هذا الكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن دراسة بحثية للأستاذ والباحث الفلسطيني المعروف علي بدوان تتناول محطات انتفاضة الأقصى والوقائع التي صنعتها خلال العامين الأولين من انطلاقتها وكيف مثلت وسيلة عبور نحو الاستقلال الفلسطيني، ويشير كذلك إلى تعاطف الشعوب العربية وتضامنها مع الشعب الفلسطيني وخروجها في مظاهرات دعم وتأييد تؤكد على الصلات الوثيقة بين الشعوب العربية التي تربطها الوشائج القومية والدينية. وأهمية هذا الكتاب تنبع من قيمته التوثيقية ومن دقة المعلومات التي يوردها للباحثين والمهتمين والقراء العاديين الذين تشدهم قضية العرب الأولى.
شكل المشروع الاستعماري والغزو التوسعي الكولونيالي الصهيوني لفلسطين خلال عقود القرن الماضي ولا يزال يشكل إلى الآن عنوان الصراع الرئيسي مع المشروع الوطني/ القومي التحرري العربي، وعكس نفسه على الجوانب الموازية في النضال القومي من أجل الوحدة والتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والاستقلال القومي بجوانبه المختلفة: السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، وفي العمل من أجل التطور والتنمية الاجتماعية، واستثمار الموارد والخامات العربية وتحقيق الرفاهية لأبناء أمتنا العربية.
لقد حفرت التطورات السياسية، وحدّة التناقضات بين المشروع التحرري القومي مع الغزو الصهيوني آثارها بشكل كبير على مستقبل المنطقة، بل وعموم العلاقات الدولية بين الأطراف المؤثرة على مجرى عملية الصراع. ودفعت أمتنا العربية الثمن الباهظ من تكاليف الصمود والثبات أمام تصاعد وعنف المشروع العدائي المضاد، من حروب عام 1948 واغتصاب فلسطين، إلى حروب العدوان الإسرائيلي الصهيوني تحت المظلة الغربية وعلى الأخص الأميركية منها، وما يجري الآن من عمليات سياسية مترافقة مع فعل عدواني دموي فوق الأرض العربية الفلسطينية لتطويق الانتفاضة والفتك بها، وشطب الحقوق الوطنية والقومية للشعب العربي الفلسطيني، خاصة حق اللاجئين في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني الناجز.
انطلاق الشرارة
ومع انطلاق شرارات الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية، انتفاضة الأقصى والاستقلال فجر (28/9/2000) انطلق بصيص النور في ظلام الوضع الرسمي العربي المتردي والمتآكل. فأعادت الانتفاضة الحيوية والروح إلى الشارع العربي الذي تحرك خلال شهور الانتفاضة الأولى من المحيط إلى الخليج، واستحضرت من جديد البعد القومي لصراعنا مع الاحتلال والغزو الصهيوني.
وأعادت التوازن والربط بين الخاص الوطني والعام القومي، فضلاً عن شد وشائج المصير المشترك بعد أن ضاعت قضايانا الوطنية والقومية أمام سلسلة من الهزائم التي تكبدناها بفعل القصور الرسمي والتفكك العربي ـ العربي من جانب، ودرجة الاستقطاب العالية لمعسكر القوى المعادية في مواجهة قوى الصمود العربية من جانب آخر.
ونستطيع القول: إن انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية جاء رداً مباشراً على تسوية أوسلو، ووصول المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية إلى عنق الزجاجة كنتيجة منطقية للتصادم بين البرنامج الوطني الفلسطيني المنسجم مع قرارات المرجعية الدولية وبين برنامج التسوية الصهيوني للحل الدائم، وهو البرنامج القائم تحت سقف معادلة قوة البارود والنار.
كما ولم تكن انتفاضة الاستقلال الفلسطينية التي انبثقت خيوط إشعاعها فجر (28/9/2000) وليدة لحظتها، فقد جاءت بفعل تراكمات هائلة على امتداد سنين التسوية المختلة، واختزنت رويداً رويداً على أرض الصراع مع مشروع التسوية الأميركي الإسرائيلي، خاصة بعد انفضاض قمة كامب ديفيد 2 (يوليو 2000).
