أوردت صحيفة «ديلي تليغراف»، مؤخرا، أن الولايات المتحدة تستعد لشن هجوم على إيران. وقامت الصحيفة البريطانية بوصف سيناريو الهجوم كالتالي: «الولايات المتحدة، التي لم تعد تستطيع تحمل مخاطر توصل إيران إلى أسلحة نووية يمكن استخدامها ضد إسرائيل، أو إيصالها للإرهابيين، قد قامت بالفعل بشن حملة جوية لقصف المواقع النووية والقواعد الجوية والمواقع العسكرية الرئيسية في إيران .

ورد الإيرانيون بقطع إمدادات النفط عن أميركا وحلفائها وأغلقت مضيق هرمز وأعطت الضوء الأخضر لانتفاضة شيعية في جنوب العراق تسببت بدورها بمنع 60 % من صادرات العراق النفطية». والنتيجة هي : «ارتفاع هائل في أسعار النفط سيتسبب بدوره في توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد العالمي».

الجدير بالذكر أن الصحيفة لا تنظر لهذا السيناريو على أنه مجرد سيناريو نظري. فقد تبين أن مؤسسة «هيريتيج فاند»، وهي مؤسسة بحثية تابعة للجناح المحافظ في الولايات المتحدة ولها علاقات وثيقة بالبيت الأبيض،

قد توصلت إلى «محاكاة» مشابهة لما أوردته الصحيفة البريطانية منذ أربعة أشهر. ويجري حاليا نقل ما تم توقعه من نتائج لمثل هذا الهجوم للعسكريين والمخططين الذين كُلفوا بالوصول إلى خطط لمواجهة إيران.

وهناك تقارير إعلامية أخرى تشير إلى أن الهجوم على إيران ممكن. فقد ألمح روبرت باير، وهو مسؤول كبير سابق في «سي آي إيه»، مؤخرا إلى مثل هذه الاحتمالية، وذلك أثناء مقابلة أجرتها معه محطة «فوكس» الأميركية.

وفي الوقت نفسه فإن صحيفة «تايمز» نقلت عن خبير سابق في الأمن القومي الأميركي قوله إن البنتاغون قد طورت خطة لشن هجمات كبيرة على 1200 منشأة إيرانية بهدف تدمير القدرات النووية الإيرانية تماما في خلال ثلاثة أيام فقط لا غير.

ووفقا لصحيفة «ديلي تليغراف»، فإن نائب الرئيس ديك تشيني قد استعاد زمام الأمور مرة أخرى من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت غيتس اللذين يفضلان العمل الدبلوماسي والعقوبات من أجل عزل إيران. فوفقا للتقارير فإن رد فعل تشيني كان عنيفا للغاية عندما قالت وزارة الخارجية الأميركية إن المفاوضات قد تمتد لما بعد يناير 2009، عندما يرحل بوش من البيت الأبيض.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما هو موقف الرئيس بوش؟ فقد صرح مؤخرا في حديث أمام قدامى المحاربين الأميركيين بأن السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية يعرض الشرق الأوسط إلى «هولوكوست» جديد.

من الواضح أن بوش قد اختار كلماته بعناية هذه المرة، مذكرا الحضور بتصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ضد إسرائيل، وفي الوقت نفسه ترك الباب مفتوحا أمام مشاركة إسرائيل في أي عمل عسكري ضد إيران. ولم تكن مصادفة أيضا أن يتهم بوش في حديثه إيران بتمرير أسلحة للقوات المعادية لأميركا في العراق، واصفا هذه التصرفات بأنها «أنشطة قتل» تقوم بها إيران.

هل يمكن أن ينظر إلى كل هذا بأنه يعكس نية أميركية قوية لاستخدام القوة ضد إيران؟ أنا بدوري أتمنى ألا تعني هذه الحرب الكلامية بين طهران وواشنطن أن أميركا قد اتخذت قرارا سياسيا بمهاجمة المنشآت الإيرانية، النووية منها وغير النووية. لقد نقلت «ديلي تليغراف» عن مسؤول سابق في البيت الأبيض قوله: «بوش لاعب بوكر سياسي. وكي تلعب البوكر يجب أن تتعلم كيف تُخادع».

ومن ثم فإن الخداع هنا لا يمكن استبعاده. ولكن ما الذي يهدف إليه هذا الخداع؟ هناك أهداف عديدة في هذا الشأن. بعد المباحثات التي تمت في طهران، قال مندوبو الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن تقدما قد تحقق وإنه لم تعد هناك أمور عالقة أو غامضة حول الأنشطة النووية الإيرانية السابقة.

غير أن رد فعل أميركا على تقرير الوكالة في هذا الصدد اختلف عن رد فعل أوروبا. فالأميركيون قالوا إن إيران تعمل على كسب الوقت فحسب. وفي الوقت ذاته، أصدرت واشنطن سلسلة جديدة من التهديدات توحي بأنها يمكن أن تستخدم القوة ضد إيران.

لم يكن الهدف من هذه التهديدات الضغط على إيران فحسب، وإنما هدفت أيضا إلى استعادة النظام داخل حلف الأطلسي بما يعني أنه لم يحن وقت الاسترخاء بعد أو السماح لإيران باستغلال المواقف المتضاربة بين أميركا والاتحاد الأوروبي.

كما ترتبط تهديدات استخدام القوة ضد إيران بالموقف في العراق. فالتهديدات تهدف إلى الضغط على طهران التي لها بالفعل نفوذ خطير على الوضع في العراق. والتهديدات ضد إيران جاءت قبل وقت قصير من تقديم القائد العسكري الأميركي في العراق تقريره للكونغرس حول أثر الزيادة في القوات الأميركية في الوضع الأمني في البلاد،

وهو التقرير الذي تزامن مع ذكرى الحادي عشر من سبتمبر. وقبل أسبوع واحد من مناقشة الكونغرس للتقرير، قام بوش بزيارة مفاجئة للقاعدة الأميركية في محافظة الأنبار العراقية. ولم يكن اختيار مكان الزيارة اعتباطيا،

فبعد الانقسام الذي وقع بين ميليشيات السنة وتنظيم القاعدة في العراق، تقلصت بشكل نسبي حدة الهجمات التي تُشن على الجنود الأميركيين في تلك المحافظة؛ الأمر الذي أعطى قوة لإدعاء الأميركيين بأن عملية السلام في العراق قد بدأت بالفعل، على الرغم من حقيقة أنها بعيدة كل البعد عن كونها قد بدأت في ذلك البلد المنقسم على نفسه.

إذا، هل أميركا بالفعل تستعد لشن هجوم على إيران؟ أم أن الأمر لا يتعدى كونه خداعا. وفقا لاستطلاع رأي حديث قامت به مجلة « فورين بوليسي» اشترك فيه 108 خبراء أميركيين بارزين، بمن فيهم مادلين أولبرايت

ومدير «سي آي إيه» السابق جيمس ووسلي، فإن 89% من المشتركين قد تحدثوا ضد القيام بضربة استباقية أميركية ضد المنشآت النووية الإيرانية. غير أن اتباع أسلوب الخداع يمكن أيضا أن يزيد العلاقات الأميركية الإيرانية سوءً، لاسيما أن لاعب البوكر الذي يُتهم بالخداع غالبا ما يختار إعلان الإفلاس.

ترجمة: حاتم حسين عن «موسكو نيوز»

بقلم: يفغيني بريماكوف