تتناول هذه الحلقة مفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة من منظور الأحزاب الإسرائيلية اليسارية واليمينية وكذلك تأثير الانتفاضة الفلسطينية الثانية على الخارطة السياسية داخل الكيان الصهيوني والتحولات التي أحدثتها في المجتمع الإسرائيلي لجهة الموقف من الممارسات الصهيونية البشعة بحق الشعب الفلسطيني والمطالبة بالانسحاب من الأراضي المحتلة وإنهاء الاحتلال.
ولقد تجلت هذه التحولات في رفض الخدمة العسكرية من قبل ضباط وجنود في الجيش الإسرائيلي واتساع نطاق المظاهرات الاحتجاجية ضد قمع الفلسطينيين وقيام نشطاء السلام بفعاليات عديدة تدعو إلى وقف الممارسات الإسرائيلية والعودة إلى مفاوضات السلام من أجل التوصل إلى تسوية دائمة للقضية. لكن بدوان يشير إلى أن قوى السلام لا تزال ضعيفة في إسرائيل وتأثيرها محدود#، فهي تنتمي في معظمها إلى اليسار الإسرائيلي، وهذا بدوره يعيش أزمة حادة ويتخبط في قراراته التي تبدو متناقضة في بعض الأحيان.يمكن القول إن هناك حالة من التوافق الآن بصدد ماهية الدولة الفلسطينية (حدودها، مساحتها، جيشها، حدود السيادة،) تدور بين معظم قادة العمل خاصة منهم زعيم تاريخي بوزن شيمون بيريز مع باقي أغلبية المعارضة الإسرائيلية.وهذه الدولة وفق مواصفات طيف حزب العمل و«اليسار الصهيوني العمالي» هي : (دولة فلسطينية على مساحات من قطاع غزة والضفة الغربية، مع اقتطاع أجزاء منها وتفكيك بعض المستوطنات الصغيرة وضم شريط بعرض 20 كيلومترا على طول خط غور الأردن) بحيث لا تتجاوز مساحتها بأحسن الأحوال 80 بالمئة من مساحة الضفة الغربية بعد شطب مساحة القدس الكبرى التي تتجاوز مساحتها ربع مساحة الأرض المحتلة عام 1967 في الضفة، وإعادة أغلبية قطاع غزة.
فالدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها تحالف العمل وباقي المعارضة اليهودية الصهيونية يتداخل فيها كل شيء: أراضي الكيان الفلسطيني مع بقايا المستوطنات ومناطق الضم، مع الطرق الالتفافية، مع أجزاء من القدس الكبرى، وتتداخل فيها حدود السيادة والصلاحيات، وذات حدود أطول من حدود الدولة العبرية مع كل من مصر والأردن وسوريا ولبنان.
وأينما ذهبت تجد لها حدوداً مع دولة الاحتلال لغرض رئيسي يتمثل في تطويقها بالكامل وإبقاء السيطرة العسكرية والأمنية وحتى الاقتصادية والتجارية عليها.. إنها أشبه بالكيان الذي قصده اسحق رابين والذي يكاد يتطابق من حيث الجوهر مع مشروع الجنرال إيغال آلون الذي طرحه عام 1968. أي بعد فترة قصيرة من احتلال الضفة والقدس والقطاع، منقوصاً منه في اللحظة الراهنة الجانب المتعلق بالتقاسم الوظيفي بين الكيان الفلسطيني المفترض والأردن.
أخيراً، إن المعركة التي تحركها القوى اليمينية الغارقة في صهيونيتها بالدرجة الأولى، وهي قوى مازالت تعتقد بأنها تستطيع أن تعيد الأمور إلى سابق عهدها، هذه المعركة تدور حول ماهية وطبيعة الكيان الفلسطيني. وعلى حد تعبير مارك هيلر من معهد يافا للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب: «إن المسألة للغالبية العظمى من الإسرائيليين ليست معروفة ما إذا كان سيتم قيام دولة فلسطينية أم لا، لكن متى وكيف وضمن أي حدود وبأي صلاحيات وسلطات، وهذه الأمور لم يتم تسويتها بعد».
قوة التغيير
لقد فرضت انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية نفسها على الشارع الإسرائيلي، فأحدثت جدلاً عاماً في القضايا التي تعتبر أساسية من وجهة نظر الشارع اليهودي، (مستقبل الدولة، والمفاوضات مع الفلسطينيين ومصير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967..) وصنعت بتفاعلاتها وقائع لم يكن لها لتحدث لولا الصمود والمثابرة في صف الشعب الفلسطيني، والاستمرار بالانتفاضة على يد قوى الانتفاضة ذاتها والقطاعات الجماهيرية الفلسطينية في القاعدة الأوسع.
فالتجمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية ليس بالكتلة الجامدة المانعة من الأعلى إلى الأسفل، فهو تجمع يخضع بالضرورة لعوامل التغيير ـ داخلية كانت أم خارجية ـ فالانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993) حققت انتقالاً تاريخياً دفع الدولة العبرية وأحزابها للإقرار ولأول مرة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بغض النظر عن ماهية هذا الإقرار أو مفهوم الحقوق الوطنية للفلسطينيين عند الطرف الإسرائيلي.
ويمكن القول بأن تعالي الأصوات اليهودية الإسرائيلية في الوسطين السياسي والعسكري الداعية إلى فك الحصار عن الأراضي الفلسطينية قد يكون محاولة للتأثير على سياسة حكومة شارون والحد من توسيع نطاق النار خاصة وأن ألسنة هذه النيران باتت تلسع الإسرائيليين أنفسهم. وتعالي هذه الأصوات يحدث بالضرورة أصداء متباينة في الخارطة الإسرائيلية الداخلية، ويفتح المجال أمام زعزعة ما يسمى «بالإجماع الوطني» على مكافحة ما تسميه إسرائيل «الإرهاب» وتقصد به الانتفاضة الفلسطينية.
وفي هذا السياق فإن رفض عسكريين إسرائيليين الخدمة في مناطق الضفة الفلسطينية والقطاع يعبر عن تطور مهم لم يكن ليقع لولا الانتفاضة الفلسطينية، مع أن الدعم الأميركي المطلق لسياسات شارون وغياب البديل السياسي يحدان من جدوى هذه الظاهرة، مع أهميتها، ويجعلان الأجواء غير مواتية أمام قوى الاعتدال وسلام الشرعية الدولية داخل الخارطة السياسية وداخل صفوف جيش الاحتلال. كما يعبر هذا الرفض عن ظهور بوادر متاعب العبء الكبير لسياسة شارون على قطاعات المجتمع الإسرائيلي بما في ذلك القطاعات العسكرية.
إن ملامح هذه التحولات بدأت تفصح عن نفسها عبر أكثر من مؤشر، خاصة مع انطلاق المسيرات والفعاليات التي دعت إليها قوى السلام (اليهودية والعربية) داخل فلسطين 1948، ونزول المتظاهرين إلى شوارع تل أبيب، والمطالبة بفك الحصار عن الأراضي الفلسطينية والانطلاق نحو مفاوضات الشرعية الدولية بالانسحاب الإسرائيلي الكامل عن الأراضي المحتلة 1967 وتفكيك البنى الاستيطانية.
هذه الشعارات رفعتها مسيرات مساء 8/2/2002 في شوارع تل أبيب وميدان «ملوك إسرائيل» التي شارك فيها أكثر من 12 ألفاً، منهم أعضاء في الأحزاب العربية، وقوى ائتلاف ميرتس، فضلاً عن حركة السلام الآن، وحركة تعايش اليهودية. وتذكر هذه المظاهرات بمظاهرات سابقة سبق أن انطلقت من نفس المكان بمشاركة نصف مليون أثناء حصار بيروت في أغسطس 1982.
رفض الخدمة العسكرية
يمكن أن نلحظ التحولات التي أحدثتها انتفاضة الأقصى في المجتمع الإسرائيلي من خلال ثلاثة شواهد وقعت: أولها الانعطاف في مواقف العديد من ضباط جيش الاحتلال،الذين بدؤوا بالإعلان عن أنفسهم عبر رسائل إلكترونية جاء بعد تدمير المنازل في مخيم رفح واغتيال الشهيد رائد الكرمي قائد وحدات كتائب الأقصى في طولكرم، حيث تلا عملية الاغتيال توتر جديد من التصعيد الإسرائيلي، توج باغتيال خمسة شهداء من كتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية عند معبر رفح.
ومن بين هؤلاء الضباط ضابط برتبة عقيد، و12 ضابطاً برتبة رائد، فضلاً عن البريغادير موطي ساعي قائد وحدة منتخبة برئاسة الأركان إضافة إلى مئة اسم جديد أعلنوا أيضاً رفضهم المشاركة في التجنيد العام، وتقوم حركة «يوجد حد» بمساندة معركة التمرد على الخدمة العسكرية في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967.
