يمضي المؤلف في هذه الحلقة بالحديث عن اليسار الإسرائيلي والتقلبات الحاصلة على مستوى قياداته التي باتت تتنقل من حزب لآخر في ظل ضبابية الرؤية السياسية لعملية التسوية وتأثيرات الانتفاضة ومجمل مسيرة الكفاح الفلسطيني على عملية الحراك السياسي داخل إسرائيل، ويؤكد على ضرورة عدم الاعتماد على اليسار الإسرائيلي في تحقيق تغيير كبير في السياسة الإسرائيلية نظراً لقوة نفوذ اليمين الديني المتطرف في إسرائيل.

ومع ذلك يرى بدوان أنه قد يكون لليسار داخل دولة الكيان دور مستقبلي في دعم العملية السلمية القائمة على أساس الشرعية الدولية ولكن هذا الدور يبقى مرتبطاً بظروف داخلية وإقليمية وعالمية. ويختم المؤلف كتابه بالحديث عن الوضع الفلسطيني الراهن والخلافات داخل البيت الفلسطيني الواحد ليستشرف آفاق مستقبل عملية السلام مؤكداً على وجوب التزام الفلسطينيين بالوحدة الوطنية وتمسك العرب بمبادرتهم المنبثقة عن قمة بيروت في 2002 التي تتفق مع الشرعية الدولية من أجل إحقاق الحق وإنصاف الشعب الفلسطيني الذي عانى الكثير.تغيرت مواقع «اليسار الصهيوني» المحسوب كجزء من «اليسار الإسرائيلي» بشقيه العربي واليهودي، وتأرجحت الاصطفافات حتى على مستوى الأفراد أصحاب الحضور السياسي المعروفين بالأشخاص سريعي التقلب والتجوال من حزب إلى آخر إلى درجة اعتبر البعض هذا التجوال بمثابة سياحة سياسية بين الأحزاب. وكل هذه الاصطفافات لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها نتاجا للتحول والحراك داخل التجمع اليهودي على أرض فلسطين 1948 على خلفية اندلاع الانتفاضة والكفاح الفلسطيني والصراع الجاري في مجرى عملية تسوية مأزومة لا آفاق لها في ظل صيغتها الراهنة والمعادلات المختلة التي تحكم مسارها المتعثر.

بالإجمال، ومع أهمية ما يجري الآن من حركات وتطورات ملموسة في الشارع اليهودي داخل الدولة العبرية وداخل جيش الاحتلال وصفوف الانتلجنسيا الإسرائيلية لا يمكن التعويل على دور نافذ أو مؤثر لما يسمى «قوى اليسار الإسرائيلي» تجاه القيام بتحقيق نقلة كبيرة على صعيد إعادة النظر بصيغة العملية السياسية التسوية على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي وإعادة بنائها من جديد على أسس الشرعية الدولية. فاليمين الإسرائيلي بشقيه اليمين التوراتي، واليمين القومي مازالا يملكان رصيداً كبيراً داخل التجمع اليهودي وفق مقاييس استطلاعات الرأي العام، وبالمقابل فإن طيف اليسار الضيق يشهد داخل صفوفه تبايناً بشأن الموقف من قضايا التسوية النهائية مع الطرف الفلسطيني،.

وتحديداً بشأن حقوق اللاجئين الفلسطينيين. بالمقابل فإن الانتفاضة أعادت توحيد هذا اليسار على نقطة مفصلية عنوانها: ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما وراء خط 4 يونيو 1967 من الضفة والقدس الشرقية والقطاع.

