تتناول هذه الحلقة موضوع الدولة الفلسطينية المستقلة والرؤى المختلفة لألوان الطيف السياسي الإسرائيلي لتلك الدولة، وإن كان بدوان يشير إلى عدم وجود اختلاف كبير بين تلك الرؤى،.

حيث تتفق الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية الصهيونية على ضرورة وجود كيان فلسطيني ما يكون أقل من مستوى الدولة وأكثر من حكم ذاتي مع ضم التجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة إلى إسرائيل ورفض منح الفلسطينيين حق العودة للاجئين تطبيقاً للقرارات الدولية بهذا الصدد، وهو مطلب جوهري للفلسطينيين لا يمكن أن تحل القضية في ظل تجاهله قيام الدولة الفلسطينية المستقلة أصبح قضية إجماع دولي عاجل لا يمكن تجاهله، ويحظى بحضور يومي على أجندة المجتمع الدولي. وتعاظم هذا الحضور مع انطلاقة الانتفاضة الكبرى الأولى بين أعوام 1987 ـ 1993، وتكرست حقيقة لابد منها على طريق السلام الحقيقي في ظل الانتفاضة الكبرى الثانية. ففلسطين ـ الدولة التي غيّبت عن الخارطة الدولية بفعل قسري نتيجة عملية الاقتلاع والتبديد القومي للفلسطينيين أصبحت الآن حاضرة بقوة، بانتظار التجسيد المادي على الأرض الفلسطينية.

إن معركة الاستقلال الوطني الفلسطيني في ظل الانتفاضة المتواصلة منذ 28/9/2000 تلخص حقيقة المعركة السياسية التي بدأ أوارها بالاستعار، وأول مؤشرات هذا الاستعار الخطوات الإجرائية التي تقوم بها سلطات الاحتلال لجهة محاولة التهميش الكامل للمؤسسات الفلسطينية بما في ذلك مؤسسات السلطة، في خطوة محسوبة عند شارون لوقف اندفاع وتواصل الحراك الذي يبشر كل يوم بميلاد وفجر الدولة الفلسطينية، خاصة مع ارتقاء وتعاظم مستوى الإجماع الدولي على ضرورة حضور فلسطين كدولة مستقلة على الخارطة الدولية.

المفهوم الإسرائيلي للدولة

بعد انقشاع سحب كامب ديفيد 2 في يوليو 2000، وما جرته من أحداث متواصلة مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، ومع تدفق السيل الهائل من المعلومات عما دار داخل أسوار الكامب، وبشكل خاص من قبل الطرفين الأميركي والإسرائيلي، اتضح بأن المفهوم الإسرائيلي للكيان الفلسطيني والدولة المستقلة ما زال يدور على.

ومتناثر الأراضي دون تواصل جغرافي، الأمر الذي يذكّر بمعازل السود الأفارقة في جنوب أفريقيا على أرض وطنهم فترة حكم الابرتهايد. وكانت مفاوضات ايلات التي سبقت كامب ديفيد 2 قد وصلت إلى طريق مسدود بعد أن تقدم الجانب الإسرائيلي بخارطة ترتيبات الوضع النهائي.

فالطرف الإسرائيلي مدعوم من الموقف الأميركي أراد صفقة شاملة يتم من خلالها الإعلان عن الكيان الفلسطيني بالتوافق مع الاتفاق الشامل حول قضايا الحل النهائي. ما يعني تحديد مسبق لطبيعة هذا الوليد الجديد، وربطه بسقف التقييدات الإسرائيلية التي تجعل من الدولة الفلسطينية كياناً هزيلاً ومنقوصاً على مساحة 80% فقط من أراضي الضفة وبشكل متقطع مع استثناء القدس الكبرى.

أما قضية القدس وحدودها الموسعة: (المدينة والجغرافيا والشعب والسيادة) فقد أضحت بدورها العنوان الرئيسي لاستعصاء مفاوضات الكامب 2، ومفاوضات القنوات السرية وما يجري الآن من مسلسل طويل من الاقتراحات والأفكار المتداخلة وربما المتشابكة بين أكثر من عاصمة لحل هذه القضية.

واختزلت قضية القدس بالتتابع من القدس الشرقية (العاصمة الفلسطينية، والأرض والسيادة الكاملة ـ وفق الشرعية الدولية) إلى القدس الشريف (الأماكن المقدسة فقط)، وأكثر من ذلك إلى مفاوضات حول المسجد الأقصى وتقاسم السيادة عليه. فإذا كانت الأمور وصلت إلى هذه التخوم فكيف نحن والحال إزاء العناصر الجوهرية التي تمثل القضية الفلسطينية، كقضية اللاجئين، والأرض وحدود الكيان الفلسطيني.

