تتحدث هذه الحلقة عن الجدار الفاصل الذي تبنيه إسرائيل على أراضي الضفة الغربية بذريعة الحفاظ على الأمن بينما هو في الواقع جدار فصل عنصري استراتيجي يعزل مناطق الضفة الغربية المحتلة عام 1967 عن المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 ويقسم الضفة نفسها إلى بانتوستانات منعزلة مما يحرمها تواصلها الجغرافي ويحول دون قيام أي كيان قابل للحياة للفلسطينيين.

ويشير بدوان إلى أن الإسرائيليين بمعظم توجهاتهم السياسية يؤيدون بناء الجدار على الرغم من تحفظ البعض من اليسار واليمين على مساره وطريقة بنائه مع اختلاف الدافع، فاليمين يتحفظ على الجدار لأنه يضع حدوداً نهائية لإسرائيل لا يعترف بها، وأما اليسار، فإنهم يرون أن الجدار يمثل رمزاً للعنصرية ويحتجون على مساره الذي يرسم أهدافاً سياسية قبل أن تكون أمنية.

وبين هذا وذاك المعسكر، يستمر بناء الجدار مع ما يلحقه من ضرر على أبناء الشعب الفلسطيني وأملاكهم وأراضيهم. ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، وتزايد العمليات الاستشهادية في العمق الإسرائيلي زاد التأييد الإسرائيلي لبناء الجدار الذي بدأ بخطوات عملية على الأرض في ظل حكومة شارون.

شكلت مسألة بناء الجدار الفاصل موضوع نقاش مستديماً منذ فترة ليست بالقصيرة داخل الدولة العبرية قبل انطلاقة انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية بسنوات، واتخذ هذا النقاش حالة من الاحتدام بين مختلف الكتل السياسية الإسرائيلية. فقوى اليمين رأت فيه تقييداً وتحديداً مسبقاً لحدود ومساحة الدولة العبرية.

بينما نظرت قوى يمين الوسط ويسار حزب العمل إلى الموضوع من زاوية نفعية براغماتية لخدمة الأمن الإسرائيلي بالدرجة الأولى، معتبرة بأن المشروع لا يعدو أن يكون أفضل حل لأسوأ وضع.

أما الأحزاب العربية في إسرائيل وبعض تلاوين يسار كتلة ميرتس فقد وجدت فيه تكريساً لسياسة عنصرية تهدف إلى خنق الفلسطينيين بين الجدار غرباً وحدود السيطرة العسكرية الإسرائيلية شرقاً على امتداد أغوار الأردن من الجنوب إلى الشمال.

ويعتبر وزير الشرطة السابق في عهد اسحق رابين الوزير موشيه شاحال الأب الروحي للمشروع إلى جانب المفتش العام السابق للشرطة رافي بيلد، حيث ولدت الفكرة آنذاك أثر عملية بيت ليد الفدائية المزدوجة التي نفذها استشهاديان من حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وقتل فيها 23 عسكرياً إسرائيلياً.

وكانت فكرة سياج الفصل تقوم على حجز نحو 20% من مساحة الضفة الغربية، لكن المشروع لم ير النور لأسباب مختلفة منها أسباب مالية وأسباب تتعلق برؤية رابين الجدار الذي أراده سياجاً للأمن بينما أراده بيريز سياجاً فاصلاً للأمن ومحققاً التعاون الاقتصادي في آن، فان كان الفصل اقتصادياً جلب الضرر للمنتج الإسرائيلي الذي شكلت له الضفة الغربية سوقاً اقتصادية تستهلك سنوياً ما قيمته ثلاثة مليارات دولار، علاوة على أن «سياج الأمن» إن طبق اقتصادياً ألحق الضرر بأحلامه الشرق أوسطية. لذلك قوبل المشروع بالرفض حينذاك من قبل رابين وبيريز.