الدور المستقبلي

إن الدور المستقبلي لما يسمى بـ «اليسار الإسرائيلي» بشقيه المكون من أحزاب اليسار الصهيوني والأحزاب المختلطة والعربية وإمكانيات تطور الموقف الإسرائيلي تجاه قضايا وعناوين التسوية مع الطرف الفلسطيني، وإمكانية الدفع نحو التماثل مع الشرعية الدولية يتوقف على عدة عوامل أبرزها:

1 ـ الدور المتعاظم للانتفاضة الفلسطينية والتحولات التي أحدثتها وتحدثها من وقائع داخل المجتمع الإسرائيلي بأسره. فاستمرار الانتفاضة ينقل الحركة السياسية والصراع إلى داخل الكيان الإسرائيلي ذاته، ويضع كل الفئات اليهودية أمام أسئلة جديدة فحواها: إن طريق الأمن والسلام لا يمكن أن تفتح دروبه دون الاستجابة الإسرائيلية لاستحقاقات الشرعية الدولية.

2 ـ مغادرة لغة ونهج المناشدات وتكتيك الاتكال في السياسات العربية واشتقاق مواقف عربية مبادرة وأكثر تماسكاً في دعم الشعب الفلسطيني.

إن الموقف الفلسطيني والعربي المتماسك بحدوده الدنيا، يعكس نفسه بالضرورة في دفع التيارات والكتل السياسية داخل إسرائيل لمناقشة ذاتها والاستجابة بدرجات أعلى مع قرارات الشرعية الدولية والمقاربة باتجاهها، وهو ما ينعش قوى الديمقراطية والسلام في إسرائيل ويعطيها المجال للنمو والتطور، والتجربة برهنت بأن الانصياع والقبول بمنطق الضغوط المتتالية والاستجابة لها، يفتح شهية العدوان والتوسع ويسهم في نمو قوى التطرف والإرهاب الإسرائيلية الصهيونية على حساب قوى الديمقراطية والسلام.

وعليه، لا يمكن لمعسكر «التسوية الإسرائيلي»، ومعسكر «تسوية الشرعية الدولية»، أن ينهض ويتطور طالما استمر مسلسل التداعيات في الحالة العربية، واستمرار التفكك الفلسطيني على مستوى القرار السياسي الأول. فوحدة الشارع الفلسطيني تؤدي إلى تفعيل وتطوير دور قطاعات الشارع الإسرائيلي المتطلعة إلى السلام.

كما أن ترميم وتطوير التضامن العربي الذي لمسناه في قمة بيروت وفق برنامج يستجيب للمصالح المشتركة بين الدول العربية يؤدي بدوره إلى تفاعلات كبرى داخل إسرائيل، ولنتذكر المقاومة المسلحة والانتفاضة والتضامن العربي باعتبارها عوامل مؤثرة دفعت لتفعيل شارع السلام الإسرائيلي.

ولنتذكر كذلك كيف دفعت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى اليهود في فلسطين المحتلة عام 1948 للنزول إلى الشارع والتحرك للبحث عن حلول سلام مع الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره. مما ساعد أكثر فأكثر في إعادة وضع القضية الفلسطينية على جدول أعمال المجتمع الدولي بأسره كقضية أولى بامتياز.

إن تقديم الليكود بقيادة شارون صاحب الخطاب السياسي الفج والوقح، باعتباره مسؤولاً بشكل كامل عما وصلت إليه الأوضاع، تقدير بعيد عن الصواب وتقديم للمبررات بالرغم من أهمية الإقرار بأن شارون وائتلافه اليميني قدم البرنامج الحقيقي لدولة الاحتلال التوسعية الإسرائيلية، وأظهر بلا مواربة جوهر السياسات العدوانية.

لكن مع ذلك من الخطأ تبسيط الأمور وإعطاؤها تفسيراً ساذجاً، مسطحاً، على الرغم من وجود فارق بأوجه معينة بين الليكود والعمل وبين سياسة الليكود والعمل وبين برنامجيهما وأولوياتهما وبين خطابهما السياسي المقدم للشارع الإسرائيلي وللعالم بأسره.بالضرورة، هناك خطابان صهيونيان توسعيان، في التعاطي مع التسوية. يمثلان الكتلتين الأكبر في الكنيست.

