في يناير 2002، قامت الشرطة الإسرائيلية باعتقال الدكتور مصطفى البرغوثي في القدس الشرقية إثر مؤتمر صحافي. وعندما تم إطلاق سراحه، بعد أربع ساعات، رافقته جراح متنوعة ومتعددة وركبة معطلة بفعل ضربة من بندقية جندي إسرائيلي. إنه الثمن الذي دفعه البرغوثي في سبيل الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وهو الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، الحزب الذي يحاول مد الجسور بين حركتي حماس وفتح، وبين غزة والضفة الغربية.
وكان البروفيسور والسياسي الفلسطيني مصطفى البرغوثي أحد المحاضرين ضمن برنامج «دورة فلسطين»، التي أقيمت في إطار دورات جامعة «كومبلوتنسي» الصيفية في دير «الإسكوريال» في مدريد. نشرة الدورات الصيفية لجامعة «كومبلوتنسي» انتهزت فرصة وجود البرغوثي هناك وأجرت معه الحوار التالي:
ـ ما الذي يفترضه، بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إعلان كتائب شهداء الأقصى تخليها عن العنف؟
ـ كتائب شهداء الأقصى هي جزء من حركة فتح، وبالتالي فإنه ليس في الأمر أي شيء جديد. لكن وسائل الإعلام العالمية تشغل نفسها بأمور جانبية وأحداث هامشية على غرار إطلاق سراح 250 سجينا فلسطينيا كانوا على وشك إنهاء الأحكام الصادرة بحقهم بينما لا يزال 11 ألف آخرين يقبعون خلف قضبان السجون الإسرائيلية.
وهذه الحركات الجوفاء التي لا معنى لها تشكل جزءا لا يتجزأ من اللعبة الإسرائيلية المتبعة خلال السنوات الأربعين الاخيرة، مع فارق بسيط يتمثل في أن محمود عباس وقع في الفخ الآن. فالموضوعات الحقيقية الأساسية تكمن في الإجابة على الأسئلة التالية: هل ستنهي إسرائيل احتلالها؟ هل ستضع نقطة النهاية لنظامها العنصري؟ هل إسرائيل مستعدة لتناول موضوع اللاجئين المشتتين منذ 60 عاما؟
ـ ما هي الخطوة التالية التي ربما يتعين على حماس أن تقدم عليها؟
ـ التراجع عن أعمالها الأخيرة في غزة والتخلي عن الحلول العسكرية للصراع. فضلا عن أنه من أجل الخروج من الوضع الحالي، فإنه لا بد من التوصل إلى عقد اتفاق بين الحكومتين (حكومة غزة وحكومة الضفة الغربية) لإفساح الطريق أمام ظهور حكومة انتقالية تتولى الدعوة إلى انتخابات تشريعية ورئاسية.
ـ هل تعتبر أن الاتفاق بين حركة فتح وإسرائيل يسعى إلى شرذمة الفلسطينيين؟
ـ نعم، إنهم يحاولون إثارة الانقسام، لكن حالة الانقسام التي نعاني منها ليست بسبب إسرائيل فقط، فهناك جانب من الأسباب يكمن في الفلسطينيين أنفسهم وفي عجز قادتهم عن فهم مسألة أن الوحدة هي خير ما لدينا وأنه يتوجب علينا الحفاظ على نظامنا الديمقراطي وجعله فوق كل الاعتبارات.
إذ إن إسرائيل تحاول جاهدة تدمير فكرة الدولة الفلسطينية المتماسكة والتخلص من 5 ,1 مليون نسمة تحت ذريعة عدم وجود أي شريك يمكن التفاوض معه، ذلك أن عباس لا يمثل إلا جزءا واحدا من الشعب الفلسطيني. وليس صحيحا أن إسرائيل تحاول تقوية عباس على حساب حماس. فهي تحاول إضعاف فتح وحماس وكذلك نحن في المبادرة الوطنية الفلسطينية بهدف كسب الوقت بغية مواصلة إقامة المستوطنات وتشييد المساكن وبناء الجدار وفي المحصلة النهائية استنفاد إمكانية نشوء دولة فلسطينية.
ـ ما رأيكم في تعيين شمعون بيريز رئيسا جديدا لإسرائيل؟
ـ بيريز كان دائما السياسي الأكثر نفاقا في إسرائيل. ولقد ألحق الضرر أكثر من أي شخص آخر بهدف السلام بإخفائه الحقيقة عن العالم. وهو الذي حول إسرائيل إلى قوة نووية وعسكرية في حين كان يؤكد أنه يعمل من أجل السلام.