وفي مارس 1996 قررت الحكومة الإسرائيلية الفصل بين المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وبين السكان المقيمين فوق الأرض المحتلة عام 1948 من أجل السيطرة على حركة السيارات والبضائع والمشاة، كما تضمنت الخطة إنشاء منطقة تماس.

الخطة دعيت باسم خطة «متساديم» لإنشاء عائق على امتداد منطقة التماس وإنشاء عائق مادي ومنع المرور في المناطق المكتظة سكانياً وشق طرق للدوريات الحدودية واستخدام وسائل سيطرة وتحكم واعتراض متطورة لكن الخطة راوحت مكانها. ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في 28/9/2000 فان «مجلس الأمن القومي».

وما يسمى «هيئة مكافحة الإرهاب» قررا بأن منطقة التماس لا تلبي الهدف المخصص لها كمنطقة عازلة فعالة وناجعة، لذلك حول أيهود باراك مشروع الجدار الفاصل إلى حقيقة جدية على ساحة النقاش في نوفمبر 2000، وكرسه شارون في يونيو 2001 كحقيقة على الأرض عندما كلف معهد فان لير ومديره البروفيسور شمشون تسلينكر بوضعه بمشاركة عشرات خبراء الاقتصاد والتعليم والديموغرافيا والأمن.

وبإسهام فاعل من أوري ساغي الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية وجلعاد شير، وصادق عليه المجلس الوزاري في يوليو 2001 تحت عنوان «خطة منطقة التماس» بما في ذلك التبني الكامل لمشروع «غلاف القدس».

وكان شارون قد أعلن في خطاب له يوم 21/2/2002 ولادة خطة الفصل. شارون عرض خطته في خطابه تحت عنوان خطة «المناطق الفاصلة»، التي كان الجيش الإسرائيلي قد نظر بها سابقاً تحت عنوان «إقامة مناطق تماس» على يد رئيس «هيئة مكافحة الإرهاب» رحيعام ساسون الذي يعمل تحت إدارة رئيس «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي» الجنرال عوزي ديان.

وتضمنت خطة شارون للفصل إعادة تقطيع جديد للأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى واقع جديد، وهي بهذا تتعدى حدود اصطناع البانتوستانات التي تحشر داخلها قطاعات بشرية إلى تجمعات معزولة تحت السيطرة والمراقبة الدائمة.

وترتكز الخطة على النقاط التالية:

1 ـ إقامة قطاع بعرض خمسة كيلومترات في الأراضي الفلسطينية على طول الخط الفاصل بين أراضي الـ 67 وأراضي الـ 48.

أما في الأراضي الفلسطينية التي تقع في الخاصرة الإسرائيلية مثل حدود قلقيلية وطولكرم، والتي يصعب إقامة مناطق عازلة فيها فسيتم إقامة سياج فصل دون قطاع عريض. وفي غور الأردن سيكون قطاع الفصل بعرض 20 كيلومترا وقطاعات أخرى حول القدس.

2 ـ المنطقة الواقعة داخل مناطق الفصل سيعلن عنها كمنطقة عسكرية مغلقة. ومن لا يسكن فيها لا يستطيع أن يدخل إليها، والمزارعون الفلسطينيون الذين تقع أراضيهم في المنطقة سيحصلون على تصاريح للعمل في أراضيهم.

وفي المناطق الفاصلة سيقيم الجيش الإسرائيلي عدة معوقات لتصعيب حركة ما أسماهم صاحب الخطة «حركة المخربين». وبالتالي سيقام سياج لمنع مرور الناس بمناطق مكتظة بالسكان من طرفي خط التماس.

3 ـ أما بقرب المدن «الإسرائيلية» على حدود خط التماس سيقام سور مضاد للرصاص مع حراسة بواسطة معدات إلكترونية بما في ذلك أجهزة إنذار مبكر وكاميرات على الأرض، فضلاً عن مرابطة قوات متحركة من حرس الحدود. ومنع مرور السيارات الفلسطينية.