لندقق في برنامجي حزبي الليكود والعمل فكلاهما يعلن بأن القدس الكبرى عاصمة أبدية موحدة لدولة «إسرائيل»، ولا عودة لحدود 4 يونيو 1967، ولا عودة لأي لاجئ واحد إلى داخل خط 1948، ونعم للاستيطان والتوسع، وهنا يقع التباين في حجم التوسع الذي يتراوح بين 50% من مساحة الضفة حسب خطة رابين/إيغال ألون، وبين 52%، 64% خطتي اسحق موردخاي وشارون وبينهما بنيامين نتنياهو. ويزيد على هذا شارون بمشروعه لدولة فلسطينية مقطعة الأوصال على 42 بالمئة من مساحة الضفة الفلسطينية مستثنى منها القدس الكبرى التي تشكل 22 بالمائة من مساحتها. وفق ما أعلن شارون أكثر من مرة خلال الأشهر التي انقضت.

وبالمحصلة، فإن الحديث عن وجود تيارات سلام ضعيفة داخل الدولة العبرية لا يعبر عن مراهنة أو تعليق للآمال على أكتاف هذه القوى لإنجاز سلام وتسوية الشرعية الدولية. فالمجتمع الإسرائيلي يتحرك الآن بأكثرية يمينية متطرفة تصب في طاحونة سياسات شارون وائتلاف الليكود ـ بن اليعازر.

ولكن الحديث عن هذه القوى ضروري من موقع تشخيص الحراكات التي تدب يومياً في صفوف المجتمع اليهودي على امتداد أرض فلسطين التاريخية، خاصة وأن هذا المجتمع يتأثر كتأثير الحرارة في زئبق ميزان الحرارة صعوداً وهبوطاً من التحولات المحيطة والداخلية، وفي المقدمة منها التحولات التي يصنعها الفلسطينيون في ظل انتفاضة الأقصى والاستقلال.

ومع هذا، فإن الخفوت الواضح في حضور قوى السلام الإسرائيلية، وتراجع دورها منذ انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية في 28/9/2000، يشكل علامة استفهام مابرحت تطرح نفسها منذ حين، خاصة وأن حضور هذه القوى عاد وانتعش قليلاً في مظاهرات وفعاليات قبل وأثناء حملة «السور الواقي»، إلا أن هذا الانتعاش لم يصل إلى الحدود التي تعبر عن الدور المفترض الذي يعكس حجم حضورها في المجتمع اليهودي والإسرائيلي بشكل عام.

كما برز في فترات ومحطات سابقة، أبرزها أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان صيف العام 1982 ونزول نصف مليون في مظاهرات حاشدة إلى ميدان ملوك إسرائيل وسط تل أبيب، ودعوة المتظاهرين حكومة مناحيم بيغن لسحب قوات الجيش الإسرائيلي من لبنان ووقف الحرب هناك. وتكرر الأمر في المظاهرة الثانية التي تلت وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا والمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق للتدقيق بمدى تورط قائد قوات الغزو أرييل شارون في وقوعها والمشاركة بها.

بيضة القبان

لعل في خفوت حضور قوى السلام الإسرائيلية أكثر من سبب مباشر، يقف على رأسها ما يتعلق بالتأرجحات والانتقالات المتواصلة في تكوين الاصطفاف داخل الخارطة الحزبية الإسرائيلية، والتماهي الذي أصاب العديد من القوى المذكورة، وتحديداً من مجموعة ميرتس مع تيارات يسار الوسط داخل حزب العمل، على خلفية السؤال الإسرائيلي الداخلي الذي يتكرر صداه داخل أحزاب وقوى المجتمع الإسرائيلي بتكوينه الثنائي (اليهودي والعربي) حول الموقف من استحقاقات عملية التسوية مع الطرف الفلسطيني والتكلفة المطلوبة إسرائيليا.