أن اغلب الظن بأن باقي العناصر ستبقى قضايا متفجرة وان تكاثرت الجهود وتدافعت نحو توفير حلول لها لا تستقيم مع قرارات الشرعية الدولية، وإنما تجيء فقط في سياق الضغط الأميركي والإسرائيلي لفرض حلول قائمة تحت سقف معادلات القوة.

فقضية الأرض وحدود الكيان الفلسطيني مسألة بالغة التعقيد كما هي قضيتي القدس واللاجئين. وخطوط الإجماع «الإسرائيلي الصهيوني» داخل الخريطة اليهودية تتقاطع عند مربع القبول بـ «كيان فلسطيني اقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي» مما يعني سلفاً كيان مقطع الأوصال ومتناثر الأراضي.

ونتج كما هو معلوم وفق ما جرى في كامب ديفيد 2 تصور إسرائيلي لخارطة الترتيبات التي قسمت الضفة الغربية إلى ثلاثة مناطق جغرافية تكاد تفتقر إلى التواصل الأرضي فيما بينها:

1 ـ المنطقة الأولى: في الشمال وهي الأوسع وتضم مساحات واسعة في محافظات جنين وطولكرم ونابلس. وفي الشمال من طولكرم والى الغرب من جنين تضم بعض المستوطنات الاستعمارية إلى الدولة العبرية ضمن شريط هذه الرقعة الملاصقة لخط 1948، في هذا الشريط تقع مستوطنات: غانيم، كديم، شافور، حومش، تسفي شومرون، أفني حيفتس، عيناب، الون مورييه، سالعيت، قدوميم، براخا، ايتمار، يتسهار، كفارتقوم، رحاليم، مجدوليم، شفوت راحيل.

2 ـ المنطقة الثانية: تقع في نطاق محافظة رام الله، منفصلة عن المنطقة الأولي وكذلك عن المنطقة الثالثة الجنوبية (بيت لحم، الخليل) وتقع على مسافة جيدة من خط الهدنة لعام 1967. وفي هذا المعزل يتم دفع خط الهدنة 1967 نحو الشرق، حيث تقع مستوطنات: عطرة، رحليم، رمونيم. ويتوسطها منطقة للتأجير تقع فيها مستوطنتي غليئل، طلمون. في مساحته يعادل أكثر من ربع مساحة محافظة رام الله.

3 ـ المنطقة الثالثة: تقع إلى الجنوب وتضم جزءً من مساحة محافظة بيت لحم ومعظم مساحة محافظة الخليل وتقع في هذه المنطقة: مستوطنات نكوديم، تقوع، معاليه عاموس، كرمي تسور، تيلم، ادوره حجايما، عتنيال. وبشكل معزول عن منطقة رام الله بمساحات واسعة من أراضي القدس وأريحا.

ويمكننا إضافة منطقة رابعة وهي منطقة أريحا. فضلاً عن منطقة قطاع غزة التي تتواصل مع أجزاء الضفة بواسطة ما يسمى بالمعابر التي يجري التفاوض النهائي عليها لاحقاً.

هذه المناطق تساوي في مساحتها 66% من مساحة الضفة الغربية بما فيها القدس. وعليها تقترح إسرائيل إقامة الدولة الفلسطينية وتبلغ المساحة بحدود 80% من مساحة الضفة الغربية عند استثناء القدس منها. وكما هو واضح حدود هذه الدولة بمناطقها هي أطول من حدود إسرائيل مع مصر والأردن وسورية ولبنان، أينما ذهبت تجد لها حدوداً مع دولة إسرائيل لغرض رئيسي يتمثل في تطويقها بالكامل وإبقاء السيطرة العسكرية والأمنية وحتى الاقتصادية والتجارية.

إلى ذلك فان الموقف الإسرائيلي كما أشارت المعلومات بعد كامب ديفيد 2، سعى إلى تحديد أراضي الضم لمبادلتها بمناطق صحراوية شمال شرق قطاع غزة، على أن تشمل شريطاً على غور الأردن يتسع كلما اتجهت من الشمال إلى الجنوب. يبدأ من خط الهدنة في الشمال على نهر الأردن وينتهي عند خط الهدنة على الضفة الغربية للبحر الميت.