دعاة الفصل

يستند دعاة الفصل إلى مسألتين اثنتين: المسألة الديموغرافية وضرورة فصل سكان مناطق 1948 عن السكان الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة حرصاً على استمرار التفوق الديموغرافي اليهودي، والمسألة الأمنية.

وفي المسألة الأولى فان التقديرات التي أعطاها معهد فان لير بأن أغلبية يهودية ستكون حتى نهاية العقد الجاري بين الأردن والبحر بنسبة 51%.

وأن هذه النسبة ستصبح 47% في العام 2020، وفي العام 2050 ستكون 37% فقط. أما إذا تم تحديد خط الفصل من الآن ففي نهاية العقد الجاري ستكون هناك أغلبية يهودية داخل حدود الدولة العبرية ما وراء الخط بنسبة 78%، وفي العام 2050 سيشكل اليهود 74%.

وأكثر من هذا فان التخوفات تتزايد عند الطرف الإسرائيلي من التبدلات السكانية الحاصلة داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فقد أوردت صحيفة هآرتس يوم 16/4/2002 تقريراً شاملاً وفيه البيانات والمعطيات المتعلقة بالتوزع السكاني لليهود البالغ عددهم فوق أرض فلسطين التاريخية 3 ,5 ملايين من أصل 5 ,6 ملايين سكان الدولة العبرية حتى منتصف العام 2002.

حيث نسبة اليهود في القدس 6,67%، وفي عكا 8, 72%، وفي اللد 9 ,76%، وفي الرملة 1, 80%، وفي الناصرة العليا 2, 85%، وفي بئر السبع 9 ,92%، وفي تل أبيب ويافا 9 ,93%، وفي ترشيحا 7, 71%.

ولا يشكل اليهود نسبة مئة بالمئة من السكان إلا في المدينتين الاستعماريتين: ألعاد، ومودعين عيليت. علماً بأن الفلسطينيين يتركزون في مناطق معينة من فلسطين المحتلة عام 1948 وفق النسب التالية: 12% في منطقة القدس، 17% في منطقة الشمال، 13% في منطقة حيفا، 23% في المنطقة الوسطى، 8% في منطقة تل أبيب، 14% في منطقة الجنوب.

ووفق البيانات السابقة، فان «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي» وفي إطار التقرير السنوي الذي قدمه رئيس المجلس الجنرال عوزي دايان إلى الحكومة الإسرائيلية.

حيث يعرض «تقييمات للوضع الأمني القومي الإسرائيلي» تبني العودة إلى ترسيم الحدود الفلسطينية ـ الإسرائيلية بناء على «الميزان الديموغرافي ـ الأمني» معرباً عن اعتقاده بأن هذا هو السبيل الوحيد لـ «ضمان قيام دولة يهودية وديمقراطية بعيدة الأمد».

كما ويطرح دايان في تقريره أمام الحكومة الإسرائيلية ثلاثة مفاهيم أساسية، معتقداً بأن إسرائيل ستضطر إلى الحسم فيها خلال السنوات القادمة: فإما أن تتفق مع الفلسطينيين على إقامة دولتين، وإما أن تبادر إلى الانفصال عنهم وإقامة الجدار الفاصل جغرافياً وسياسياً وبشرياً، وأما أن تقرر قيام دولة واحدة ذات سيادة. ويوصي المجلس بترسيم الحدود باعتباره أفضل الحلول.

العمليات الاستشهادية

وفي المسألة الأمنية فإن النقاش المشار إليه بصدد الفصل تواصل متسارعاً مع اتساع العمليات الفدائية الفلسطينية داخل حدود 1948، وانتهاج العديد من القوى الفلسطينية أسلوب «العمليات الاستشهادية» بعد مؤتمر مدريد وبداية التسوية المأزومة.

فقد وقعت أولى هذه العمليات يوم 16/4/1993 عندما قام الشهيد طاهر النابلسي، من حركة الجهاد الإسلامي / نابلس بتفجير نفسه في سيارة مفخخة بين باصين إسرائيليين لقوات الاحتلال في غور الأردن.