فضلاً عن السلوك المنفتح لشارون مع مجموعات الأحزاب الصغيرة ذات التلوين التوراتي واليميني المتطرف، وإشباعه لرغباتها، مما ولّد التجنّح المتزايد داخل الوسط اليهودي نحو اليمين والإيغال في التطرف وفق ما تشير إليه استطلاعات الرأي الإسرائيلية المنشورة على صفحات الجرائد العبرية، خاصة بعد وصول شارون إلى موقع القرار بأغلبية جيدة نسبياً في الحالة الإسرائيلية 65%، وتمكنه من تشكيل ائتلاف مريح غير مزعج غابت عنه أحزاب «بيضة القبان».

كما أن التداعي الذي تواصل فصولاً داخل حزب العمل الشريك الائتلافي الرئيسي لحزب كاديما برئاسة ايهود أولمرت، خدم الاتجاهات الصقرية داخل الدولة العبرية وزاد من حضورها، وأضعف من دور وحضور الجناح الحمائمي داخل الحزب ذاته. ولعب شيمون بيريز في خريف عمره السياسي، ومن موقعه التاريخي في حزب العمل (قبل مغادرته حزب العمل إلى حزب كاديما) والسياسة الإسرائيلية دوراً رئيسياً في تفتيت التكوين البراغماتي لعقلية الحزب وسياساته.

وتحويله إلى تابع تحت جناح سياسات شارون ومن ثم أولمرت مما أعطى الأخير المزيد من الشرعية الائتلافية في الكنيست الإسرائيلي أمام الرأي العام الداخلي في إسرائيل فضلاً عن الرأي العام العالمي وتحديداً في الغرب.

لذلك لم نسمع صوتاً جدياً داخل حزب العمل يحاول أن يوقف اندفاعات أولمرت والتلويح له بزعزعة استقرار حكومته بالانسحاب من الائتلاف الحكومي، اللهم سوى أصوات متحشرجة أطلقها الثلاثي: يوسي بيلين، حاييم رامون، شلومو بن عامي، لم تجد لها أذناً صاغية داخل الحزب، فانعطف يوسي بيلين بالانسحاب وتشكيل حزب جديد بالتحالف مع أقطاب ميرتس تحت عنوان «حزب ديمقراطي اشتراكي جديد». بينما استكان العضو العربي في الكنيست وقيادة الحزب نواف مصالحة وقدم استقالته، بعد أن كان الوزير العربي الأول في تاريخ دولة الاحتلال وعضو حزب العمل صالح طريف قد قدم استقالته من الوزارة.

إن حزب العمل الشريك الأساسي لشارون وأولمرت في الائتلاف الحكومي يتحمل مسؤولية أساسية في إجهاض التحولات الإيجابية الممكنة لصالح سلام الشرعية الدولية داخل الوسط اليهودي، فهو يمثل أكثر من ضرورة لاستقرار الوضع الحكومي الإسرائيلي، فلم تكن تستطيع كتلة شاس/ الكتلة الثالثة في الكنيست وذات ال17 نائباً أن تحمل مع شارون الائتلاف الحكومي في حال مغادرة حزب العمل. وعلى هذا الأساس فإن بيريز وبن اليعازر كانا شريكين عضويين لكل من شارون وأولمرت في سياساتهما الدموية ضد الفلسطينيين أولاً، وفي نسف عملية التسوية ثانياً وإعادتها إلى الدائرة الصفرية.

وفي معمعان التفاعل المتواصل داخل الدولة العبرية جراء الوقائع التي صنعتها الانتفاضة والنضال الوطني الفلسطيني، انتقلت اتجاهات إسرائيلية من التيار المسمى بالتيار «الحمائمي» للحديث مجدداً عن اللاجدوى في إحلال منطق القوة مع الفلسطينيين. ويمكن أن نلحظ مؤشرات قوية بهذا الاتجاه صدرت على شكل تصريحات من شخصيات إسرائيلية أبرزها ما ذكره العمالي شلومو بن عامي.