وتشمل كذلك معظم أراضي محافظتي قلقيلية وسلفيت بما في ذلك المدن والقرى في هاتين المحافظتين. مثل قلقيلية وحبلة وعزون/ سلفيت وياسوف وقرى الخط الغربي وهي بلدات مثل بديا ومسما وغيرها. من محافظة سلفيت عند مستوطنة أرئيل يندفع سهم عريض في أراضي جنوب شرق محافظة نابلس وشمال غرب محافظة رام الله ليربط هذه المنطقة بمستوطناتها الكثيرة مع مشارف الغور.

كما تشمل أراضي واسعة في محافظات رام الله، القدس، أريحا، بيت لحم، والخليل، شرق رام الله، شرق القدس، حتى النهر، غرب بيت لحم، شمال وشرق الخليل (المحافظات). فضلا عن الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى بمنطقة القدس: جفعات زئيف، معاليه أدوميم، غوش عتسيون.

وتضيف إسرائيل مطالبها بطرح مسألة استئجار بعض المناطق الفلسطينية لمدة 99 سنة وتشمل: مساحات من شمال غور الأردن، من خط الهدنة شمالاً وحتى غرب أريحا، منطقة صغيرة في قلب منطقة الوسط (رام الله)، وشريط يحيط بمنطقة الجنوب من الغرب والجنوب والشرق، ولسان يمتد من مدينة الخليل ـ كريات أربع وحتى خط الهدنة في الجنوب. تبلغ مساحة هذه المناطق 14% من مساحة الضفة. وفي هذه المناطق تكون السيادة، فلسطينية والسيطرة إسرائيلية.

هذه هي الخطوط العريضة للموقف الإسرائيلي تجاه «حدود الكيان الفلسطيني»، كما قدمها الجانب الإسرائيلي للجانب الفلسطيني في مفاوضات إيلات للحل الدائم قبل وقت كاف من قمة كامب ديفيد 2، وأعاد طرحها من جديد في كامب ديفيد 2، وكرستها الورقة الأميركية التي قدمت داخل أسوار الكامب من قبل الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون لجسر الهوة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

وهذه الخارطة يتداخل فيها كل شيء: في مناطق الدولة، توجد مستوطنات، في مناطق الضم توجد مدن وقرى فلسطينية وفي مناطق التأجير توجد مستوطنات وتوجد مراكز سكانية فلسطينية، مما يوحي بان الكيان الفلسطيني المقترح وفق التصور الأميركي والإسرائيلي سيعيد من جديد إنتاج نموذج المعازل أو الابرتهايد على أرض فلسطين بعد أن انتهت هذه الأنظمة في العالم مع انتصار حزب المؤتمر الأفريقي في جنوب القارة السوداء.

وهنالك الترتيبات الخاصة بمدينة القدس حيث وصل سقف الموقف الإسرائيلي إلى تقسيمها إلى أحياء لها بلديات وللفلسطينيين حكم ذاتي موسع وبلدية في إطار القدس الموحدة وسلطة على التعليم والصحة والخدمات .

لكن ليس على البناء والتنظيم، مع ممر خاص حر إلى الحرم القدسي من مناطق شرق المدينة الواقعة تحت سيادة السلطة الفلسطينية. وبعض البلدات المحيطة تنقل للجانب الفلسطيني، ليس فقط أبو ديس والعيزرية والسواحرة الشرقية، ولكن في المستقبل شعفاط وبيت حنينا. كل شيء ممكن وأنظمة السيطرة التي يفكر بها الإسرائيليون يمكن أن تحل تعقيدات الترتيبات.

تسوية بالقوة

هذه هي الخطوط العريضة لتسوية كامب ديفيد 2 على طريق ـ كامب ديفيد 3 ـ كما أرادت الإدارة الأميركية السابقة، وكما تسعى الآن إدارة جورج دبليو بوش والحكومة الإسرائيلية لفرضه بقوة النار والبارود بالنسبة للأرض الفلسطينية ومساحتها وحدودها. فهل تصمد هذه التسوية العرجاء أمام إصرار الشعب الفلسطيني على حل منصف وفق قرارات الشرعية الدولية وإرادة المجتمع الدولي. وهل تصمد هذه التسوية أمام إجماع دولي على حق الشعب الفلسطيني وسيادته على أرضه الوطنية والمدينة المقدسة عاصمة له.

