكن هذا جائر نوعا ما ويمكن تطبيقه على سائر الأحزاب الإسلامية أيضا. الواقع هو أن الناس سئموا من السياسة ويرون السياسيين على أنهم أشخاص لا يستحون ولا يريدون سوى مراكمة الأموال وتغذية جشع الشبكات التي يرعونها و تستخدم كرصيد مفيد للأصوات.

لكن كان يجب القبول بأن تقارب بنازير بوتو من مشرف لم يأت نتيجة إلهام مفاجئ،إذ يوجد هنا استمرارية ملتوية. فعندما استولى الجنرال على السلطة في عام 1999 وأطاح بشريف وشقيقه (خصما بنازير البارزان)، رحبت هي بالانقلاب العسكري وتجددت الآمال بموقع وزاري. لكن سرعان ما تبخرت تلك الآمال، فقد اتهمها العسكريون هي وزوجها بأنهما دساسان وفاسدان. والدليل كان دامغاً، فقررت البقاء في المنفى.

في مارس الماضي، عندما قام مشرف بخلع افتخار حسين شودري من منصبه، فإنه عاد بخفي حنين بصورة عقابية وغير منتظرة. عشرات الألوف من المحامين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإعادته فورا إلى منصبه.

وانضم إليهم ناشطون اجتماعيون وسياسيون من كافة التيارات السياسية تقريبا، والبلد الذي عادة ما ينظر إليه من الخارج بوصفه عرين المتشددين الملتحين بات قاب قوسين أو أدنى من تغيير في السلطة وأصبح على حين غرة شاهدا على نضال دستوري مدهش لا علاقة له البتة بالدين. وحتى المتهكمين وجدوا أنفسهم مجبرين على الاعتراف بأن المحامين يصرون على فصل واضح للسلطات.

أما استخدام القوة من قبل أنصار مشرف في كراتشي الذين فتحوا النار وقتلوا متظاهرين مسالمين، فلقد ولد ردة فعل ضد النظام. والمحكمة العليا صوتت بالإجماع لصالح إعادة رئيسها إلى منصبه .

وراحت عزلة الجنرال تزداد والسياسيون الذين يحيطون به ناشدوه إعلان حالة طوارئ أو حتى الإعلان عن القانون العرفي من جديد، لكن استنادا إلى الكثير من المصادر الباكستانية فإن مجلس القادة قال ان العسكريين كانوا مشغولين جدا عند الحدود الغربية ولا يستطيعون مراقبة بقية البلاد، الأمر الذي كان عبارة عن طريقة جميلة للقول: «لا». وبعد أن أصبح هذا الطريق محاصرا، أصرت واشنطن على عقد اتفاق مع بوتو.

إدارة بوش، التي أشرفت على هذا الاتفاق، تجهل بصورة جوهرية عالم السياسة في باكستان، ذلك أن عزل الأخوين شريف عوضا عن ضمهما إلى «الحزمة العلمانية» سيقودهما إلى اتجاه آخر. في حين يقدم نواز شريف نفسه على انه رجل مبادئ متناسيا أنه هو نفسه كان مسؤولاً عن مشاغبي «الرابطة الإسلامية» الذين هاجموا المحكمة العليا وضايقوا الصحافيين واحتجزوهم. هنا يصبح للذاكرة حياة قصيرة ومسألة أن شريف رفض التفاوض مع مشرف جعلته أكثر شعبية في البلاد.

إن الفكرة القائلة إن بوسع بوتو تحقيق نجاح أكبر من الجنرال في المفاوضات مع طالبان مثيرة للضحك، كما أكدت كارمن ناصر على صفحات مجلة «كومنت إس فري». فكلما زادت أعداد الضحايا بين الأبرياء في هجمات بالقنابل في أفغانستان وباكستان، زاد الدعم لطالبان. والناشطون باتوا يسيطرون الآن على تانك وأجزاء من سوات وشمال وجنوب وزيرستان ودير وكوهات في قلب باكستان. أما الحل فهو سياسي بامتياز وليس عسكرياً.

عن «ربليون»