فالمعلومات التي تواترت من قمة كامب ديفيد 2، كانت قد خلقت التفاعلات على الأرض الفلسطينية، وأشارت إلى أوراق عمل قدمها وفد الكيان الصهيوني مسلحاً بوجهة النظر الأميركية للتدخل مع الطرف الفلسطيني بالمقايضة على حق العودة للاجئين مقابل اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية حال إعلانها.
ومقابل تعويضات مالية تغطى من المجتمع الدولي، مع ضم 10% من الضفة (الكتل الاستيطانية الاستعمارية التهويدية) فوراً لدولة الاحتلال، وتقزيم قضية القدس، ومبادلة أراضي من الضفة وغور الأردن بمنطقة حلوتسا الصحراوية في النقب بدلاً من رحيل المستوطنين عن الضفة وجنوب قطاع غزة، والانسحاب إلى حدود 4 يونيو 1967.
وتكسرت أوراق كامب ديفيد 2 تحت وطأة حركة الشارع الشعبي الفلسطيني في فلسطين والشتات، وعادت إلى الصدارة أهمية العودة للوحدة الوطنية الفلسطينية والبرنامج الوطني المشترك، وضرورة العودة لإحياء التضامن العربي - العربي وفق الحدود الدنيا من المصالح الوطنية والقومية العربية.
وبكل الحالات فإن ديمومة الكفاح الوطني الفلسطيني، والاستعداد الكفاحي العالي لدى الشعب الفلسطيني، برهنا بأن الأمور لا تنتهي بمجرد حفلات كرنفالية «سلامية» إعلامية تلفزيونية تبث هنا وهناك، فهذا «السلام»، سلام خداع، يخدع بالصورة البصرية لفترة أو لفترات، ولا يستطيع أن يخدع الجميع. من هنا لا نستطيع أن نقول بأن ما جرى من اتفاقيات كان عامل تكبيل شامل لحركة التحرر الوطنية للشعب الفلسطيني، بل إن دينامية الحراك الكفاحي ستبقى موجودة ومتعددة تبعاً للظروف والمعطيات والإمكانيات.
وعلى هذا، فإن أفاق المستوى السياسي للصراع العربي ـ الصهيوني ستبقى مفتوحة على مصراعيها، حيث لا يمكن تأبيد الحقوق الوطنية والقومية لشعب فلسطين العربي تحت سقف اتفاقيات جائرة وظالمة. تم توقيعها بظروف يغيب عنها التوازن مع اختلال ميزان القوى، لا تموت بالتقادم ولا يلغيها تجبر ظالم.
وهكذا يجب علينا أن نبني ونؤسس لانطلاقة فاعلة تأخذ بعين الاعتبار أن الحلول والتسويات المؤقتة لا يمكن أن تكون فصل الختام للنضال الوطني التحرري والقومي، ولا يمكن أن تسرق والى الأبد الحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية، أو أن تنهي الحلم المشروع بالتحرر والوحدة والديمقراطية.
والاستعداد على المستوى القومي يجب أن ينطلق بالضرورة من ملاحظة ما يجري على أرض فلسطين، وتقديم كل الجهود ودفعها نحو تكتيل أوسع الطاقات لدعم صمود شعب فلسطين على الأرض مادياً وسياسياً ومعنوياً. وتشكيل مظلة للمشروع الوطني الفلسطيني أمام سلسلة لم تتوقف من معارك الإشغال والاستنزاف السياسي والمادي والعسكري حتى اللحظة بقوة النار والبارود.
إن تلمس رؤية أفاق النضال التحرري ضد المشروع الصهيوني، ينطلق بالضرورة من الموقع القومي نحو فلسطين حيث معركة المصير التي تلخص ميدان الصراع في المنطقة بأسرها. وعلى نتائجها تتوقف اتجاهات حركة نهوض المنطقة على كافة المستويات.