أن المناخ الفلسطيني الذي توالد مع الانتفاضة، في إطاراته على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية وكل قواها وفصائلها، وعلى مستوى عموم تيارات الحركة الوطنية الفلسطينية وتلاوينها الفكرية من وطنية وقومية وديمقراطية وإسلامية، أطاح بما طرح في كامب ديفيد 2، وأعاد التأكيد عل الثوابت الوطنية الفلسطينية، وتمسك الفلسطينيين بسلام الشرعية الدولية القائم على حق تقرير المصير وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وحق اللاجئين بالعودة.

كما إن تسارع الأحداث والوقائع في آسيا الوسطى دفع الإدارة الأميركية للعمل جاهدة من أجل خلق إطار دولي هو الثاني بعد حرب الخليج الثانية لمحاربة ما تسميه واشنطن بالإرهاب، وعلى هذا بنت إدارة بوش الابن سياسة لحظية جديدة بدأت بعد (11/9/2001) تحت يافطة دولية وتحالف كبير تجاوز 64 دولة في العالم أعلنت استعدادها لمساعدة واشنطن لوجستياً عبر أراضيها لتطويق حكومة طالبان.

وبعض الدول التي تسميها واشنطن إرهابية.. لذلك جاءت المواقف الأميركية المعلنة في المرحلة إياها تشدد على ضرورة الهدوء في الشرق الأوسط خدمة لبرنامجها الآخر، وزادت على هذا بإطلاق التصريحات الإعلامية التي تتحدث عن حق الفلسطينيين بدولة مستقلة،.

فبدا هذا الإعلان الأميركي بمثابة رشوة صغيرة للفلسطينيين والعرب من أجل الدخول في التحالف الذي عملت واشنطن على تشكيله، وتطميناً للعرب بأن قضية فلسطين حاضرة في السياسة الأميركية ولن تغيبها عمليات القصف في أفغانستان. وعليه أطلق الرئيس جورج بوش الابن تصريحاته بشأن ضرورة قيام الدولة الفلسطينية أو ما اصطلح عليه «رؤية الرئيس بوش».

رؤية بوش

إن تصريحات بوش «أن الدولة الفلسطينية كانت دائماً ضمن الرؤية الأميركية شرط اعترافها بحق دولة إسرائيل بالوجود وضمان سلام دولة إسرائيل» تشكل خطوة قديمة ـ جديدة، فمنذ عام 1977 يتكرر هذا الموقف الأميركي، فلقد دعا كارتر عام 1977 إلى «حق الفلسطينيين في وطن قومي»، ودعا ريغان إلى «كيان فلسطيني» وكلينتون إلى دولة فلسطينية وقدم خطته في مفاوضات كامب ديفيد ولكن ظل كل هذا في إطار الشعار العام.

ومن دون خطوات عملية أميركية ملموسة تستند إلى الشرعية الدولية، سيكون مصير تصريح بوش كمصير المواقف الأميركية الأخرى، أي إلى «الأدراج والإهمال»، وعلى كل حال فإن المنطقة لم تهدأ نتيجة هذه التصريحات الإعلامية اللفظية، فحرب الاغتيالات الإسرائيلية لم تتوقف، مما دفع لعودة دوامة عنف الاحتلال، وعنف المقاومة المشروعة على يد الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق نستطيع أن نفسر التصريحات الإيجابية التي أطلقها الرئيس بوش بصدد تأييده لقيام دولة فلسطينية في إطار الحل النهائي، مع أنها لا تشكل جديداً في الموقف الأميركي المعروف منذ عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، حيث بقيت «شيكاً بلا رصيد» باعتبارها لم تترافق مع جهد أميركي حقيقي ومتوازن بالضغط على إسرائيل لدفعها نحو الاستجابة لقرارات الشرعية الدولية، خاصة حق الشعب الفلسطيني بالعودة وتقرير مصيره والدولة المستقلة.

ومن المثير للانتباه، أن يحذو رئيس وزراء بريطانيا توني بلير حذو الرئيس بوش، فيعلن خلال لقاء جمعه مع ياسر عرفات بأن بريطانيا تؤيد قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. والشيء الجديد في تصريح توني بلير هو عبارة «قابلة للحياة».. فهل مصادفة أن تأتي سلسلة التصريحات الأميركية، والأوروبية التي كرت وراءها والداعية لقيام دولة فلسطينية، أم أن اللحظة السياسية لها حساباتها ومتغيراتها؟ وأن التبعية الأوروبية لفلك السياسة الأميركية مازالت قائمة بمساحة كبيرة نسبياً؟.

