أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية مؤخراً لقاء مع إياد علاوي رئيس الوزراء العراقي السابق ألقى فيه الضوء على الوضعية الراهنة لاستراتيجية إدارة بوش للعراق، وما أخفق الشعب العراقي في القيام به بنفسه، والمخاطر التي تشكلها الانقسامات العرقية والطائفية، وفيما يلي نص الحوار:
ـ قدم الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأميركية في العراق، مؤخراً تقريره إلى الكونغرس. ويبدو أنه اقترح تقليل مستويات القوات التي تمت زيادتها كجزء من استراتيجية «الزيادة» بدءاً من العام المقبل. ما تقويمك لهذا التحرك العسكري الأميركي الذي دام ستة أشهر في العراق؟
ـ زارني بترايوس في منزلي بعد هذا التحرك مباشرة. وسألته: «ما الذي ستفعله بعد انتهاء هذا التحرك؟ هل ستعود إلى أميركا؟ أجابني: «إن هذه مسؤوليتكم. فنحن هنا لإعداد الساحة لكم أيها الساسة. لم يكن الهدف من زيادة القوات هو حل المشكلات الأمنية جميعها للأبد. وكان الهدف يتمثل في إيجاد الظروف التي ستمكن الطبقات السياسية العراقية من بدء طريق المصالحة. ومن دون ذلك لن يكون هناك أي أمن.
ـ ما الذي قمتم به- أيها الساسة- في فترة الاستراحة القصيرة هذه؟
ـ اليوم، نحن بعيدون كل البعد عن المصالحة الوطنية. والتطهير العرقي والطائفي مستمر، لا سيما في وسط العراق وبغداد. وعمليات النزوح الجماعي وترحيل العراقيين يضع أبعاداً لم يتم رؤيتها منذ تأسيس العراق الحديث في العشرينات.
وأصبح اجتثاث البعث بمثابة تصفية حسابات مع الخصوم السياسيين. وليس هناك حل يلوح في الأفق، لكيفية التعامل مع أعضاء الجيش المنحل السابقين. إن مئات الألوف من الجنود يبقون في بيوتهم محرومين من حقوقهم، وبلا راتب.
ـ من ناحية أخرى، بوسع الجيش الأميركي أن يشير إلى وجود بعض التقدم، على سبيل المثال في محافظة الأنبار السنية، التي زارها الرئيس الأميركي جورج بوش مؤخراً، أو في بغداد.
ـ هذا صحيح، ولكن علينا أن نكون صريحين تماماً لأن الولايات المتحدة قدمت هذه التضحيات ولأن بترايوس والسفير الأميركي رايان كروكر أظهرا رضاهما. لدينا الآن عدد من الأزمات للتعامل معها والتي تتجاوز النواحي الأمنية الخالصة، ومؤيدو نظام صدام ليسوا وحدهم من تم تحييدهم سياسياً.
فالأمر نفسه ينطبق على السنة الذين يضغطون من أجل المصالحة، وعلى العلمانيين أمثالنا، وعلى من يستمع إلى مقتدى الصدر، ولأعضاء حزب الفضيلة الذي يتخذ من جنوب العراق مقراً له- يعني لملايين الشيعة المتدينين. كل هذه الجماعات محرومة سياسياً وبعضها يهاجم البعض الآخر الآن.
ـ تطالبون باستقالة رئيس الوزراء نوري المالكي. ولكن ما الذي سيحدث بعدئذ؟
ـ يجب تشكيل حكومة جديدة تجمع كل القوى السياسية لضمان عملية مصالحة وطنية. ولبدء الأمور، يجب أن يكون هناك عفو عام باستثناء الإرهابيين والمجرمين الخطرين فقط. يمكن لحكومة عراقية أن تقدم الأمن فقط في حال نزعت المؤسسات الدولية نفوذ الميليشيات العديدة وحلتها.