إن الخيار الحقيقي أمام الفلسطينيين، خيار ديمومة الفعل والتأثير في الساحة الدولية، وديمومة المقاومة بكل أشكالها الممكنة، وإعادة طرح القضايا الفلسطينية على طاولة البحث الجاد، يمر عبر الإسراع باستكمال الحوار الوطني الفلسطيني لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، والسير قدماً تجاه إصلاح الذات الفلسطينية وتوحيد أدوات الفعل المؤثرة. فخيارات الفلسطينيين العادلة، واقعية، لكنها تحتاج إلى وحدة البرنامج وأدواته، ووحدة الإرادة، بدلاً من المراوحة في المكان، والانزلاق نحو هاوية التردي الداخلي كما حدث قبل فترة.
معطيات الانتفاضة
مع الخسائر الفادحة التي وقعت بصفوف الشعب الفلسطيني جراء تصاعد العدوان والعنف الفاشي الإسرائيلي، لم يسلم الطرف الإسرائيلي بدوره من رد الفعل الفلسطيني المشروع حيث لحقت خسائر كبيرة في صفوف قواته ومستعمريه تجاوزت 646 قتيلاً مع نهاية العام الثاني من عمر الانتفاضة معظمهم من العسكريين، منهم 123 من المستوطنين أي بنسبة 20%، سقط منهم 220 داخل حدود الـ 48 أي نسبة 38%، وقتل منهم 204 في الضفة الغربية أي بنسبة 35%.
كما قتل منهم 106 في منطقة القدس بنسبة 18%، بينما قتل الباقون في مناطق قطاع غزة أي بنسبة 9%، بينما بلغ عدد الإصابات 4137 جريحاً. ومنذ مطلع العام 2002 وحتى نهاية يونيو قتل 238 إسرائيلياً في أكثر من ألف عملية عسكرية وفق تقرير المفتش العام للشرطة الإسرائيلية شلومو أهرونيشكي، حيث أضاف في تقريره أن 1071 عملية عسكرية من بينها 152 عملية وقعت داخل فلسطين 1948.
وأن 49 عملية تفجيرية وقعت في القدس المحتلة، بينما وقعت 46 عملية شمال الدولة العبرية، وفي جنوبها 39 عملية، وفي الوسط 15 عملية، وفي تل أبيب سبع عمليات، وتشير المعطيات إلى أن عدد العمليات ارتفع عن العام الماضي بنسبة 90%.
وفي شهر يوليو 2002 وحده قتل وجرح 176، ووصل عدد القتلى الإسرائيليين إلى 611 قتيلاً منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية إلى تاريخ 5/8/2002، مقابل 1779 شهيداً فلسطينياً، أي 1 مقابل 25,3، بينما كانت النسبة 1 إلى 15 في الانتفاضة الكبرى الأولى بين أعوام 1987 ـ 1993.
وبعد انتهاء عملية «السور الواقي» وبداية عملية «الطريق الحازم» تم اغتيال العشرات من القيادات الميدانية للانتفاضة، منهم عل سبيل المثال حتى التاسع من أغسطس 2002 :
اغتيال مناضلين اثنين واعتقال أربعة في قلقيلية، واغتيال ثلاثة واعتقال 15 في طولكرم، واغتيال 24 مناضلاً فلسطينياً واعتقال 22 في نابلس. بينما نفذت القوى الفدائية والأجنحة العسكرية خلال الفترة المشار إليها 63 عملية نوعية ( 15 حماس، 9 فتح، 3 الجهاد الإسلامي، 2 ديمقراطية + شعبية، 37 جهات لم تعلن عن نفسها )، وهناك 51 عملية نوعية لم يحالفها النجاح ( 13 فتح، 13 الجهاد الإسلامي، 9 حماس، 12 ديمقراطية + شعبية )، وأكثر من 200 من المنفذين جاؤوا من الضفة الغربية.
وتعتبر المصادر الإسرائيلية بأن التصعيد الذي وقع خلال العامين الأولين من عمر الانتفاضة، حصد الكم الأكبر من الخسائر. فقد تم تنفيذ 204 عمليات أو محاولة لعملية «استشهادية» منذ توقيع اتفاق إعلان المبادئ في باحة البيت الأبيض في 13/9/1993. من بين العمليات السابقة 161 عملية خلال الفترة المشار إليها. بينما وقع في الفترة الزمنية الممتدة ما بين إعلان المبادئ في أوسلو إلى لحظة اندلاع الانتفاضة 43 عملية فقط وبالتالي فان المنسوب لتنفيذ عمليات «استشهادية» ارتفع إلى أربعة أضعاف.