بيد أن ارتفاع منسوب القمع الفاشي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وإطلاق شارون حملته المسعورة تحت عنوان «السور الواقي» والتأييد الأميركي الفظيع لهذه الحملة وسلوك شارون الدموي، كل هذه التطورات زادت من تعقيد الأوضاع المعقدة أصلاً.

انقراض إسرائيل الكبرى

ينسب البعض ما يدور في فلسطين من عمليات حصار عسكري، وتفاعلات سياسية تجري راهناً باعتباره صراعاً مركباً، ففي الجانب الأول منه يمثل إرهاصات متتالية تبشر بالمخاض العسير لولادة الدولة الفلسطينية المستقلة كياناً سياسياً ـ جغرافياً يعيد توحيد الشعب الفلسطيني لأول مرة فوق بقعة من الأرض الفلسطينية منذ النكبة الكبرى عام 1948،.

ويمثل في الجانب الثاني صراعاً تخوضه الأغلبية اليهودية على ارض فلسطين التاريخية لتحديد حدود ومساحة الدولة العبرية بعد أن أستطاع الصمود والنهوض الفلسطيني أن يضع حداً لتمدد المشروع الصهيوني على الأرض وأن يجعل من «إسرائيل الكبرى» شيئاً منقرضاً من الماضي.

وأكثر من هذا فإن العديد من المراقبين بما في ذلك أنصار السلام في إسرائيل (يوري أفنيري وغيره) يشددون بأن شارون لن يحصد شيئاً من حملته العسكرية، والسياسية الراهنة سوى تدوين شهادة ميلاد الدولة الفلسطينية بغض النظر عن التخبط الذي تعيشه حكومة شارون ومحاولة إحياء ما يسمى ب»الإدارة المحلية» البائدة لإدارة شؤون الفلسطينيين داخل الضفة الغربية.

وعلى هذا الأساس فان الانفجار العسكري والسياسي داخل فلسطين المحتلة، وانتقال عملية التصعيد الإسرائيلي إلى مستوى يلامس الصف الأول في السلطة الفلسطينية جاء في لحظة راهنة تشهد المزيد من التجاذبات بين مختلف الأطراف المعنية بصدد قيام (الدولة ـ الكيان) الفلسطيني.

فعلى الجانب الإسرائيلي، تبدو الأمور أكثر تعقيداً بصدد الدولة الفلسطينية، مع أن التسليم بقيامها أصبح محط قبول وأمراً لا مندوحة عنه لإقرار سلام الحل الوسط (الشرعية الدولية) في المنطقة.

ولكن ثمة سؤال يتعلق بماهية (الدولة/ الكيان) يكرر نفسه من حين لأخر وهو سؤال لا يشغل بال الإسرائيليين كحالة حزبية على المستوى السياسي فحسب، وإنما يشغل بالهم كحالة مجتمعية أيضاً وتحديداً منذ أغسطس 1993 بعد توقيع وثيقة الاعتراف المتبادل بين كل من ياسر عرفات واسحق رابين.

ويمكن القول بأن مساحة التباين في الرأي موجودة داخل الطيف السياسي والمجتمعي في إسرائيل بالنسبة لمسألة الدولة الفلسطينية، وان كانت هذه المساحة ضيقة نسبياً. فاليمين الصهيوني (القومي/العلماني) ومعه كتلة شاس التي تمثل اليمين التوراتي الشرقي يرى فيها إدارة محلية جديدة محصورة.

مغلولة، وبشكل أوضح يرى فيها كياناً «عديم التواصل الإقليمي» أقل بكثير من دولة وأكثر بقليل من حكم ذاتي مع ضم واسع للمستوطنات وسيادة إسرائيلية أبدية على القدس الكبرى التي تمثل مساحتها ربع مساحة الضفة الغربية البالغة بحدود 5888 كيلو متراً مربعاً. فضلاً عن السيطرة الإسرائيلية المستديمة على المنافذ والمعابر البرية والبحرية والجوية. وبعبارة ثانية فإن اليمين القومي الصهيوني يريد حلاً لمشكلة الفلسطينيين بكيان مقطع الأوصال ومحصور في جوف الضفة الغربية، ومطوق بالكامل الأمر الذي يجعل من هذا الكيان الفلسطيني أشبه بمحميات آبرتهيد جديدة.