وهذه العملية دفعت الأطراف الإسرائيلية للتدقيق فهل هي عملية عابرة، أم نمط جديد بدأ يشقّ طريقه عند الفلسطينيين..؟ خاصة وأن عملية فدائية ثانية من نفس النمط تبعت الأولى مباشرة في حافلة وسط مدينة العفولة عام 1994 على يد كتائب الشهيد عزالدين القسام/ الجناح العسكري لحركة حماس.

وزادت التساؤلات حدة مع التواتر المتتالي للعمليات المشار إليها، التي وصل عددها إلى 120 عملية منذ أوسلو 1993 حتى منتصف يونيو 2002، حيث بدأت تطفو على السطح السياسي الإسرائيلي انطلاقاً من يسار حزب العمل وكتلة ميرتس دعوات الفصل بين «الشعبين».

وفي هذا السياق فإن أغلبية مجتمعية يهودية كانت دوماً تؤيد إقامة هذا الجدار على أمل تحسين الأوضاع الأمنية وضبط حركة العبور بين كل من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى إسرائيل، وتحديداً عبور اليد العاملة الفلسطينية.

بينما ترى أوساطاً أمنية وعسكرية إسرائيلية ثانية بأن لا جدوى من إقامة هذا الجدار فهو «برميل بلا قاع وبلا غطاء» حيث استطاع المقاتلون الفلسطينيون أكثر من مرة التغلب على جدران أكثر ارتفاعاً وإحكاما.

كما حدث في العمليات الفدائية التي تم خلالها اقتحام مستعمرات محصنة بشكل كبير في: مارغنيت/غانور، ايتمار، ايلي سيناي، ايتسهار، عتسمونا، كارني شمرون، دوغيت، ناحل ماغورا، الحمرا، رام أون من قبل فدائيي كتائب الشهيد عز الدين القسام، وكتائب المقاومة الوطنية الفلسطينية التابعة للجبهة الديمقراطية.

وكتائب الأقصى التابعة لحركة فتح، وسرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، وكتائب الشهيد أبوعلي مصطفى التابعة للجبهة الشعبية، فضلاً عن إمكانية التغلب على مفعول شبكات الإنذار الإلكترونية في ضوء الإمكانيات المتوفرة كل يوم مع تطور تقنيات المعالجة عن بعد بواسطة بث الأمواج السريعة.

مع إمكانية إطلاق الصواريخ والهاونات من خلف الجدار، بل وإمكانية استخدام الطائرات الشراعية. وعلى هذا الأساس فإن العديد من الأوساط الإسرائيلية لا تتوقع فائدة مرجوة من بناء الجدار على المستوى الأمني، وأكثر من هذا فإنها تعتبره جداراً غبياً لن يقي المستوطنين من ضربات قوى المقاومة الفلسطينية.

أما ما تعتقد به المعارضة اليمينية واليمينية التوراتية الإسرائيلية في حيثيات رفضها إقامة الجدار فمرده يعود إلى أن الجدار يغلق الباب جزئياً أمام التوسع التهويدي فوق الأراضي المحتلة عام 1967.

ويسهم بعزل عدد كبير من المستعمرات المقامة على أراضي الضفة الغربية ومنها مستعمرات «الكرافانات» الكثيرة العدد والمحدودة السكان والتي ترهق كاهل الجيش في تكاليف حراستها وحمايتها، ويبلغ عدد سكان هذه المستعمرات قرابة 40 ألف مستعمر وفق ما أوردته صحيفة معا ريف الإسرائيلية يوم 18/6/2002.

وأضافت القول بأن الحماية الفعلية لمستوطن من مستعمرات الكرافانات عند خروجه لشراء حاجاته اليومية تتطلب آليتان عسكريتان لمرافقته، وعلى هذا الأساس فإن مستعمرات الكرافانات يحشر داخلها وحولها أكبر عدد من الجنود وعدد أقل بكثير من المستوطنين.