وسيعني هذا أن الجيش وحده الذي سيكون أكثر من 40% من عدد القوات الحالي منه بحاجة إلى أن يتم إحلال الجنود والضباط من الجيش القديم والمجندين الجدد محله. والأدوات المناسبة ضرورية لضمان الأمن. ويعني هذا قوة شرطة وجيشاً مخلصاً للدولة ـ وليس جماعة أو قبيلة عرقية محددة.
ـ ما هو الدور الذي سيلعبه الجيش الأميركي في هذا السيناريو؟
ـ بادئ ذي بدء، سيتعين عليهم حماية مثل هذا التحول. وبعدئذٍ، شيئاً فشيئاً، ينبغي على الأمم المتحدة، ومجموعة دول الثماني، ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن تبدأ بتولي مسؤولية الأمن في العراق. كنت أدافع عن مثل هذا التدويل منذ فترة طويلة. وكنت أبعث برسائل إلى الرئيس، ورئيس الوزراء البريطاني، جنباً إلى جنب مع قادة اليابان وألمانيا.
ـ كيف تفسر استمرار إدارة بوش في دعم نوري المالكي على الرغم من تزايد الانتقادات الموجهة إليه.
ـ سيتعين عليكم أن تطرحوا هذا السؤال على الرئيس بوش. من يمكنه أن يجادل بأن الحكومة العراقية هي حكومة ضعيفة ومضطربة إلى حد بعيد؟ وعلى الرغم من أنني شخصياً ليس لدي شيء أكنه ضد نوري المالكي إلا أن التناحر الطائفي الذي امتد على طول البلاد وعرضها سيحدث أثراً ضاراً دائماً.
ـ هل تود أنت نفسك أن تحل محل المالكي على رأس الحكومة؟
ـ إنني لست على استعداد لخدمة نظام طائفي وإذا كان بمقدورنا التوصل إلى تحقيق إجماع عريض وواضح على الوحدة الوطنية حيث لا يهم ما إذا كان الشخص كردياً أو عربياً أو سنياً أو شيعياً فإنني مستعد عندئذ لشغل أي منصب.
ـ ما الذي يمكنك عندئذ أن تعد به مؤيديك العلمانيين؟
ـ يتعين علينا بناء دولة تجد نفسها في وضع يتيح لها الدفاع عن الديمقراطية. ولا بد لمؤسسات هذه الدولة أن تتسع لكل العراقيين، في المدارس وفي الجامعات في قطاع أنشطة الأعمال ولكن الحكومة العراقية الجديدة سيتعين عليها أولاً أن تحكم بقوانين حالة الطوارئ وهي قوانين يتوافق عليها الجميع وليس كالقوانين الراهنة المناوئة للإرهاب والتي تستخدم لاضطهاد الأطراف غير المرضي عنها.
ـ يتهمك الناس بأنك كانت لديك صلات بالدول السنية المجاورة للعراق وبأن أجندة هذه الدول هي التي تحركك.
ـ إنني أتحدث بانتظام مع القيادة التركية التي تعد عنصراً حاسماً في المنطقة كما ألتقي بالعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز وبالرئيس المصري حسني مبارك وبقادة دول الخليج وهذا التحرك متعلق بالحفاظ على التوازن الإقليمي.
ـ كيف تأتى أن ينظر إليك على امتداد الشرق الأوسط باعتبارك رجلاً يعمل لصالح أجهزة المخابرات الغربية؟
ـ إنني لست كذلك. عندما كان صدام حسين في السلطة ساعدتنا دول قليلة حيث سمحت لنا مصر بإنشاء محطة إذاعية وسمحت لنا تركيا بالوصول إلى كردستان.
وقد أقر أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي بتلقي أموال من السي آي إيه ولكن السنة، والعلمانيين من أمثالي والأكراد، وجميعنا كنا جزء من المؤتمر الوطني. هناك شيء واحد ممنوع هذه الأيام في العراق وهو الحديث مع الرئيس حسني مبارك أو عدد من القادة العرب الآخرين. وإذا أتيت على ذكر كلمة عروبة فسوف يوجه إليك تهمة بأنك عميل لأجهزة المخابرات.
ترجمة: كوثر علي - عن «دير شبيغل»