إنه يريد إدارة محلية فلسطينية بقيادات محلية مبعثرة تحت قبضة الاحتلال، يسميها الفلسطينيون ما يشاءون «دولة، إمبراطورية، مملكة» أو أي اسم آخر.

تيار الترانسفير

لكن اليمين التوراتي الغارق في رواية الميثولوجيا والخرافة الصهيونية يرفض بالقطع الحديث عن دولة فلسطينية، ويرى على لسان رموزه بأن الترانسفير الطريق الوحيد لتطهير «أرض إسرائيل» من «الغرباء»، كما تشير إلى هذا وثيقة حزب موليديت اليميني الصهيوني المتطرف.

ومع أن أفكار هذا التيار تتهاوى كل يوم تحت زحمة الوقائع القائمة على الأرض، إلا أن هذا التيار مازال يمثل حضوراً على مستوى الكنيست والخارطة السياسية في الدولة العبرية، وعلى مستوى الشارع اليهودي.

من جهته يقف حزب العمل الإسرائيلي المصبوغ بصبغة اليسار الصهيوني العمالي، وهو حزب براغماتي عريق في ممارساته اللعبة التكتيكية، يضم بين أجنحته صقوراً لا يختلفون عن صقور الليكود واليمين القومي العلماني، يقف متصدراً الرأي المنادي بدولة فلسطينية أو كيان تحت الوصاية الإسرائيلية الأبدية، مستنداً إلى استحالة تهجير الشعب الفلسطيني الذي بقي على أرض فلسطين، فالاقتلاع أصبح خلف التاريخ.

كما يستند إلى التطور الحاصل داخل الحزب ذاته ووصول قمة هرمه والقاعدة الحزبية التي تضم قرابة خمسة عشرة ألف فلسطيني من أبناء فلسطين 1948 إلى نتيجة محققة فحواها بأن الدولة الفلسطينية «شر لا بد منه».

ويزيد على هذا شمعون بيريز أحد الأقطاب التاريخيين في الحزب وثعلب السياسة الإسرائيلية الصهيونية معتبراً بأن «الديموغرافيا تفعل فعلها»، وأنه أي بيريز لا يريد دولة إسرائيلية على أرض كل فلسطين التاريخية ستقود إلى وضع تتحول فيه إلى دولة «مختلطة ثنائية القومية ذات أغلبية عربية».

وإذا أردنا أن نتفحص أكثر مواقف حزب العمل الذي يعتبر الحزب المؤسس للدولة العبرية، نلحظ وجود أقلية مؤثرة نسبياً تضم في صفوفها بعض رموز ومفكري الحزب، تتبنى قيام (دولة فلسطينية مستقلة + تفكيك أغلبية المستوطنات) .

ويتصدر هذه الأقلية الوزيران السابقان يوسي بيلين وحاييم رامون المنافس المتوقع لرئاسة حزب العمل، فضلاً عن الوزير السابق شلومو بن عامي صاحب المسحة السلامية داخل حزب العمل الذي قدم استقالته من عضوية الكنيست يوم 8/8/2002 احتجاجاً على استمرار حزب العمل في التحالف الائتلافي مع شارون، والنائبين العربيين في الكنيست عن الحزب ذاته نواف مصالحة وصالح طريف.

وتعتبر كتلة ميرتس اليسارية ذات الصبغة الصهيونية التي تضم في صفوفها تحالفاً (عربياً يهودياً)، الأكثر تقدماً على صعيد تبنيها قيام (دولة فلسطينية كاملة السيادة والاستقلال + تفكيك المستوطنات حتى خط 4 يونيو 1967)، وتكاد تتماهى في العديد من مواقفها المعلنة مع مواقف الكتل والأحزاب العربية داخل إسرائيل ( باستثناء تقاطعها مع باقي الأحزاب الصهيونية لجهة رفض حق العودة للفلسطينيين).

فضلاً عن انتقادها الدائم لسياسات حليفها حزب العمل، فهي أي ميريتس ترى أن مواقف حزب العمل في شراكته السياسية مع شارون ترقى إلى المشاركة الفجة والوقحة إلى جانب الليكود في برنامجه الدموي، وأكثر من هذا فإن زعيم ميريتس يوسي ساريد ينعت باستمرار مواقف بيريز الانتقادية لشارون باعتبارها ناعمة ومخملية «وذراً للرماد في العيون» وليس لها بعد حقيقي.