من جانب آخر، لعل في المشروع الإسرائيلي الجديد والخطوات العملية التي تمت لإقامة الجدار الفاصل خروجاً عن المألوف في التخطيط العسكري الإسرائيلي.

وتجاوزاً لمفاهيم العقيدة القتالية الإسرائيلية التي وضع أسسها العديد من سياسيي وجنرالات الحرب الإسرائيليين وعلى رأسهم ديفيد بن غوريون والجنرال موشيه دايان. فالعقيدة القتالية الإسرائيلية قامت على فلسفة «المجال المفتوح غير المقيّد» .

و«تجنب المعركة داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية» ونقلها دوماً إلى ميدان الطرف الآخر، على شكل ضربات صاعقة وسريعة، وتجنب الدخول في أية معارك استنزاف طويلة المدى، وبالتالي القفز عن مبدأ الحرب الخاطفة، التي تتبوأ مكانة كبرى في أذهان القادة الإسرائيليين و مجالات أعمالهم، و تصرفاتهم العسكرية في المنطقة العربية.

حيث يهدف المبدأ المذكور إلى تحقيق الحسم السريع و الانتصار العسكري، الشامل و النهائي، على الجيوش العربية، في سبيل الحصول على مكاسب إقليمية و معنوية، للانتقال إلى الدفاع عن المكاسب المتحققة، و الحفاظ على الوضع الراهن، و التلويح بقوة الردع الشامل.

فضلاً عن تجاوز مذهب الحرب الوقائية (الاستباقية) الذي يعد من أقوى مذاهب العقيدة القتالية الإسرائيلية و أشدها أهمية في تأريخ الحروب العربية ـ الإسرائيلية.

و يعتمد هذا المذهب على تحقيق الضربة الأولى، أي اتخاذ الخطوة العملياتية الأولى، و المبادرة بالهجوم و المفاجأة من أجل تحطيم قوات العدو العسكرية و احتلال أراضيه و انتقاء الزمان و المكان و الأسلوب الذي يتناسب و الطرق و المبادئ بالحرب.

وبعيداً عن الإشارات العنصرية التي تحملها هذه الخطوة الإسرائيلية ومساعي أغلبية الأطراف الإسرائيلية لتكريس العزل تجاه الشعب الفلسطيني وإعادة إنتاج نظام البانتوستانات (الابرتهايد)، فإنها من الناحية العسكرية لم تكن لتأتي لولا الخسائر الباهظة التي لحقت بالطرف الإسرائيلي، بعد تهافت جولة «السور الواقي» دون أن توقف أو أن تلجم العمل الفلسطيني المقاوم للاحتلال الإسرائيلي فوق الأراضي المحتلة عام 1967 والعمليات «التفجيرية» داخل حدود 1948.

وعجز شارون وأركان جيش الاحتلال وأجهزة الأمن في السيطرة على الوضع الأمني، وضبط عبور «القنابل البشرية الموقوتة» بالرغم من الآلام والخسائر الهائلة التي ألحقتها ومازالت قوات الاحتلال في صفوف الشعب الفلسطيني وسقوط أكثر من 2500 شهيد حتى نهاية مايو 2002.

معركة الجدار

وفي ظل استعصاء عملية التسوية وفشل شارون في حربه ضد الفلسطينيين فإن مسألة الجدار الفاصل تحولت بدورها إلى معركة سياسية وانتخابية داخل حزب العمل المنهار والذي يبحث عن قائد تاريخي له بوزن اسحق رابين.

كما في المعركة الانتخابية القادمة للكنيست السادسة عشرة، وبات يتعدى الحديث عنه باعتباره نقطة البداية لأي مرشح لزعامة حزب العمل وتالياً لرئاسة الوزراء، وهذه إشارة لا تخلو من دلالة عميقة، فطيف المواقف السياسية داخل حزب العمل توزع كالتالي:

حاييم رامون من حمائم حزب العمل واليسار العمالي الصهيوني، وأحد صانعي اتفاق أوسلو الأول اعتبر بأن لا شريك فلسطيني في المرحلة الراهنة ولذلك يجب البدء ببناء الجدار سياسياً وأمنياً. وبالنسبة للمستوطنات يتم إخلاؤها من قطاع غزة، وإخلاء المتناثرة منها فوق أراضي الضفة الغربية وكل المستوطنات خارج الجدار.