وزعيم كتلة ائتلاف ميرتس السابق يوسي سريد، ويوسي بيلين عن ضرورة حضور قوات دولية وتدويل الحل. وتعتبر التصريحات إياها تحولا جديدا لا يستهان به بدأ يطل بنفسه من داخل صفوف قطاعات حزبية إسرائيلية، بينما كانت فكرة جلب قوات دولية إلى فلسطين وتدويل الحل من المحرمات داخل الدولة العبرية. وهذا التطور الذي مازال في إرهاصاته الأولى ما كان ليحدث لولا الصمود الفلسطيني أمام جبروت القوة الإسرائيلية الطاغية وأمام الموقف الأميركي البعيد عن التوازن.

مرحلة نوعية

دخل النضال الفلسطيني مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية مرحلة نوعية جديدة، والفلسطينيون يرون أمامهم الطريق طويلة ووعرة، وعورة تضاريس خارطة الصراع في الشرق الأوسط، والمنطقة ملبدة بغيوم ضياع الرؤية السياسية مع تزايد انفلات الوضع في العراق.

حيث تتعثر كل يوم سكة «السلام» الذي بشرت به مسيرة أوسلو، وهو «السلام» الذي مازال سلاماً منقوصاً ومشوهاً، ودروبه معطلة وخارج سكة الشرعية الدولية، وهي السكة الوحيدة المؤهلة في هذه المرحلة التاريخية لإيصال التسوية إلى السلام الشامل المتوازن القائم على أساس الحلول الوسط، وهي الحلول التي يمكن لها أن تفتح الطريق، وأن تؤسس لحل تاريخي حقيقي وناجز يوفر العدل على ارض فلسطين التاريخية.

ويمضي الكفاح الفلسطيني، رغم الإطلالة المكفهرة في الأجواء المحيطة بالمعنى السياسي، وبالمعطيات الإسرائيلية الداخلية التي لا تحمل سوى تعاظم دور تيارات اليمين والتطرف الساعية لسحق الانتفاضة الفلسطينية بقوة البارود والنار، وفرض حلول الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع.

بينما يدفع الأميركيون لفرض خطتهم المعنونة تحت اسم «خارطة الطريق» العتيدة على الجبهة الفلسطينية، حيث ما تعرضه أقل بكثير مما اتفقت غالبية الفلسطينيين على اعتباره حلول الحد الأدنى في المرحلة التاريخية الراهنة وعلى أساس من قرارات الشرعية الدولية، بل واقل حتى مما اتفق عليه في اتفاقات أوسلو واستنساخاتها.

والاتجاه المرئي للأحداث يشير إلى أن التفاعلات على الأرض ستستمر على جبهة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لسنوات قادمة خاصة مع صمود تيارات التطرف داخل الدولة العبرية الصهيونية، وبحكم كون هذا المسار يشكل خلاصة لقضايا وعناوين الصراع الرئيسية في الشرق الأوسط، وهي عملية لا تحكمها الفهلوة والبراعة في التفاوض، بقدر ما تحكمها القدرة على إحداث تغييرات وتفعيلات في الأجواء وعلى الأرض وفي المحيطين الإقليمي (العربي) والعالمي، وقبل ذلك في الإطار الفلسطيني من خلال إعادة ترتيب الوضع الداخلي واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية المفتقدة منذ المشاركة الفلسطينية المجزوءة في مدريد مروراً باتفاقيات أوسلو.

إن تحدي المرحلة القادمة أمام حركة التحرر الوطنية الفلسطينية هو تحد بالغ الخطورة، وعميق الأثر على مستقبل الشعب الفلسطيني لسنوات طويلة قادمة، ويطرح عليها دوراً مرتقباً تتصدره جملة من المهام. فبين التصور الإسرائيلي (الأميركي) لحل يمكن أن يرسم وينجز على أساس تقسيم الأرض المحتلة عام 1967 وضم أكثر من نصفها إلى الدولة العبرية الإسرائيلية (58% حسب الاقتراحات الأخيرة المقدمة من شارون للحل الدائم) وإدامة التبعية الفلسطينية، اقتصادياً وأمنياً، لدولة الاحتلال، وبين الحل الذي يمكن أن يحوز على قبول غالبية كبيرة من الشعب الفلسطيني، أن لم تكن غالبية ساحقة، بون شاسع.