لكن إذا كان يعمل من أجل السلام حقا، فلماذا لم يضع اتفاقيات أوسلو موضع التطبيق؟ لماذا ارتد إلى المعارضة القديمة لعرفات ووضعه في مواجهة مع العالم بغية مفاقمة وضع القضية الفلسطينية من خلال نزع الصبغة الشرعية والإنسانية عنها؟
ـ تم خلال هذه الدورات تقديم بيان لمثقفين يطالب بالاعتراف بدولة فلسطينية واحدة.. هل وقعتم على ذلك البيان؟
ـ ما نريده هو استعادة حريتنا من الاحتلال ومن النظام العنصري. ويجب ألا نقع بمزيد من المصائد. وأنا أتفق مع حل قائم على دولتين إذا كانت إسرائيل على استعداد وبدون شروط لإنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، بالإضافة إلى إبداء استعدادها لحل موضوع اللاجئين.
إذا لم تسير الأمور على هذا النحو، فإنه لن يتبق حل آخر غير حل الدولة الواحدة. وأنا كنت لأوافق عليها طالما أنها دولة ديمقراطية قائمة على المساواة في الحقوق والفرص. فبعد 100 عام من النضال من أجل الحرية و60 عاماً من النضال لنيل الحقوق الأساسية، فإن حجر الزاوية في حل الصراع هو أن يكون الفلسطينيون مقبولين على أساس الحقوق نفسها التي يتمتع بها الإسرائيليون. ولن نرضى مطلقا بمواصلة كوننا عبيدا للاحتلال أو للنظام العنصري.
ـ لا بد وأنه من الصعب على المبادرة الوطنية الفلسطينية الحفاظ على مواقف وسيطة بين حماس وفتح؟
ـ ممكن، لأننا فعلنا ذلك سابقا، فلقد قمت شخصيا بالوساطة من أجل إقامة أول حكومة وحدة وطنية. ولقد حققنا نجاحا آنذاك، وسنحققه من جديد. الفلسطينيون بحاجة الآن وأكثر من أي وقت مضى إلى قيادة موحدة. لكن الأمر لا يتعلق هنا بالعمل من أجل الوحدة فحسب، وإنما بأن يقدم للناس خيارا آخر بين حماس وفتح أيضا. وكلما كان ذلك الخيار الثالث أقوى، ستكون مقدرتنا أكبر على تحقيق الوحدة.
ـ ما هو الدور الذي يجب أن يلعبه المجتمع الدولي في الوضع الحالي؟
ـ المجتمع الدولي، وخاصة أوروبا، ارتكب خطأ جسيما بإفشاله حكومة الوحدة الوطنية. فنحن ندرك أن الولايات المتحدة منحازة لإسرائيل وأنها تقف إلى جانبها دائما، لكن فاجأنا كثيرا ذلك الشلل الأوروبي.
حيث بقيت بلدان قوية مثل فرنسا واسبانيا وإيطاليا، التي دافعت دائما عن حكومة الوحدة الوطنية، رهينة هولندا وجمهورية التشيك. ويتعين على أوروبا استخلاص العبر وأن تكون قادرة، في المستقبل، على الحفاظ على موقف دولي مستقل. فذلك العمل كان عملا مخيبا جدا للآمال، لأن فشل تلك الحكومة جرنا إلى الأزمة الحالية.
ـ ما هي معلوماتكم عن الوضع الناجم عن حصار غزة ؟
ـ إنه وضع كارثة مدنية وإنسانية حقيقية. وذلك يشمل الناس في القطاع وخارجه، إذ أنه يشمل، على سبيل المثال، الآلاف من فلسطينيي غزة العالقين عند معبر رفح والذين لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم.
والناس يعيشون في غزة محرومين أصلا من المياه والكهرباء والمواد التموينية، ذلك أن الإسرائيليين لا يسمحون إلا بالفتات من أجل إبقاء الناس على قيد الحياة. قطاع غزة هو السجن الوحيد في العالم الذي يدفع فيه السجناء ثمن حبسهم. وأنا لا أعرف كيف للعالم أن يتعايش مع وجود هذا الوضع وكيف لم تحدث ردة فعل أقوى بكثير.
ترجمة : باسل أبو حمدة - عن «نشرة الدورات الصيفية»