ومن بين الذين انضموا إلى المجموعة الضابط في سلاح الجو يوفال تاماري، نجل الجنرال نحاميا تاماري، الذي قتل اثر تحطم مروحية كانت تقله أثناء توليه لمنصب قائد منطقة الضفة الغربية عام 1996. وكان تاماري الأب من أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الأركان منتصف التسعينات من القرن الماضي.
ويعتقد هؤلاء الضباط بأن تدمير المنازل في مخيم رفح واغتيال الشهيد رائد الكرمي قد كسر الهدوء النسبي الذي التزم به الفلسطينيون بكافة تنظيماتهم وأجنحتهم العسكرية. كما يعتقد هؤلاء الضباط بأنهم «يطالبون القيام بأمور لا يوجد لديهم استعداد للقيام بها شخصياً وضميرياً»، وزاد على هذا البروفسور أتريه ارنون من قادة السلام الآن معتبراً بأن رفض الخدمة في الأراضي الفلسطينية «خطوة مشروعة لأن الخدمة تهدف إلى الدفاع عن المستوطنين وقمع الفلسطينيين في خطوات لا أخلاقية».
أما الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي المعروف، والوثيق الصلة بالمؤسسة العسكرية زئيف شيف، ومع تحامله على الفلسطينيين وعلى شخص رئيس السلطة فقد اعتبر نشاط قوات الاحتلال وعلى الأخص سلاح الجو وقصف المدن الفلسطينية بمثابة تحرر من الكوابح الأخلاقية، ويذكر زئيف شيف بأن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ في العام 2001 فقط ما لا يقل عن 5130 طلعة جوية، و600 ساعة طيران بالمروحيات الهجومية، و160 ساعة طيران لطائرات حربية تم خلالها إطلاق مالا يقل عن 500 صاروخ، و80 قنبلة تزن كل واحدة منها 1000 كلغم، لذلك لم تكن قنبلة غزة المرة الأولى التي يلقي فيها طيران العدو قنابل من هذا العيار.
فقد سبق وأن ألقت طائرات الاحتلال سبعة وأربعين قنبلة من العيار ذاته وفق اعترافات بنيامين بن اليعازر، الذي اعترف بهذا صراحة خلال المشادة التي وقعت بينه وبين يوسي سريد زعيم كتلة ميرتس داخل الكنيست، حين احتجّ الأخير على إلقاء هذه القنبلة على حي سكني فواجهه بن اليعازر قائلاً: صح النوم، لقد ألقينا 47 قنبلة منها منذ بداية الانتفاضة، وألقيت 15 منها على مجمع الأجهزة الفلسطينية في قطاع غزة خلال شهر يناير2002.
كما ألقي عدد آخر منها على سجن نابلس، ومقرات قوات الـ 17 (الحرس الرئاسي) في أكثر من مكان. فالحصار الإسرائيلي المتواصل لأراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن منطقة القدس، لم ينجُ من التفاعلات الإسرائيلية الداخلية التي سحبت نفسها داخل وحدات جيش الاحتلال «تساهال» المنتشرة فوق أراضي الضفة والقطاع. وعادت التيارات اليهودية المعادية لاستمرار الاحتلال إلى الاستيقاظ مجدداً بعد غياب عن الفعل طوال الفترات السابقة التي تلت التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق أوسلو الأول في 13/9/1993.
بينما ضغطت تلك التيارات في السنوات إياها من أجل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وظهرت للمرة الثانية حركة الاحتجاجات في صفوف الجيش الإسرائيلي بعد أن ظهرت الحركة الأولى بالاحتجاج على الخدمة العسكرية فوق الأراضي اللبنانية بقيادة البريغادير إبلي جيفع أثناء وبعد العام 1982، وتعاظمت هذه الحركة مع حركة الأمهات الأربع وصولاً إلى انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
إن المعادلة التي حكمت مسار الجيش الإسرائيلي وبسبب من تركيبة الحياة السياسية الداخلية في إسرائيل أفضت إلى دور مزدوج للجيش: فهو من جانب بوتقة لتفريخ القيادات السياسية على مستوى الصف الأول داخل الدولة العبرية، ومن جانب آخر الأداة التنفيذية للسياسات الحكومية الائتلافية الإسرائيلية، ولم يسجل عليه منذ تأسيسه من رحم التنظيم العسكري «الهاغانا» الإرهابي ووحدات «البلماخ» سوى الاحتجاجين المذكورين.