في الجانب الفلسطيني، وحسب المعطيات والبيانات التي نشرتها وزارة الصحة الفلسطينية مع عبور الانتفاضة عامها الثالث فقد بلغ عدد الشهداء من 29/9/2000 وحتى 29/9/2002 ما مجموعه 2528 منهم 512 طفلا تحت سن 18 عاما وهؤلاء الذين وصلوا لمستشفيات وزارة الصحة أو مستشفيات القدس والمستشفيات غير الحكومية وتم توثيقهم ولكن هنالك أعداد كبيرة تم دفنها خوفا من بطش الإسرائيليين أو التنكيل بأهلهم عند نقلهم إلى المدينة.
كما بلغ عدد الجرحى حتى 29/9/2002 ما مجموعه 40095 جريحا، منهم 11468 جريحا من الأطفال تحت سن 18عاما، ومن هؤلاء آلاف الجرحى تم إسعافهم في مواقع الإصابة أو في المستشفيات الميدانية القريبة. في حين تنوعت مناطق الإصابة حيث استهداف الرأس والعين 9 ,22% والصدر والبطن 6 ,20% والأطراف العلوية والسفلية 8,49% وإصابات متعددة من استنشاق غاز أو موت على الحاجز وغيرها 7 ,7%.
ولذلك فان عدد الإعاقات الدائمة بلغ 5500 من شلل رباعي إلى شلل نصفي إلى فقدان عين أو طرف علوي أو سفلي أو طرفين في آن واحد. ومن خلال هذه الممارسات التعسفية الفاشية لم يحترم العدو الصهيوني المواثيق الدولية وإشارة الهلال الأحمر أو حتى الصليب الأحمر، فلقد أدى إطلاق النار والقذائف على سيارات الإسعاف والمسعفين إلى استشهاد 18 ما بين مدير مستشفى اليمامة في بيت لحم ومدير الإسعاف في جنين وأطباء آخرين ومسعفين وسائقي سيارات إسعاف كما أدى هذا إلى تدمير كامل لـ 35 سيارة وإصابة نحو 370 من الأسرة الطبية العاملة.
فقد وثقت وزارة الصحة 215 اعتداء على المستشفيات الفلسطينية أصيبت خلالها بقذائف ورصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي مما أدى إلى إصابة مرضى وجرحى داخل المستشفى أو إصابة مولدات الكهرباء وخزانات المياه وغرف العمليات والعناية المركزة.
واستخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية غازات سامة عدة مرات كما في الاستخدام المستديم للرصاص الحي والمعدني وقذائف المسامير وقذائف الدبابات على المدنيين الفلسطينيين مما جعل الإصابات شديدة النزف صعبة العلاج، فقد كانت بقصد القتل أو أحداث إعاقة دائمة دون تمييز بين طفل ورجل وامرأة إضافة إلى استخدامهم اليورانيوم المستنفذ.
خسائر الاقتصاد الفلسطيني
بالرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بالجانب الفلسطيني على الصعيد الاقتصادي والحياتي اليومي، واقتصاده الزراعي، ومؤسساته الإنتاجية المتواضعة وبناها التحتية، نتيجة العدوان الإسرائيلي وعمليات الإغلاق وتطويق أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وجرف الأراضي الزراعية.
واقتلاع الأشجار المثمرة، خاصة شجرة الزيتون التي يشكل وجودها وإنتاجها الدخل الأساسي لمئات الآلاف من العائلات والأسر الفلاحية الفلسطينية، بالرغم من هذا إلا أن الاقتصاد الإسرائيلي ذاته لم يكن بعيداً عن الخسائر الهائلة التي لحقت به جراء تواصل الانتفاضة وفعالياتها من جانب، وتواصل صمود وبقاء الفلسطينيين فوق أرضهم من جانب آخر.