الجنرال عمرام متسناع رئيس بلدية حيفا ومنافس بنيامين بن اليعازر على رئاسة حزب العمل يرى بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين دون شروط مسبقة وإقامة جدار فاصل عند فشل المفاوضات. مع إخلاء مستعمرات قطاع غزة والمستوطنات المتناثرة على أرض الضفة الغربية، وأن لا تبقى مستوطنات شرقي الجدار الذي اشترط قيامه النهائي بعد تقرير مصير ووضع الحدود ونتائج المفاوضات.

بنيامين بن اليعازر (فؤاد) زعيم حزب العمل والشريك الفعلي لشارون في سياساته الدموية، يعتبر بأن الجدار هو جدار أمني أولاً وأخيرا لترضية الاتجاهات الصقورية داخل الحزب فضلاً عن أحزاب وقوى اليمين التوراتي، وبالتالي فهو جدار لا معنى سياسي له عند بن اليعازر.

وبكل الحالات، يمكن تقديم العرض الجغرافي ـ الأمني ـ اللوجستي التالي لواقع الجدار الفاصل:

يبلغ طول الخط المشترك بين حدود فلسطين 1948 وفلسطين 1967 حوالي 470 كيلومترا يبدأ من جنوب الضفة الغربية عند ريف مدينة الخليل حتى أقصى شمال الضفة على حدود جنين ـ أم الفحم والمثلث، عدا مناطق الأغوار التي تعتبر عند الطرف الإسرائيلي مناطق سيطرة بكل الأحوال والاحتمالات، لأن إسرائيل لا تريد رؤية أي كيان فلسطيني يمتلك حدوداً مفتوحة مع أي قطر عربي.

وحسب ما هو مطروح إسرائيليا فإن الجدار سيكون في مرحلته الأولى جداراً جزئياً محدوداً في المناطق الشمالية للضفة الغربية بين ريف مدينتي جنين وطولكرم حتى قلقيلية ومناطق 1948 بطول 71 كيلومترا إلى 110 كيلومترات، بحيث يتضمن أربعة مكونات مؤلفة من:

1 ـ ألواح اسمنتية مرتفعة يصل طولها إلى سبعة أمتار.

2 ـ أسلاك شائكة كثيفة توضع بمحاذاة الألواح الاسمنتية على جانبي الجدار.

3 ـ خنادق بين الألواح الاسمنتية والأسلاك الشائكة تكون بمثابة مواقع تفخيخ مضادة للأفراد.

4 ـ شبكة إنذار مبكر الكترونية موصولة مع مراكز أمنية إسرائيلية قريبة.

وعلى هذا الأساس تم الاتفاق النهائي بين شارون وبن اليعازر على المسار الكامل لجدار الفصل بطول 260 كيلومترا من بيسان حتى جبال الخليل.

ولم يتم تحديد المسار لمخطط جدار الفصل حول مدينة القدس، وتحديداً باتجاه الشرق وتم تحديد مواضع الجدار الشمالية والشرقية فقط بطول 22 كيلومترا، حيث عمل رئيس بلدية القدس في حينه الصهيوني الليكودي المتطرف أيهود أولمرت على توسيع غلاف القدس شرقاً بغرض ضم المزيد من الراضي المحتلة عام 1967، ويطالب بضم: أبوديس، والعيزرية، وكتلة مستعمرات معاليه أدوميم المقامة فوق أراضٍ واسعة من القدس المحتلة عام 1967.