إن حضور التيارات السلامية داخل الدولة العبرية الداعية لحلول الشرعية الدولية والمؤهلة للقيام بدور ما في المؤسسة العسكرية (فضلاً عن الأحزاب العربية الستة الفاعلة داخل فلسطين 1948) ما زال حضوراً متواضعاً ومحدود التأثير على القرار السياسي بالرغم من امتداد أصواتها داخل جيش الاحتلال، حيث الوثيقة التي تضم 252 ضابطاً وجندياً في جيش الاحتلال، والتي دعت إلى رفض الخدمة داخل الأراضي المحتلة عام 1967. وتصريحات زعيم كتلة ميرتس النائب في الكنيست يوسي سريد، وتنديده بسياسة شارون وتأكيده بأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل هو طريق التسوية مع الفلسطينيين.
مسيرات السلام
ثانيها، نزول المتظاهرين (يهوداً وعرباً) بأكثرية يهودية إلى الشارع في تل أبيب في ثلاث مسيرات حاشدة أولها المسيرة التي انطلقت وألقت فيها شلوميت ألوني (وزيرة سابقة من كتلة ميرتس) كلمة ليست بالقصيرة، حملت فيها شارون المسؤولية الكاملة عن انفجار الوضع على مسار التسوية مع الفلسطينيين.
فضلاً عن تصريحات يوسي سريد المشار إليها أعلاه وهي التصريحات التي صبت بذات المنحى الذي تحدثت فيه آلوني. إضافة إلى تواتر التحركات على يد حركات سلامية يهودية صغيرة بمواجهة دبابات قوات الاحتلال أمام مقر عرفات في رام الله، أبرزها تحركات مجموعات السلام الآن، و300 ناشط من حركة تعايش، حيث كتب مسيروها على اليافطات التي رفعت أمام الدبابات « نحن ندعو الجنود للعودة إلى البيوت».
كما سارت تظاهرات أنصار السلام الإسرائيليين أمام بيت وزير الخارجية شيمون بيريز في مستعمرة رامات هشارون قرب تل أبيب رافعين شعار «الاحتلال يقتلنا جميعاً» وشعار «بيريز.. أنت شريك في جرائم شارون» بمشاركة 27 حركة وتنظيما يهوديا وعربيا.
ومن بين هذه التنظيمات إضافة إلى الأحزاب العربية وأحزاب ائتلاف ميرتس، وحركة السلام الآن كلاً من: أمهات ونساء من أجل السلام، اللجنة الإسرائيلية ضد التعذيب، يوجد حد (وهي الحركة التي تقود رفض الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة عام 67)، ولجنة المتابعة العربية العليا (التي تشكل القيادة الوطنية الجماعية للعرب في فلسطين 1948)، وإطار اليسار في جامعة حيفا، وحركة كامبوس الطلابية (طلاب جامعيون يهود وعرب من كل الجامعات)، وحركة النساء الديمقراطيات..الخ.
وثالثها التأرجح المتواصل، والتغير التدريجي في نتائج مقياس السلام الإسرائيلي الذي تجريه مؤسسات ومراكز البحث في تل أبيب من (ديسمبر 2001 إلى يناير 2002). فالتباينات ازدادت قليلاً ولأول مرة خلال أيام الانتفاضة يعارض 86 بالمئة من جمهور الليكود الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967، و65 بالمئة عند ناخبي حزب العمل.
بينما كانت الأرقام أعلى من ذلك بأكثر من نقطة في الشهور التي سبقت وتحديداً بعد انفضاض قمة كامب ديفيد 2 في يوليو 2000 واندلاع الانتفاضة، وانخفضت المعدلات الرقمية السابقة مع انتهاء المرحلة الأولى من حرب «السور الواقي» العدوانية الفاشية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني بالرغم من تواصل الجنوح اليميني المتطرف داخل دولة الاحتلال، ومرد ذلك يعود إلى تنامي الهلع في صفوف المستعمرين نتيجة الضربات التي وجهتها نحوهم الكتائب الفدائية المسلحة لعموم فصائل وقوى المقاومة.