وعلى الرغم من تحكم السلطات الإسرائيلية بأهم مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني، بعد احتلال مديد ما زال متواصلاً منذ عام 1967، حيث تسيطر سلطات الاحتلال على الأرض الفلسطينية ونقاط العبور إلى الضفة الغربية وقطاع غزة براً وبحراً وجواً، وعلى نحو 90 في المئة من إجمالي حجم التجارة الخارجية للضفة الغربية وقطاع غزة بشقيها الصادرات والواردات وجباية ضرائبها ووضعها باليد الإسرائيلية.
بما يتلاءم بطبيعة الحال مع متطلبات الاقتصاد الإسرائيلي ولمصلحة نموه، هذا فضلاً عن هيمنة سلطات الاحتلال أيضاً على نحو 85 في المائة من إجمالي حجم المياه المتاحة في الضفة الغربية وقطاع غزة خاصة في المخزون الجوفي الهائل شمال الضفة الغربية، وبالتالي تحكم سلطات الاحتلال قبضتها على نحو 750-800 مليون متر مكعب سنوياً، على الرغم من ذلك.
ومن الابتزاز والسياسات الاقتصادية الجائرة التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وتنصلها حتى من اتفاقية باريس الموقعة مع السلطة الفلسطينية عام 1996 وإمساكها بأموال الضرائب التي تتم جبايتها من الفلسطينيين، عدا حشر المواطنين الفلسطينيين ووضعهم في معازل مطوقة بالمستوطنات من كل الجهات ـ على الرغم من كل هذا،.
فإن ثمة حقائق أفرزتها الانتفاضة من خلال استمرارها، ودفع فاتورتها الاقتصاد الإسرائيلي، مما أدى إلى آثار مباشرة على هذا الاقتصاد، وقد تتضاعف هذه الآثار مع استمرار الانتفاضة وإعادة تزخيم حضورها الشعبي الديمقراطي الواسع. وفي حال وجدت الانتفاضة الفلسطينية الروافع والمعونات والدعم الكافي لاستمرارها.
وعليه، شهد الاقتصاد الإسرائيلي تراجعاً في الأداء الاقتصادي، وبالتالي تراجعت معدلات النمو الاقتصادي مقارنة بالسنوات السابقة، حيث إن الأمن الإسرائيلي وتحقيقه بالنسبة للمجتمع الصهيوني وقادته بقي هاجساً يومياً منذ الاحتلال، ووضع على رأس هرم الأجندة السياسية، فالأمن الإسرائيلي هو العامل الأول في جذب مزيد من يهود العالم إلى فلسطين المحتلة.
وهو المقدمة الأساسية لتحسين الأداء الاقتصادي، ومن دونه لا يمكن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحركة الصهيونية وإسرائيل. هذه المسألة باتت تؤرق أصحاب القرار والمجتمع الإسرائيلي، وهذا ما يفسر ارتفاع وتيرة القمع من قبل الجيش الإسرائيلي.
الخسائر الإسرائيلية
أصيب الاقتصاد الإسرائيلي والعملية الإنتاجية بخسارة صافية تزيد على 50 مليار شيكل اثر الانخفاض الحاد في النمو الاقتصادي مع توقع وصول نسبة البطالة إلى الذروة، إذ يتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل إلى 300 ألف عاطل (270 ألف عاطل حالياً) ما يستوجب رصد 7, 8 ملايين شيكل في موازنة العام المقبل.
وأضافت مصادر اقتصادية إسرائيلية القول بأنه للمرة الأولى في تاريخ الأزمات الاقتصادية الإسرائيلية لم تسلم طبقة أو شريحة داخل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 من الخسائر التي وقعت على خلفية انهيار تسوية أوسلو مع الطرف الفلسطيني، ووصل الضرر الكبير إلى «الأثرياء قبل الفقراء» على حد تعبير الصحيفة، وارتفعت الأسعار بشكل عام خلال النصف الأول من العام 2002 بنسبة 6 ,6%، خاصة أسعار الكهرباء والوقود، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 4,1%، وأسعار الملابس 7 ,4%، والمواصلات والإعلام 5 ,1%.
بشكل عام فان الاقتصاد الإسرائيلي يمر بأسوأ أحواله، حيث يزداد معدل البطالة، ومعدل التضخم مرتفع، واقترب الشيكل من أدنى مستوياته على الإطلاق وفق تشخيصات خبراء الاقتصاد في مؤسسة «كريديه سويس فيرست بوسطن».