من جانب آخر فإن النتائج السلبية المباشرة لإقامة مثل هذا الجدار ستكون وخيمة، وتنعكس فلسطينياً من خلال:

ـ خنق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 اقتصادياً وعلى مختلف المستويات وتقزيم الاقتصاد الفلسطيني خاصة الزراعي منه بجعله قائماً على تبعية مطلقة للاقتصاد الإسرائيلي.

تغيير الحدود

ـ تجاوز الجدار لمساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتحريك خط الحدود الفاصل بين فلسطين 1948 وفلسطين 1967 في ريف جنين وطولكرم وقلقيلية، خاصة قرى: دير الغصون، شويكة، عتيل، علار، فراسين، باقة الشرقية والغربية، الشعراوية، قفين، رمانة، خربة الطيبة، عانين، النزلة الغربية، قواسين، العقبة، نزلة عيسى، برطعة الشرقية، طورة الغربية، العقبة، أم ريحان، نزلة أبو نار، الجاروشية، عزبة سلمان، جيوس، الجلمة، فرعون، الراس...

وضم 76292 كيلومترا مربعا من 23 قرية فلسطينية تضم 26 ألف نسمة، وأكثر من هذا فإن وزراء اليمين الصهيوني طالبوا بنقل وتحريك جدار الفصل المقترح مساحات كبيرة تجاه الشرق حتى تندرج غربه كتل الاستيطان الكبرى: مفو دوتان، كدوميم، عمانويل، أريئيل، ألفيه منشيه. ويوصي البعض بأن يفصل الجدار حتى بين مدينتي طولكرم وقلقيلية المحتلتين عام 1967. ويريد شارون كذلك ضم قبة راحيل في بيت لحم إلى داخل الجدار نحو الغرب.

ـ إدخال بعض المستعمرات المقامة فوق أراضي الضفة الغربية إلى ما وراء الجدار باتجاه الغرب، الأمر الذي يخفي وراءه ضماً قسرياً لمساحات من أراضي الضفة الغربية إلى الدولة العبرية. وبالتالي ينبغي التعامل مع مفهوم الجدار في إطار الهدف المعلن لشارون بضم 22 في المئة من مساحة الضفة الغربية إلى الدولة العبرية.

ـ حشر 26 ألف مواطن فلسطيني بين حدود الجدار وفلسطين المحتلة عام 1948، واحتجازهم داخل معزل مغلق.

ـ وقد يشكل بناء الجدار بداية ترجمة لتكريس مشروع الكانتونات تجاه المصير المستقبلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في حال تم الاستمرار في بناء الجدار حتى جنوب مدينة الخليل.

فضلاً عن الإمعان في تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى قسمين تصل بينهما خمسة خطوط عرضية أمنية تقسم بدورها الضفة الغربية إلى 8 كانتونات لا تواصل جغرافي بينها. وتسهم الطرق الالتفافية في التفتيت الإضافي لمناطق الضفة إلى 92 جزيرة منعزلة في بحر المستعمرات التي بلغ عددها 185 مستعمرة مقامة على مساحة نحو 3522 كيلومترا مربعا ويسكنها 380 ألف مستعمر ما عدا مستعمرات منطقة القدس.

وبمطلق الأحوال، فإن إقامة الجدار العنصري المسمى بجدار الفصل يشكل مخالفة جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن الأراضي الواقعة تحت احتلال عسكري، كما في مخالفة المعاهدات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وحتى للاتفاقيات الثنائية المرحلية الموقعة بين السلطة الفلسطينية والطرف الإسرائيلي والاتفاقية المرحلية التي أبرمت في واشنطن في 28/9/1995 وتحديداً المادة 31 منها.

والتي تنص على عدم قيام أي من الجانبين بإحداث تغييرات على الأرض من شأنها أن تجحف بحق الطرف الآخر عند التفاوض على قضايا المرحلة النهائية، والمادة السابعة عشرة التي تتحدث عن تحويل الأراضي المحتلة والخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية إلى السلطة الوطنية الفلسطينية تدريجياً، والمادة الحادية عشرة التي تتحدث عن الضفة الغربية كوحدة جغرافية واحدة.