بارومتر التحولات
بكل الحالات هذه الصورة لا تعني أبداً الارتهان إلى التحولات داخل الدولة العبرية فهي تحولات بطيئة ومحدودة، وأكثرية المجتمع اليهودي الإسرائيلي مازالت تستوطن في أحضان التطرف وتميل نحو فاشية شارون، والاستطلاع السابق يعطي سياسة شارون على منحاها الراهن تجاه الفلسطينيين 66 بالمئة بينما يقف أغلبية الجمهور الإسرائيلي 73 بالمئة ضد سياسة شارون الاقتصادية.
من جانب آخر، وأمام المشهد الراهن لمظاهر وآثار العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني وحروب الإبادة التي يتعرض لها، لا نستطيع إغفال مؤشرات بارومتر التحولات التدريجية داخل أوساط ما يسمى باليسار الإسرائيلي، بالاتجاهين : اتجاه التجنح نحو سياسات شارون والمشاركة العملية بها على يد حزب العمل وثعلب السياسة الإسرائيلية شيمون بيريز. واتجاه آخر يصرخ مرتعباً من سياسات شارون باعتبارها تفتح نار جهنم على الإسرائيليين ذاتهم، وهو اتجاه يمثله يوسي ساريد زعيم كتلة ميريتس. عدا عن الموقف الجذري للأحزاب العربية الستة، وهي الأحزاب المشاركة عملياً بما تستطيع بالجهد الوطني الفلسطيني انطلاقاً من الأرض المحتلة عام 48.
لقد وضعت الانتفاضة الفلسطينية الراهنة، والتفاعلات الكبرى التي أحدثتها داخل المجتمع اليهودي في إسرائيل، الخارطة الحزبية الإسرائيلية أمام وضع صعب ترتب عليه أن تحسم خياراتها من جهة، وأن تؤكد توجهاتها البرنامجية، إن كان لصالح استمرار عملية التسوية، أو لصالح الموقف الآخر الداعي للتراجع عن عملية «مدريد ـ أوسلو» كما هو حال أحزاب اليمين بشقيها العلماني والتوراتي.
ويبدو حال الأحزاب والقوى المحسوبة على «اليسار الصهيوني» أكثر تعقيداً نظراً للأهمية التي ترقى إليها المواضيع المطروحة بالنسبة لمستقبل الدولة العبرية ذاتها، من جانب، ولاتساع الطيف السياسي للقوى المنضوية تحت جناح «اليسار الصهيوني» من جانب آخر، فضلاً عن حالة التخبط التي عاشتها السنوات الماضية اثر الانتكاسات التي أصابت عملية التسوية ذاتها على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية مع الدولة العبرية. فهي قوى كادت أن تفقد هويتها البرنامجية والسياسية في خضم عملية التسوية الجارية منذ عقد من الزمن حيث تمايلت قطاعات منها جيئة وذهاباً مع تمايل السياسات والانتقالات بين وداخل صفوف الأحزاب ذاتها، وتفاقمت أزماتها مع اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية.
عبارة مطاطة
في الجانب المتعلق بمفهوم «اليسار الإسرائيلي» فإن العبارة إياها أصبحت «مطاطة» «تضمر وتتسع» تبعاً للتحولات والتقلبات التي جرت وتجري داخل المجتمع الإسرائيلي بتكوينه (اليهودي والعربي) على أرض فلسطين المحتلة عام 1948. فاليسار الإسرائيلي يتشكل من طيف عريض من القوى التي تضم ما يسمى أحزاب اليسار الصهيوني من حمائم حزب العمل بقيادة الثنائي:
يوسي بيلين، حاييم رامون، وينتهي بحركات سلامية يهودية صغيرة أهمها كتلة حركة السلام الآن، مروراً بكتلة أحزاب ائتلاف ميرتس الثلاثة (شينوي، راتس، مبام) وهي تمثل بمجملها «اليسار الصهيوني»، فضلاً عن الأحزاب العربية الستة : حزب مختلط يهودي عربي (راكاح)، وخمسة أحزاب عربية صافية تشكل مع الأحزاب السابقة المجموع الكلي لما يسمى عند المتابعين للشأن السياسي الإسرائيلي بأحزاب «اليسارالإسرائيلي».
وعلى هذا، فإن التحولات التي جرت وتجري في المنطقة منذ بدء عملية التسوية عام 1991 والتي تركت آثارها داخل المجتمع الإسرائيلي وتحديداً داخل التجمع اليهودي، أدت إلى تغيير متواصل في ترتيب نسق الاصطفافات والائتلافات الحزبية الإسرائيلية أكثر من مرة على امتداد العقد الأخير من القرن المنصرم وحتى انتخابات فبراير 2001 وصعود شارون.