فالقوة الدافعة للاقتصاد الإسرائيلي وهي قطاع التكنولوجيا والإلكترونيات (الهاي تك) تداعت تحت وطأة التباطؤ في صناعة التكنولوجيا المتقدمة العالمية، وانكمش إجمالي الناتج المحلي بنسبة 6,0% عام 2001.
بينما قفزت البطالة إلى 6,10% ويتوقع أن تصل مع نهاية العام 2002 إلى نسبة 5 ,11% ويتوقع أن يتجاوز معدل التضخم 7%. بينما أدت الانتفاضة الفلسطينية إلى تدهور قطاع السياحة وهي صناعة هامة في الدولة العبرية، حيث الأمن والاستقرار يعتبر حجر الزاوية في ارتفاع عدد السياح إلى فلسطين المحتلة. وهذا أخذ بالتراجع، وقد تكون النتائج واضحة على الناتج المحلي في نهاية عام 2002 .
حيث ساهم قطاع السياحة الإسرائيلي بنسبة لا بأس بها، وتراجعت بنسبة 42% في النصف الأول من العام 2002 مقارنة مع النصف الأول من العام 2001، فقد دخل في النصف الأول من العام الجاري 2002 ما مجموعه 700 ,377 سائح،مقارنة بـ 400, 690 في الفترة المقابلة من العام الماضي.
بينما دخل في النصف الأول من العام 2000 ما مجموعه 700 ,356 ,1 سائح، حيث انخفضت النسبة عن الفترة الحالية بـ 72% بالمقارنة مع النصف الأول من العام 2000. وبالنتيجة فان التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن العدد الكلي للسياح في العام الحالي 2002 لن يتجاوز 750 ألف سائح، ويعتبر هذا الرقم الأكثر انخفاضاً منذ العام 1970.
كما وتراجع عدد الوظائف في مجال الفنادق في الفترة الأولى من اندلاع الانتفاضة في الربع الأخير من عام 2000، ليصل إلى 25 ألفاً و700 في مقابل 30 ألفاً و800 قبل انطلاقة الانتفاضة، وحسب المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، فان الربع الأخير من عام 2000 شهد في صناعة الفنادق عائداً بلغ 08, 1 مليار شيكل (250مليون دولار)، أي بتراجع نسبته 27% عن المدة نفسها في عام 1999.
وحسب تقديرات دائرة التسويق في وزارة السياحة الإسرائيلية، فإن إسرائيل كانت تستقبل 2,3 ملايين سائح قبل اندلاع الانتفاضة، وأضاف أن الربع الأخير من عام 2000 شهد نسبة تراجع شهري لوصول السياح بلغت 45% عن السنة السابقة.
إن الانتفاضة تركت آثارها على اقتصاد الدولة العبرية وفق ثلاثة اتجاهات سلبية في كل من قطاعات : السياحة والبناء والزراعة، إذ أدت إلى انهيار جزئي ولكنه كبير في قطاع السياحة، في حين تأثر قطاع البناء الذي يعتمد بنسبة 30% على العمالة الفلسطينية كذلك تراجعت مساهمة قطاع البناء الإسرائيلي في الناتج المحلي الإسرائيلي أيضاً، حيث يعمل في القطاع المذكور نحو 75% من قوة العمل الفلسطينية الآتية من الضفة الغربية والقطاع.
وهؤلاء في حالة مواجهة يومية مع الاحتلال. وبشكل عام قدرت الصحافة الإسرائيلية الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية حتى يونيو من عام 2002 بنحو 7 مليارات دولار أميركي، لكن الأهم تبقى الخسائر البشرية التي وصلت إلى 615 قتيلاً حتى الأسبوع الأول من أغسطس 2002، لأنه يمكن تعويض الخسائر الاقتصادية عبر المساعدات الأميركية التي تصل إلى 9 مليارات دولار سنوياً بشقيها المباشرة وغير المباشرة. كما إن قطاع الزراعة وتصنيع الناتج الزراعي الذي يعتمد على العمال الفلسطينيين بنسبة 12% قد تضرر هو الآخر بنسبة كبيرة.