فالتحدي المطروح سيحسم الخيار بين مشروع المبادرة العربية التي أطلقتها قمة بيروت عام 2002، وبين حل ممسوخ ومقزم بطبعة أميركية وإسرائيلية لا علاقة لها بحلول الشرعية الدولية الحل الذي يؤسس لـ «كامب ديفيد 3». فالفلسطينيون والعرب في مبادرة بيروت 2002، يقدمون حلولاً واقعية تراعي المصالح والأهداف الوطنية في هذه المرحلة التاريخية مستنداً إلى الحل القائم على أساس المرجعية الدولية.

وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما في ذلك استحضار القرار 194 الخاص بحق اللاجئين في العودة

إن الانتفاضة والشعب الفلسطيني وكل قوى التحرر والصمود العربية أمام خارطة صهيونية متطرفة، يقودها عسكر وسياسيون إسرائيليون صهاينة من غلاة وعتاة اليمين وثعالب «اليسار المزور»، يمثلون بكل تشكيلاتهم الحزبية زبدة التطرف في الدولة الإسرائيلية، ولا زالوا مشبعين بروح العنجهية والتفوق والرغبة في كسر شوكة شعب الثورة الطويلة والانتفاضات المتلاحقة.

وبالمحصلة المنطقية، ليس معروضاً على الانتفاضة حتى الآن سوى حلول القوة الإسرائيلية على يد هذه النماذج من قادة الدولة العبرية ـ المرشحين المحصنين لقائمة الكنيست السادسة عشرة ـ وهي النماذج التي تختفي أمامها كل «الحمائم في الدولة العبرية» و«أدعياء السلام» ليصبح «الأمن» و«المصالح» الإسرائيلية الصهيونية هي المعيار والمقياس الوحيد لأي حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من منظور دولة الاحتلال، وتتساوى المعادلة بين «صقور وحمائم».

ومع هذا الجو والمناخ شديد التعقيد، فإن كل المؤشرات تذهب إلى القول بأن المطالب الوطنية الفلسطينية، أصبحت أمام لحظة حاسمة في ظل إجماع دولي على ضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني (قرارات مجلس الأمن 1402، 1403، 1397 القاضي بدولة فلسطين بجانب دولة إسرائيل)، والاستجابة لحقوقه الوطنية طبقاً لقرارات المرجعية الدولية. وكل هذا يؤهل الحركة الوطنية الفلسطينية أن تسمو إلى المكان الأول باعتبارها حركة تحرر وطني بامتياز تمثل أقدم حركة تحرر تحاول التخلص من آخر احتلال في العالم.

وعليه، فإن كفاح الشعب الفلسطيني يحمل تعبيراً متكاملاً يلخص فحوى الصراع الدائر في المرحلة الراهنة من أجل إقامة الدولة المستقلة التي بات قيامها يحظى كل يوم بالمزيد من التأييد والالتفاف الدولي. وعند القول بأن هذا المطلب أصبح ملحاً لتقرير حالة السلام في المنطقة لا يعني البتة بأن الدولة قد باتت في متناول اليد من جانب.

وأن طرح هذا الشعار بعيد المنال من جانب آخر. علينا أن نفحص ونقرر الأمور بمنطق جدلي يأخذ بعين الاعتبار أن وقائع الحياة متحركة، خاصة منها ما له علاقة بحقوق البشر الوطنية والحراكات السياسية والاجتماعية ونضالات الشعوب من أجل حقوقها الوطنية والقومية.